مع حلول شهر رمضان المبارك يتجدد الخلاف السنوي حول رؤية هلال الشهر الكريم تثار مشكلة اختلاف المطالع فنجد بعض الدول تصوم في يوم والبعض الآخر يصوم في اليوم التالي وهناك دول تصوم في اليوم الثالث!!.. وتكون النتيجة أن المسلمين يحتفلون بليلة القدر مثلا على مدى ثلاث ليال متتالية رغم أن فريضة الصوم من أهم أهدافها توحيد المسلمين وكذلك بالنسبة لعيد الفطر مما يحدث بلبلة سنوية بين المسلمين وللتغلب على كل هذه العقبات يبدأ الحديث عن القمر الاصطناعي الذي يقول البعض إنه يمكنه حل هذا الخلاف جذرياً والذي أطلق عليه اسم القمر الإسلامي.
كانت بداية المشروع اقتراحا من مفتي مصر الأسبق الدكتور نصر فريد واصل لإنشاء قمر اصطناعي إسلامي يهدف إلى التغلب على مشكلات رصد الهلال من فوق سطح الأرض التي يتسبب فيها تلوث الجو والسحب وغيرها فيستطيع رصد مطالع الهلال بدقة باستخدام منظار محمول على القمر الذي سيدور على ارتفاع مناسب ما بين 400- 600 كيلومتر من الأرض وهو ارتفاع تتحقق به عدة مزايا، مثل انعدام التلوث والنشاط الجوي تمامًا فيصفو الأفق صفاء كاملاً، وينعدم تشتت الضوء، فلا تضعف إضاءة الهلال بالنسبة للأفق، وبذلك تمكن رؤيته مهما كانت درجة لمعانه فيتحقق توحيد المواقف بين أنصار الرؤية الشرعية وأنصار الحساب الفلكي وبالتالي توحيد مطالع الشهور العربية لتوحيد مواقف العرب والمسلمين على اعتبار أن توحيد المطالع دليل على وحدة المسلمين والعكس صحيح.
السؤال الذي يطرح نفسه هل يحل هذا القمر مشكلة الاختلاف؟ والإجابة اختلف عليها علماء الدين والفلك بين مؤيد ومعارض وكانت هذه آراءهم.
يقول المفكر الإسلامي د. محمد عمارة إن الخلل الحادث والمتكرر في رؤية الهلال وتحديد مواعيد المناسبات الإسلامية مرجعه إلى عقلية الجمود والتقليد التي تصر حتى الآن على أن رؤية الهلال هي الرؤية البصرية.. بينما التفسير الصحيح لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته يشمل الرؤية العلمية لأن مصطلح الرؤية في القرآن الكريم أغلب استخداماته بمعنى العلم.
والرؤية العلمية بالفلك والحسابات واردة في تفسير حديث الرسول خاصة أننا أصبحنا في عصر تتزايد فيه الشوائب الملوثة للجو.. الأمر الذي يجعل الرؤية البصرية للهلال متعذرة أو مشكوكا في قطعيتها.
وأشار د. عمارة إلى أن الأمر الثاني الذي يسهم في هذا الخلل هو موقف الفقهاء القدامى الذين قالوا إن لكل قطر المطلع الخاص به.. وقد كان هذا صحيحا في العصور الماضية عندما لم تكن وسائل الاتصال تتيح معرفة الرؤية خارج البلد الذي تثبت فيه.. أما الآن فإن وسائل الاتصال تعمم الأخبار في جزء من الثانية.
لذا لا عذر في تطبيق قاعدة اختلاف المطالع على عصرنا الراهن.. والحل العملي والعلمي ومن ثم الشرعي الذي يخرجنا من هذه المهزلة هو تطبيق الاقتراح المصري بإقامة مرصد فلكي في مكة المكرمة يتبع منظمة المؤتمر الإسلامي.. وتكون الرؤية فيه شاملة للبصر وللعلم.. ويكون هذا المرصد هو الجهة الوحيدة التي تحدد أوائل الشهور القمرية.. ولو فعلنا ذلك واستعنا بالعلم والحساب الفلكي لأصبحت الشهور القمرية آلية للتاريخ حتى في المواعيد المستقبلية كما هي الحال مع الشهور والتقويم الشمسي.
المشكلة الحقيقية
ويرى الدكتور عبدالحليم عويس أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر أن المشكلة ليست في القمر الاصطناعي الإسلامي فهو آلة تحتاج لتنفيذ حتى يؤدي رسالته إنما المشكلة الحقيقية في أن الأمة ابتليت ببعض الناس الذين يتوهمون أنهم يعيشون مع الإسلام في قرنه الأول وهذا عظيم فكلنا نتمنى أن نعيش في عصر الرسالة والرسول والراشدين إلا أنني أجزم فأقول إن هؤلاء الذين عاشوا في عصر الرسول والراشدين لو عاشوا في عصرنا لما كانوا أبدا مثل هؤلاء المتزمتين الذين يفصلون بين القرن الأول والقرون التالية.. فمثلا الرسول صلى الله عليه وسلم لم تتنزل عليه صيغة الأذان من السماء وإنما وضع الأمور شورى بين الناس وطلب أن تكون هناك صورة مميزة عن الأذان تميز الأمة الإسلامية وأن عمر بن الخطاب والصحابة رأوا صيغة الأذان المعروفة على امتداد العصور وأصبحت معتمدة وأقرها الوحي.. فلو كان الصحابة في عصرنا لعرفوا كيف يتفقون على صيغة تجعل من الأقمار الاصطناعية وسيلة توحيد لا تمزيق.
تعجب د. عويس متسائلا: أليس عجبا أن بعض الدول المسلمة يرفض الاستعانة بوسائل حديثة في معرفة هلال رمضان وهي معروفة فلكيا بالدقيقة؟.. فقد أصبح الفلك علما متطورا جديدا ولكن بعض الناس يخطئ في فهم كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين.
لكن المشكلة أن المسلمين منقسمون فالرسول قال لرؤيته أي أن الوسائل الحديثة جائزة لكن إذا تعارضت العين المجردة مع هذه الوسائل نقول للعين أنت محدودة لأن الرؤية بالوسائل الحديثة تقوم أساسا على العين وعلى الحسابات الفلكية فالعين تخطئ أما الحسابات الفلكية فلا تخطئ.. لذلك يجب أن يتفق المسلمون على طريقة معينة يجتمع عليها علماء الفلك والدين معا بحيث يكون توقيت مكة هو الأساس لأن مكة وسط العالم والمركز وهي قلب العالم الآن.
وأكد أنه يجب على المسلمين أن يصوموا في وقت واحد ويفطروا في يوم واحد وأن يكون مطلع شهر ذي الحجة متفقا عليه لكن للأسف هناك دول تخالف لمجرد الخلاف وتريد أن تخرج عن الصف الإسلامي لكي تتميز عن غيرها.
ذريعة لأعداء الإسلام
ويقول د. عبدالحكم الصعيدي الأستاذ بجامعة الأزهر إن اختلاف الرؤية في بلد عن الآخر ينشر نوعاً من البلبلة لدى جماهير المسلمين خاصة لأولئك الذين يحرصون على الصيام التطوعي في التقرب إلى الله بالطاعة لما ورد من فضل العمل الصالح في هذه الأيام.
وأضاف: أن التضارب في بدء الصوم وهو شيء أساسي يهم المسلمين يكون ذريعة لأعداء الإسلام كي يتشدقوا بالهجوم والادعاء بأن المسلمين مفككون حتى في أبسط الأمور.
وحذر د. الصعيدي من خطورة التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية والتي تتطلب تضافر الجهود من أجل التغلب عليها حتى تتفرغ للبناء والسعي للنهوض الحضاري المنشود واستعادة مكانتها الرائدة بين أمم العالم، مشيرا إلى أن الفرقة والخلاف المذهبي من أشد هذه التحديات خطرا وهي سلاح الغرب الأول لتمزيق الصف الإسلامي وجعل بأس الأمة بين أبنائها بدلا من أن يكون على أعدائها.
ويقول الدكتور مبروك عطية الأستاذ بجامعة الأزهر إنه لا خلاف بين العلماء في أن البلاد التي تشترك في جزء من الليل يصح لأهلها أن يصوموا معا وأن يفطروا معا ولا خلاف أيضا في أن لكل بلد مطلعه وقد قال تعالى في القرآن الكريم رب المشارق والمغارب فجمع المشارق دليل على أن لكل بلد مشرقا وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رجلا عاد من الشام وقد صام أهلها وحكى ذلك لابن عباس فقال له: لكنا لم نر الهلال وما أقرب الشام من المدينة المنورة فالأمر هين وليس فيه حرج أو ضيق وهذه المسألة ليست أم المسائل التي تعاني منها أمتنا الإسلامية فلتصم كل دولة على رؤيتها ولتتحد القلوب والكلمة والصف وكل مبلغ ينفق من أجل مسألة فيها اتساع يجب أن ينفق في مسائل الضيق والحاجة حتى تنكشف الغمة عن الأمة.
وأضاف: أن القضية في أصلها ليست بذات بال ثم إن الأمر مشكوك فيه وفي جدواه فنيا وشرعيا ولو كنا نحن الذين نصنع هذه الأقمار بأنفسنا لهان الأمر ولكننا سوف نتوجه بأموالنا إلى شركات أجنبية ولسوف تعدنا هذه الشركات وعودا لا تقدر عليها ولسنا قادرين على قياس نتائجها.
وتعجب د. مبروك من تسمية هذا القمر بالإسلامي رغم أنه آلة اشترك في صنعها البعض من غير المسلمين ولا علاقة له بالإسلام فالهدف من إنشائه تحديد أوائل الشهور العربية فقط.
الحساب الفلكي
وعن رأي علماء الفلك يقول الدكتور مسلم شلتوت أستاذ العلوم الفلكية بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية: إن رؤية أوائل الشهور العربية في البلاد الإسلامية تقوم على أربعة اتجاهات:
الأول الذي يأخذ بالحساب الفلكي على أساس أنه أصبح علما صحيحا وهو أساس الملاحة الفضائية التي استطاع بها الإنسان الوصول إلى القمر والعودة منه.
والاتجاه الثاني هو أن يكون غروب القمر بعد غياب الشمس بحوالي 20 دقيقة حتى يمكن للعين البشرية أن تميز الهلال الجديد الذي يكون لمعانه ضعيفا مقارنة بضوء شفق الغروب.. وقد أقر هذا المبدأ المؤتمر الإسلامي الذي عقد في اسطنبول عام 1978 ويسير على هذا المبدأ بعض البلاد الإسلامية ومنها تركيا.
والاتجاه الثالث هو الذي يأخذ الحساب الفلكي كمدخل للرؤية الشرعية الصحيحة ولكنه ليس بديلاً منه وتأخذ مصر بهذا المبدأ منذ أكثر من 20 عاما.. وقد اتضح أن الحسابات الفلكية لا تختلف أبدا مع الرؤية الشرعية الصحيحة للجان المصرية التي تقوم برصد الهلال الجديد وهي لجان مشكلة من علماء من دار الإفتاء ومرصد حلوان وهيئة المساحة.
الاتجاه الرابع هو الذي لا يأخذ بالحساب الفلكي مطلقا ويعتمد على الرؤية سواء بالعين المجردة أو بالنظارات المكبرة أو التليسكوبات البصرية كما هو الحال في السعودية.. وهي لحظة اقتران القمر بالشمس.
وبالنسبة لمسلمي كندا وأمريكا واليابان وبعض البلاد الأخرى التي تختلف في ليلها ونهارها مع الأخرى.. فتعتبر هذه الدول مختلفة في خطوط الطول ولا حرج في أن كل مسلم هناك يصوم حسب مطلع كل بلد.. وحدث هذا في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن اختلف المسلمون في الصيام في عمان والخليج العربي عن المسلمين في الحجاز ولم يعترض الرسول صلى الله عليه وسلم.
عملية معقدة
وحول رأيه في مشروع القمر الاصطناعي الإسلامي قال د. مسلم شلتوت إن هذا المشروع لم تتم الموافقة عليه من الناحية الشرعية على مستوى الفقهاء المسلمين لأنه مخالف لسببين أولا أن رؤية الهلال لابد أن تتم من على سطح الأرض وليس من قمر اصطناعي يبعد عن الأرض حوالي ألف كيلومتر.. وثانيا سوف تستخدم برامج محاكاة لكي تحول ما تراه الكاميرات بالقمر الاصطناعي إلى ما يجب أن يكون عليه الوضع لراصد من على سطح الأرض.. وهذه البرامج شائكة ومعقدة وفيها نسبة خطأ كبير.
وتساءل د. شلتوت لماذا ينفق العالم الإسلامي أكثر من 30 مليون دولار لرصد بداية الشهر العربي بقمر اصطناعي لا يزيد عمره الافتراضي على 3 سنوات؟ فهل من العقل والرحمة إنفاق مليون دولار شهريا لرؤية كل بداية شهر عربي مع أن هذا متاح بالرصد على الأرض سواء بالتليسكوبات البصرية التي فوق جبال شاهقة أو عن طريق الرصد بطائرة صغيرة تحلق فوق السحاب وكل الغبار والتراب على ارتفاع من 6 إلى 10 كيلومترات؟
ويؤكد أن هذه المبالغ يجب إنفاقها في الطريق الصحيح.. فهناك كثير من فقراء المسلمين في حاجة إليها.
دعوة حضارية
ويقول د. محيي الدين عبدالحليم أستاذ الإعلام بجامعة الأزهر: في مثل هذه المواقف لابد من الأخذ بالحسابات الفلكية خاصة أن هناك أساليب علمية وطرقا حديثة حاليا.. فالدين الإسلامي يحثنا على العلم والحسابات الفلكية تعد نوعا من العلم.. وإذا طبقنا العلم نكون قد طبقنا ما يدعو إليه ديننا الإسلامي.
ويتساءل د. عبدالحليم: أين مشروع القمر الاصطناعي الإسلامي الذي وافق عليه العديد من الدول العربية منذ سنوات عديدة للأخذ به في تحديد الشهور العربية خاصة أنه قد تم تشكيل لجنة متخصصة تتولى دراسة هذا المشروع؟.. لا شك أن مثل هذا القمر سيخفف عناء البحث عن الهلال وسيقوم القمر الإسلامي بما لديه من إمكانات عالية وفائقة بتعريفنا مسبقا بأوائل الشهور العربية.. ووقتها سوف نجد أن جميع الدول العربية والإسلامية ستصوم في يوم واحد وتفطر في يوم واحد ويكون عيدها واحدا. وأكد أن القمر الاصطناعي الإسلامي خطوة مطلوبة لمواكبة العصر ومواجهة تحدياته حيث إن القضية ليست قضية تحري الهلال وإنما قضية توحد الأمة وحضارتها وعليه فإن الدعوة لهذا القمر هي دعوة حضارية ودعوة لأن يستعمل العرب والمسلمون كل تقنية حديثة تساعدهم على التقدم وتمنعهم من الخلاف.