قصة القهوة المالحة قصة جميلة مؤثرة، وهي قصة حقيقية ولكن ترمز لبعض القيم التي أصبحت غير موجودة في زمننا الحاضر، فقد كنت أبحث عن تاريخ القهوة وفاجأتني هذه القصة التي سأسرد أحداثها والتي نادراً ما نصادفها في حياتنا. القصة تحكي عن رجل أعجب بفتاة فكان يراها وهي تذهب وتعود، تبعها مرات عدة، لكن خجله منعه من الحديث معها. سأل عنها وعن أهلها وأعجب بأخلاقها. كان شاباً عادياً ولم يكن ملفتاً للانتباه. تقدم إليها وخطبها من والديها. طار قلبه من الفرح فهو على وشك أن يكون له بيت وأسرة. خرج ذات مرة وإياها بعد أن دعاها إلى فنجان قهوة. جلسا في مطعم في مكان منعزل جميل. كان مضطرباً جداً، ولم يستطع الحديث. هي بدورها شعرت بذلك لكنها كانت رقيقة ولطيفة فلم تسأله عن سبب اضطرابه خشية أن تحرجه، فصارت تبتسم له كلما تلاقت عيونهما. وفجأة أشار للجرسون قائلاً: رجاء أريد بعض الملح لقهوتي. نظرت إليه وعلى وجهها ابتسامة فيها استغراب. احمرّ وجهه خجلاً ومع هذا وضع الملح في قهوته وشربها. سألته: لم أسمع بملح مع قهوة. رد عليها قائلاً: عندما كنت فتى صغيراً كنت أعيش بالقرب من البحر. كنت أحبّ البحر وأشعر بملوحته تماماً مثل القهوة المالحة. الآن كل مرة أشرب القهوة المالحة أتذكر طفولتي، بلدتي. وأشتاق لأبويّ اللذين علماني وربياني وتحملا لأجلي الكثير رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته. امتلأت عيناه بالدموع وتأثر كثيراً. كان ذلك شعوره الحقيقي من صميم قلبه. تأثرت هي بحديثه العذب ووفائه لوالديه فترقرقت الدموع في عينيها فرحاً بزوج حنون ووفيّ أهداها الله إياه. حمدت الله أنه جعل نصيبها شاباً حنوناً رقيق القلب لطالما طلبت ذلك من الله بصدق في صلاتها. لطالما سألته في سجودها أن لا يجعل حياتها همّاً ونكداً مع رجل لا يخاف الله حقق الله لها أمنيتها. اكتشفت انه الرجل الذي تنطبق عليه المواصفات التي تريدها.
كان ذكّياً طيّب القلب حنوناً حريصاً. كان رجلاً جيداً وكانت تشتاق إلى رؤيته كلما أخرج رأسه الأصلع من خلف باب بيتها وهو يودّعها، لكن قهوته المالحة شيء غريب فعلاً. إلى هنا القصة كأي قصة لخطيبين، كانت كلما صنعت له قهوة وضعت فيها ملحاً لأنه يحبها هكذا مالحة، بعد أربعين عاماً من زواجهما وإنجابهما ستة أطفال توفاه الله. مات الرجل الحبيب إلى قلبها بعد أن تحمّل كأبيه أعباء كثيرة، لكن بيتهما وعشّهما الدافئ أهدى للمجتمع ستة أطفال، طبيبا جراحة والثالث مهندس رفيع المستوى والرابع محامٍ شريف يقف مع الحق إلى أن يرده لأصحابه. يقصده الفقراء قبل الأغنياء. يحبه القضاة لنزاهته. معروف في الحي إنه النزيه ذو اليد التي لا تنضب، والخامسة طبيبة نسائية وتوليد والسادسة لا تزال تكمل مشوارها الدراسي.
مات هذا الأب العظيم بعد أربعين عاماً من حياة الحب والود مع رفيقة دربه لكنه قبيل موته ترك لزوجته رسالة هذا نصها أم فلان، سامحيني لقد كذبت عليك مرة واحدة فقط القهوة المالحة أتذكرين أول لقاء في المقهى بيننا؟ كنت مضطرباً وقتها وأردت طلب سكر لقهوتي ولكن نتيجة لاضطرابي قلت ملحاً بدل سكر وخجلت من التراجع عن كلامي فاستمررت أردت إخبارك بالحقيقة بعد هذه الحادثة ولكنني خفت أن أطلعك عليها كي لا تظنّي أنني ماهر في الكذب فقررت ألا أكذب عليك أبداً مرة أخرى لكنني الآن أعلم أن أيامي معدودة فقررت أن أطلعك على الحقيقة. أنا لا أحب القهوة المالحة. طعمها غريب لكنني شربت القهوة المالحة طوال حياتي معك ولم أشعر بالأسف على شربي لها لأن وجودي معك وقلبك الحنون طغى على أي شيء، لو أن لي حياة أخرى في هذه الدنيا أعيشها لعشتها معك حتى لو اضطررت لشرب القهوة المالحة في هذه الحياة الثانية، لكن ما عند الله خير وأبقى، وإني لأرجو أن يجمعني الله بك في جنات ونعيم.
دموعها أغرقت الرسالة وصارت تبكي كالأطفال، يوماً ما سألها ابنها: أمي، لم تحبين القهوة المالحة؟ فأجابت: إنها على قلبي أطيب من السكر، إنها ذكرى عمري الذي مضى. فما رأي القارئ في القصة؟ هذه قصة حقيقية فهل تعتقد أيها القارئ بوجودها في هذا الزمن؟