ارتبط اسمها بفترة السبعينيات من القرن الماضي، حين انخرطت في النشاط النسائي الثقافي، حيث صاغت إلى جانب كتاب وأدباء ومبدعين في مجالات عدة المشهد الثقافي الإماراتي . وفي الثمانينيات استفادت من دراستها الجامعية للأدب وكانت على موعد مع إطلاق فيروز باكورة أعمالها القصصية . في معمعة الحياة واجهت ظروفاً خاصة، أبعدتها قسرياً عن العمل الثقافي، ولزمت أسرتها لتراعي والديها . هي ابنة مجتمعها وبيئتها التي تفتخر بها ولا تخجل من جذورها التي تشكل جزءاً من الشريحة العاملة في مرحلة ماقبل النفط، وهو ماجسدته في قصصها إلى حد ما .
الكاتبة والقاصة مريم جمعة فرج في الحوار الآتي:
مشوارك الدراسي والبيئة التي عشت فيها؟
- تربيت كحال الكثير من الفتيات الخليجيات سابقاً، من حيث النظرة المجتمعية باعتبار أن مكان المرأة هو البيت، وكان الجدل محتدماً بين والدي الذي فضل بقائي في المنزل، ووالدتي وجدتي اللتين لعبتا دوراً مهماً في حياتي بتسجيلي في المدرسة في بلدي الثاني الكويت والمواظبة على الدراسة، حتى أن والدي تفاجأ بأنني كنت أذهب إلى المدرسة بمساعدة من جدتي التي أخفت عليه الأمر، لكنه تقبل ذلك مع الوقت لحبه لي . المهم أنني عشت ودرست في بيئتين لا أقول مختلفتين كثيراً، الأولى في الكويت حيث كان يعمل والدي آنذاك في شركة نفط الكويت كربان لسفينة ذات علاقة بنقل المواد النفطية، وبحكم العمل انتقلنا معه، وكان يأخذنا أنا واثنين من إخوتي لمشاهدة السفن البريطانية الكبيرة التي كانت تزور ميناء الأحمدي الكويتي، وكان المشهد رائعاً قبل أواخر الستينيات التي عدنا بعدها إلى الإمارات . (كان يطلق على الإمارات حينها اسم الإمارات المتصالحة وهو اسم يدعو إلى الفخر فالتصالح قوة في حد ذاته) . في الكويت درست وتفوقت، ويخيل إلي أن الحياة في الكويت وقتها كانت متقدمة في الجانبين المادي والاجتماعي، وهي أكثر انفتاحاً في الجانب الاجتماعي قياساً بما حولها من الدول العربية، ثم أن وضع المرأة كان مختلفاً علمياً واجتماعياً وفقاً لذلك . أما البيئة الثانية، فتتصل بلحظة عودتي من الكويت إلى الإمارات، حيث التحقت بمدرسة آمنة (المبنى القديم)، وهي أول ثانوية في دبي، لكن مع الأسف الشديد أزيل هذا المبنى منذ سنوات طويلة، وعلى كل حال درست وتخرجت في الثانوية، ومن ثم اتجهت إلى الكويت لإكمال الدراسة الجامعية، لكن القدر كان له رأي آخر بالنسبة لوضعي الدراسي وربما التخصص الذي يتفق مع ميولي، وهكذا التحقت بجامعة بغداد، وهي من الجامعات المرموقة .
بعد تخرجي في جامعة بغداد (تخصص أدب إنجليزي) عدت إلى الإمارات وشاركت في العمل الوظيفي والثقافي والاجتماعي، لكنني وفي تسعينيات القرن الماضي، علمت أنهم في الغرب بدأوا بتدريس الترجمة، وأن هناك أقساماً للدراسات العليا في الترجمة، وكان لدي هوس باللغة وحب للغتين العربية والإنجليزية، وكنت من باب الفكاهة دائمة القول إن اللغة العربية هي أمي، واللغة الإنجليزية خالتي، وفعلاً قصدت المملكة المتحدة سنة 1996 ليس بهدف السياحة وإنما لدراسة الماجستير في علم اللغة والترجمة، وأنجزت رسالتي في العام 1999 بعد الحصول على الدبلوم الذي كانت مدته سنتين سابقاً .
تواصل نهاية الأسبوع
علاقتك بالأسرة؟
- علاقة قوية ولله الحمد، وأؤكد لك أن إخوتي الأصغر خاصة الذين أشرفت على تربيتهم إلى جانب والدتي يعتبرونني أماً ولست أختاً لهم، نحن 11 أخاً وأختاً، أكبرهم أنا، فقدنا أخوين وأخت ماتت وهي طفلة . رحم الله والدي وإخوتي وموتانا أجمعين . الحمدلله أنا مطمئنة على إخوتي، فهم يقومون بواجبهم تجاهي، وفي إجازات آخر الأسبوع، نجتمع على الدوام، عدا التواصل اليومي السريع، تواصل نهاية الأسبوع تقليد أعشقه . وعندها أغلق كل وسيلة للاتصال بالعالم الخارجي، وأكرس كل اهتمامي لهذا اللقاء الحميمي، حيث نجلس ومعنا أطفال إخوتي الذين أحبهم وأتسابق ويتسابقون على عمل ما يرضينا كلينا .
خريطة حياتك العملية؟
- بدأتها بالمعنى الوظيفي الفعلي بعد تخرجي في جامعة بغداد، حيث عملت في التدريس ومن منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، انتقلت للعمل في وزارة التربية والتعليم كفنية في مجال اللغة، بعدها درست في لندن كما ذكرت، وانقطعت عن العمل لمدة ثلاث سنوات، ثم عدت إلى الإمارات وبعد عام التحقت بالعمل في جريدة البيان وتحديداً في قسم الترجمة، ومن حسن حظي حقيقةً أنني عملت مع الأستاذ كامل يوسف، وأنا مدينة له بالفضل في تعليمي الترجمة، فهو مثقف وكنا نتواصل عملياً وفكرياً وثقافياً، وتلك تجربة غنية لا أنساها . بعدها قررت الاستمرار في مجال التخصص بالترجمة، واستقلت من جريدة البيان في العام 2006 للبحث عن مشروعي الخاص، لكن القدر شاء في هذه المرة أن أتراجع عن العمل وعن الكتابة الإبداعية لأسباب خاصة .
وهل يمكننا معرفة هذه الأسباب؟
- في الفترة التي عملت فيها في البيان، تفاجأت بأن والدتي مصابة بمرض السرطان في بداياته، وليس سراً أن أقول إننا كنا متعلقتين ببعضنا كثيراً وفي بداية مرضها كانت والدتي تقول لي صراحة لا تسيرين عني، وكنت أعي هذا جيداً من وضعها ومما كان يؤكده الأطباء بأن المريض في هذه الظروف يكون بحاجة إلى أقرب الناس إليه، وحمدت الله على كل شيء طبعاً، وعلى الفور توقفت عن كل مشروعاتي الإبداعية والعملية، وعشت مع والدتي، توقفت عن التواصل حتى مع الأصدقاء، وكان إخوتي يعوضون ذلك كثيراً، وكنت مع والدتي في عالم خاص مع مفاجآت هذا المرض، وكنت حينها مشتتةً وغير قادرة على التركيز، فقد أتعبتني آلام والدتي كما أتعبتها، نفسياً وذهنياً، ذلك أنني عشت معها تفاصيل هذا المرض في مراحل العلاج داخلياً والسفر للعلاج في الخارج، وفي حين كانت هي تطالب بوقف علاجها الكيماوي أحياناً بعد استحالة تحسن صحتها، قرر الطبيب وقفه بسبب عدم تحمل جسمها له، إلى أن فارقتنا رحمها الله بعد تلك الرحلة الشاقة . والغريب والمحزن في الأمر، أنه بعد وفاة والدتي بأسبوعين، حدثت لوالدي مشكلات صحية وكان بعضها في القلب، دخل على إثرها المستشفى، وألزمه الطبيب بالراحة الفائقة، وبعدها وجدته معي حتى أعتني به، الأمر الذي أتاح لي تجديد صداقتنا التي تعمقت بقوة، وأذكره حين كان يمسك يدي ليقول: الله يرضى عليك، وكان يفتقدني حين أكون خارج المنزل لقضاء حاجة . رحمه الله فقد توفى قبل أكثر من ستة شهور، بعد أن فقد القدرة على التحدث، ومعها توقف قلبه الجميل . هذه هي الأسباب التي شغلتني عن العمل والإبداع، فوالدايّ يرحمهما الله هما أولويتي .
نحو الفضاء الأوسع
تجربتك في كتابة الشعر والقصة؟
- كتبت الشعر منذ أيام الدراسة المتوسطة، وكان هواية ومجرد قصاصات ورقية أفرغ فيها كتاباتي، ولا أنسى أن الفضل في نشر أعمالي منذ البداية يعود إلى اهتمام المدرسات بما كنت أكتب من محاولات بسيطة آنذاك، وتشجيعي على المواظبة على الكتابة، والمراهنة بأنني قد أصبح في يوم من الأيام كاتبة . وأذكر منهن أستاذتي الجليلة نجاح شبير وأستاذتي مديحة نصار، وكانت مدرساتي في الدرجة الأولى مثقفات وواعيات وكن مربيات فاضلات تشعر بأن لديهن رسالة يعملن على تحقيقها بكل إخلاص، وأنا مدينة لهن . أما عن طفولتي فقد كانت خروفة أمي هي التي أشعلت في داخلي جذوة القصة، ومع والدي الذي استرعاه تفوقي الدراسي في المرحلة الإبتدائية أكملت . وكان الدي متعلماً، تربى في بيت المرحوم أحمد بن دلموك مؤسس المدرسة الأحمدية، وتعلم هناك وكنت مبهورة بخطه الجميل وقراءته الجميلة للقرآن الكريم، ومكتبته الصغيرة التي كانت تضم مجموعة من الكتب الدينية وأغلبها في فقه الإمام مالك . في تلك الفترة انتبه والدي إلى فضولي خاصة تجاه مكتبته، فأعطاني كتاب قصص الأنبياء وطلب مني قراءته وإبداء رأيي فيه، وأصدقك القول إنني عشت في أجواء الكتاب فترة طويلة، وداومت عليه وقرأته أكثر من مرة، وفتح لدي أفقاً في القراءة والكتابة والمعرفة، حتى أنني صرت حريصةً على إبداء رأيي والنقاش مع والدي في أمور الحياة . تحادثنا في الكثير من الأمور والقضايا، وأذكر أننا تناقشنا في حرب سنة ،1967 وكان لوالدي آراء قومية غاية في الأهمية والجمال عن تلك الحرب . هذا الجو الأسري لم يتوقف، وساعدني على الكتابة حيث انطلقت منه إلى فضاء أوسع ربما عارض والدي دخولي إياه في مرحلة ما لاعتبارات اجتماعية، لكنه كما اتفق مع جدتي حول دخولي المدرسة، اتفق معي في النهاية على دخول هذا العالم، مع العلم بأن الشعر قذفني إلى القصة من باب كتابة القصة بشاعرية . أعود إلى الفضاء الأوسع كثيراً، الذي تمثل في بروز ظاهرة الأندية الثقافية الرياضية في الإمارات، ففي مرحلة السبعينيات من القرن الماضي، برزت مؤسسات ثقافية، كان لها الفضل في تأهيلنا عن طريق الأندية، وتاريخ هذه الأندية قديم جداً يعود إلى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لكنني شهدت نشاطها في السبعينيات ومنها النصر والأهلي والشباب والوصل في دبي، وكان أخي عتيق عضواً في اللجنة الثقافية بنادي النصر فكان يأخذ تجاربي الكتابية إلى مجلة نادي النصر التي نشرت أغلبها وهي البداية . ثم تصادف أن تلك الفترة تحديداً، كانت هي الفترة نفسها التي شهدت ولادة الجمعيات النسائية بفضل المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وحرمه سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك حفظها الله، فقد سعيا إلى توفير مناخ مناسب لعمل المرأة ولتمكينها اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً، ولا أقصد هنا العمل الرسمي فقط، وإنما الاهتمام بشؤونها وكيفية إدماجها في المجتمع، وقد التحقت بجمعية النهضة النسائية بدبي في العام ،1973 وتحديداً في اللجنة الثقافية، وبدأنا ممارسة نشاطنا في العمل النسائي في الإمارات كافة، وشاركت إلى جانبنا نحن الطالبات في تلك المرحلة، نساء فاضلات من الأسر الحاكمة وسيدات الأعمال والنساء الكادحات والعاملات في مهن بسيطة لمساعدة أسرهن، وأذكر انضمام بائعات السمك كعضوات عاملات في الجمعية رغم قلة الوقت المتوافر لديهن لمزاولة أنشطة أخرى . وكانت نساء المجموعة كلهن حقيقةً قويات ذهنياً، وجميع هؤلاء تأسس بفضلهن النشاط النسوي في الإمارات، فقد كان لديهن بعد نظر وحكمة . عندما تخرجت من الجامعة، وانخرطت في النشاط الثقافي والاجتماعي في بلادي ومارست الكتابة الإبداعية، كنت أستند إلى هذه الخلفية الثقافية التي ساعدتني على العمل، والواقع أن الجامعات وحدها ليست كافية ولايمكن لها أن تخرج أحداً لديه تراكم عملي على أرض الواقع . أما عن إصداراتي فهي: فيروز التي صدرت في العام ،1984 وهي باكورة مجموعاتي القصصية، والنشيد وهي مجموعة مشتركة مع أجمل إنسانتين تعرفت إليهما في حياتي الإبداعية هما سلمى مطر وأمينة بوشهاب سنة ،1987 ثم ماء وصدرت هذه المجموعة سنة ،1994 وأخيراً وليس بآخر إنشاء الله، إصدار امرأة استثنائية في العام ،2003 وهو يحتوي على ترجماتي وتعليقاتي على تجارب من الإبداع النسائي العالمي .
مقارنة ظالمة
تقييمك للتنوع الجيلي في الأدب الإماراتي؟
- سأكون صريحة معك، حالياً نضيع وقتنا في مسألة أن جيل الثمانينيات أفضل وأكثر فاعلية وإنتاجية من جيل الكتاب الشباب اليوم . وأعتقد أنه لا ينبغي لنا النظر إلى الموضوع بهذه الطريقة، ففي مرحلة الثمانينيات عاش الناس في ظل ظروف مختلفة مقارنة بهذه التي نعيشها اليوم . العالم نفسه كان يسير على نمط ووتيرة مختلفة . أما الجيل الشاب فهو يعيش أدواته بما تمليه عليه المرحلة الآن، وهناك تنوع جيلي يغني الأدب في الإمارات، لكن نحتاج إلى عقلنة في التعامل مع هذه الأصوات الشابة . الحقيقة أن المقارنة ظالمة، خصوصاً وأن الأقلام الأدبية متفاوتة في المستوى، بصرف النظر عن الزمان والمكان .
وهل الجيل الجديد مثقف وقارئ لمختلف أنواع الأدب؟
- بوجه عام، أعتقد أن ظروف حياتنا الراهنة لا تشجع على التواصل الحقيقي الاجتماعي والثقافي والأدبي، وهي غنية بقضايا تافهة وسطحية في كثير من الأوقات، ينشغل بها الشباب، ومع الأسف ثؤثر ثقافياً . الثقافة الحقيقية بين أفراد هذا الجيل تكاد تشهد انحساراً، والتكنولوجيا المتداولة على الرغم من أهميتها في النهاية لا تشكل ثقافة حقيقيةً . المخزون الثقافي تتم تعبئته بواسطة التعمق الفكري في الأشياء، وعليه فإن علينا كمجتمعات تكريس الثقافة الحقيقية في حياتنا، أنا أخاف حقيقةً على جيل لا يعرف نفسه! وأخشى أن يساعد هذا على سقوطنا كعرب ومسلمين، خاصةً وأننا في حالة تناحر حول قضية . . من هو المسلم أنا أم أنت؟
ارفعوا رؤوسكم
لماذا تنحازين في قصصك إلى الطبقات المسحوقة والفقيرة؟
- أحاول أن أكون موضوعية حين أكتب، لكن يظهر على سطح الكتابة شيء مني، مع العلم بأن هذا لا أقصده في كتاباتي، فحينما أستحضر الشخصيات في أعمالي، تكون موجودة في الواقع، ثم إنها شريحة مهمة في المجتمعات الخليجية منذ مرحلة مبكرة . وهي الشريحة العاملة في مرحلة ما قبل النفط وحتى قبل ذلك، وأنا أفتخر بأني جزء منها وأنتمي إليها، وهي جزء من الحراك المجتمعي الإماراتي والخليجي . والحمد لله على أن مجتمعاتنا لا تفرق بين الناس وتفرزهم على ألوانهم أو أجناسهم أو مللهم كما حدث أثناء التمييز العنصري في الغرب . وأقول لأبناء شريحتي: ارفعوا رؤوسكم، آباؤكم كانوا أناساً شرفاء عاملين .