د. الطيب بوعزة

تنوعت دراسات «القصص القرآني» بحسب تنوع المداخل المنهجية التي اصطنعتها، والمرامي التي قصدتها. هذا وإن كان تركيز كثير من الكتابات هو التعامل معها بوصفها سرداً قصصياً، بما يفيده ذلك من مراعاة للمقتضيات الفنية لتلقي السرد.
لكن من بين تلك المداخل الأخرى التي انتهجت في التفاعل مع القرآن، مدخل البحث التاريخي. إذ استوقفت الوعيَ الإسلاميَّ المعاصرَ وفرةُ الإشارات التاريخية في القرآن الكريم، حيث لا تكاد تخلو سورة من سوره من إيراد واقعة أو إشارة إلى حدث تاريخي، مع تنوع في أساليب وتقنيات الإيراد ما بين عرض وسرد وحوار وغيرها.
وبهذا التنوع في الأساليب وتنوع توظيف الإشارات التاريخية حفز قصصُ القرآن قارئيه على إجراء إمكانات متنوعة، من بينها ما أشرنا إليه سابقا، أي إمكانية القراءة التاريخية، لأن تلكم القصص لا ينحصر نظام بنائها في شكليات السرد وتقنياته وشروطه، حتى وإن كان بعضها يحمل بنية فنية مقاربة لنظام السرد.
وهذا ما يشير إليه أحد أهم الباحثين عناية بالتنظير للفكر التاريخي الإسلامي، الأستاذ عماد الدين خليل، بقوله: «إن عددا كبيرا من عروض القرآن التاريخية، وإن جاءت تسميتها - أحيانا - بالقصص، أي الحديث عن الماضي، تخرج عن الإطار الفني للقصة». (التفسير الإسلامي للتاريخ، ص97)
بل إننا لا نرى أن تسمية «عروض القرآن التاريخية» ب «القصص» مضاد للمعنى التاريخي الذي يحرص د. خليل على توكيده، إذ لا نلحظ أي نشاز بين تلك التسمية وبين العرض التاريخي إلا في مقاييس الدلالة الشائعة للفظ «القصة» في التداول اللغوي المعاصر. بل من القصور النظر إلى القصص القرآني بالمعنى الذي يرد به لفظ القصة في لغتنا اليوم، لأن اللفظ ذاته استعمل في القرآن في أكثر من موضع بما يفيد معنى «تتبع الأثر». ففي سورة «القصص»: «وقالت لأخته قُصِّيهِ فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون» (القصص/11). ومعنى «قُصِّيه» هنا هو «اتبعي أثرَ موسى»، فكانت نتيجة تتبعها أنها «بصرت به». وفي سورة الكهف: «فارتدَّا على آثارهما قصصا» (الكهف/64)، أي رجعا من الطريق ذاته. وهكذا نلاحظ أن معنى لفظ «قَصَّ» المستعمل في الآيتين السابق ذكرهما هو «تتبع الأثر». ومعلوم أن الفعل المنهجي الذي تسلكه كل دراسة تاريخية تبتغي الاقتراب من حقيقة حدث تاريخي ما، هو «تتبع الأثر». ومن ثم فإن هذا المعنى الذي استعمل به لفظ «القصص» أقرب إلى دلالة مقاربة الحدث التاريخي. هذا وإن كنا لا نرى أن القصة القرآنية مختزلة في تسجيل التاريخ. إذًا ثمة فارق واضح بين المقصد من «القَصّ» في القرآن الكريم وبين القصة في تلقيها الفني، حيث إن التركيز هنا على إمتاع ذائقة السرد بما تحمله من تشويق، بينما القصة في ورودها القرآني تفيد تنبيه الوعي إلى القيم الناظمة للحياة. إنها تحليلٌ للتجربة البشرية في وضعها الوجودي وما يشهده من صراع بين الواقع المتجسد والقيم المثلى. وعليه فإن إيراد التاريخ في القصص القرآني لا يراد به مجرد التشويق الروائي، ولا تسجيل تاريخية الحدث، بل الاعتبار بالحدث.
وهذا لا يلزم عنه فقط تغيير النظر إلى القصص القرآني، بعدم الاقتصار على إيرادها ودرسها كسرد فني، بل ينبغي أيضا أن نغير منهجية فهمنا للمادة التاريخية الواردة في القرآن الكريم. فحضورها هو حضور إشارات حافزة لمنهجية الاعتبار، أي إن مرادها هو صناعة الحاضر لا الالتصاق بالماضي. وفعل الاعتبار فعل منتج، لأن عليه تأسس إمكانية صناعة التاريخ. وهذا ما يفسر تكرر بعض القصص في أكثر من سورة. حيث إن السياقات، التي تتكرر فيها، مختلفة، الأمر الذي يجعل الدلالات التي تكتسبها القصة ذاتها في سياق غير الدلالات المكتسبة في سياق آخر.
وعليه فالدرس المستفاد من هذا التكرار في الإيراد هو أن الغاية من تلك القصص ليست ما تسرده من أحداث، أي ليست الغاية هي التاريخ ذاته، بل القصد هو إيقاظ حس الاعتبار لبناء القيم التي تحتاجها التجربة الإنسانية في الأوضاع المشابهة للوضعية الواردة في القصة. وبما أن الحدث قابل لأن يرمز إلى قيم متعددة، فإن توظيف القصة ذاتها في أكثر من سياق مسوغ.