من أسرار العربية أن «القاف والعين والدال» تدل على اللبث والثبات، فمنها لفظة (قعد) التي تستعمل لما فيه لبث وطول مكث، وفي معنى اللبث والبقاء يقول تعالى: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) [المائدة: 24]..
أما « الجيم واللام والسين » فعلى العكس من ذلك؛ ففيها الحركة، ومنه «الجلس» للشيء المتحرك الذي لا يبقى عند صاحبه. ومن هنا يقال: جليس الملك، ولا يقال: قعيده؛ إذ إن من حسن أدب الجليس عدم المكث الطويل مراعاة وتقديرًا لمختلف الأحوال، بينما الجلوس يدل على سرعة التحول والتغير، قال تعالى: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) [المجادلة: 11]. فلفظة «المجالس» هنا أنسب وأدق من لفظة «المقاعد».
والمتأمل لآي القرآن الكريم واستعمال هاتين الكلمتين يدرك روعة العربية من جهة وإعجاز الكتاب الخالد من جهة ثانية، فالقعود إنما يستعمل لما فيه لبث وطول مكث، أما الجلوس فيستعمل فيما ليس كذلك؛ ولهذا يقال: قواعد البيت، ولا يقال: جوالسه.
أما قوله تعالى عن مصير المتقين في الآخرة: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: 54-55]، فهو يدل على إكرام الله للمتقين، فطول الجلوس والإقامة في هذا المقام من أكبر النعم للمؤمنين؛ ولهذا كانت لفظة (مقعد) في الآية أصدق وأدق وأبلغ من «مجلس».
إن اختصاص القعود باللبث وطول المكث دون الجلوس ليس من باب المبالغة أو المغالاة والشطط، بل إنه ليجعلنا نتفهم بلاغة القرآن الكريم في قوله تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: 17-18].
فمنها نفهم أن الملكين ملازمان للإنسان ملازمة دائمة، يراقبانه ويكتبان عنه كل ما يتلفظ به، وأنهما ليسا جليسين يلمان بالإنسان على عجل، ثم يدعانه وشأنه، إضافة إلى ما في لفظة «قعيد» من معنى الترصد والترقب، وبهذه الملازمة والحرص يكون إحصاء ما على الإنسان وما له في غاية الكمال والشمول.
فرق آخر أن في « قعد » معنى ليس في « جلس » ألا ترى أنا نقول: قام ثم قعد، وأخذه المقيم والمقعد، وقعدت المرأة عن الحيض، ثم تقول: كان مضجعًا فجلس، فيكون القعود عن قيام، والجلوس عن حالة هي دون الجلوس. لأن الجلس المرتفع، والجلوس ارتفاع عما هو دونه.
فأصل الجلس: الارتفاع في الشيء، وجلس في أصلها أن يقصد بمقعده جلسًا من الأرض، جاء في المصباح المنير: « الجلوس غير القعود، فإن الجلوس هو الانتقال من سفل إلى علو، والقعود هو الانتقال من علو إلى سفل؛ فعلى الأول يقال لمن هو نائم أو ساجد: اجلس، وعلى الثاني: يقال لمن هو قائم: اقعد».
يؤيد هذا المفهوم ما جاء في حديث النبي: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» (ثلاثًا) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، ثم جلس وكان متكئًا فقال: «ألا وقول الزور»، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.
يقول ابن فارس في معجم «مقاييس اللغة»: «يقال: جلس الرجل جلوسًا، وذلك يكون عن نوم واضطجاع، وإذا كان قائمًا كانت الحال التي تخالفها القعود، يقال: قام وقعد».
وبهذا تتضح دقة الراغب الأصفهاني في تعريفه للقعود بالمقابلة، حيث يقول: «القعود يقابل به القيام»، وقد جاء تقابلهما في القرآن الكريم في أكثر من آية، قال تعالى: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) [النساء: 103]، وقال سبحانه: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) [آل عمران: 191]، وقال (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا) [يونس: 12].وحديث نافع عن عبد الله قال: «كان النبي يخطب خطبتين يقعد بينهما». ويمكن أن نفهم أن الخطبة في حال القيام من قوله (يقعد بينهما)؛ إذ القعود لا يكون إلا عن قيام، وهذه إحدى فوائد الفروق بين الألفاظ، وتحري الدقة في تحديد معانيها.
* مدير الجامعة القاسمية بالشارقة