الكوارث الطبيعية وباء خارج عن السيطرة

02:52 صباحا
قراءة 7 دقائق

تعرض العالم مؤخرًا للمزيد من الكوارث الطبيعية المدمرة الناجمة عن سوء الأحوال الجوية في جميع القارات، خلفت وراءها سلسلة من الخراب والدمار، والكثير من الضحايا، فضلاً عن أنها تزيد من الفقر ومن انعدام الأمن الغذائي، وتعطل الجهود المبذولة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، فتكرار حدوث الكوارث الطبيعية في كثير من البلدان النامية يشكل خطرًا من أن الهدف الذي وضعه مؤتمر القمة العالمي للأغذية بتخفيض عدد من يعانون من نقص التغذية إلى النصف والأهداف الإنمائية الأخرى للألفية لن يتحقق بحلول عام 2015 ما لم تبذل جهود مشتركة على المستويين المحلي والدولي للتقليل من حدوث الكوارث والإسراع بالتنمية المستدامة .

إذا ما استدعينا حجم الكارثة التي تمثلت في الفيضانات التي ضربت باكستان والدول الأوروبية والصين، نرى أن الانهيارات الطينية الناجمة عن الأمطار خلّفت آلاف الضحايا ما عدا الأضرار المادية الجسيمة التي تقدر بالمليارات . وإلى جانب ذلك، فقد ضرب الجفاف العديد من البلدان في إفريقيا وروسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية وبلداناً أخرى في نصف الكرة الشمالية بسبب موجة ارتفاع درجة الحرارة التي لم تشهدها تلك الدول منذ فجر التاريخ، في حين يواجه نصف الكرة الجنوبية انخفاضاً في درجة الحرارة .

منذ بداية موسم الفيضان خلال العام 2010 عانى الصينيون الفيضانات الأكثر حدة خلال السنوات ال20 الأخيرة، وذلك بعد السنتين المشؤومتين عامي 1991 و1998 . ووفقاً للإحصاءات الرسمية فقد تسببت الكوارث الطبيعية في إلحاق الضرر ب200 مليون شخص وقتل 1454 شخصاً و669 من المفقودين، إضافة إلى خسارة مالية بلغت قيمتها 1 .275 مليار يوان .

كما شهدت باكستان منذ العام الماضي فيضانات كبيرة بسبب الأمطار الغزيرة لم تشهد البلاد مثلها منذ 80 عاماً، خلفت حتى الآن أكثر من 1200 قتيل، بينما قدرت الأمم المتحدة خسائر الدمار الذي تركته الفيضانات بأكثر من 15 مليون شخص متأثر وأكثر من 4 ملايين شخص بلا مأوى .

كما نشبت حرائق الغابات مؤخراً في عدد من أقاليم روسيا في الدائرة الفيدرالية الوسطى ودائرة حوض الفولغا الفيدرالية لمدة 3 أسابيع بسبب ارتفاع الحرارة إلى 40 درجة تقريباً، وقد أسفر الحريق عن مقتل ما لا يقل عن 50 شخصاً اختناقاً بسبب الدخان الناجم عنها . ومن جهة أخرى وبسبب موجة أسوأ جفاف تعرضت له روسيا منذ عقود، أعلن المسؤولون حظراً مؤقتاً على تصدير الحبوب والمنتجات الزراعية الأخرى بسبب انخفاض ثلث إنتاج الحبوب في روسيا خلال العام السابق .

وقد أدى حظر تصدير الحبوب الروسية آنذاك إلى هلع في أسواق الحبوب العالمية، وارتفعت أسعار القمح بشكل غير مسبوق منذ 30 سنة، إضافة إلى القلق الذي أثاره في ما يخص احتمال حدوث أزمة غذاء جديدة في المستقبل .

4130 كارثة

وعند الحديث عن تأثيرات الكوارث فإن ذلك يعني كل دول العالم النامي والمتقدم، فقد تم إحصاء ما بين عامي 2001 و2012 فقط أكثر من 4130 كارثة طبيعية في العالم أسفرت عن سقوط أكثر من مليون و117 ألف ضحية وخلفت خسائر زادت قيمتها على 1195 مليار دولار، وفي عام 2011 وحده تم إحصاء 302 كارثة طبيعية في العالم خلفت أكثر من 29 ألف قتيل وشردت أكثر من 206 ملايين نسمة وخلفت خسائر تعدت 366 مليار دولار، وبذلك يصح القول إن الكوارث الطبيعية باتت وباء خارجاً عن السيطرة . وللطقس المتطرف تأثير عميق في الحياة البشرية، كما يوضح للناس ضرورة الأخذ بالاعتبار كيفية التعامل مع قضايا تغيير المناخ وحماية البيئة . ومع ذلك فإنه من الصعب الفصل بين الظواهر الجوية الشديدة وصلتها بالإنسان، حيث إن ارتفاع درجة واحدة في حرارة الكرة الأرضية يعني ارتفاع نسبة الصراعات في العالم بنحو 20 مرة .

ولهذا وعلى سبيل المثال، فإنه في سياق الإعداد للعشرية المخصصة لمحاربة مخاطر الكوارث التي تبدأ بعد عام ،2015 أصدر مكتب الأمم المتحدة لمحاربة مخاطر الكوارث الطبيعية أول تقرير عن جهود الدول لتطبيق التوصيات الواردة في وثيقة إطار هيوغو الذي حفل بالكثير من المعطيات، لكن يعاب عليها أنها اتسمت في معظمها بالطابع النظري حيث تحدثت عن استراتيجيات وطنية وإقليمية قد تنتظر العشرية المقبلة للتحول إلى عمل ملموس، فلا تزال جهود الدول التي بدأت بعد فاجعة المد البحري تسونامي التي هزت أجزاء من المحيط الهندي عام 2004 في مستوى النقاش وإعداد الاستراتيجيات الوطنية والإقليمية التي تنوي بواسطتها الشروع في مواجهة مخاطر الكوارث، فالعشرية التي تلت هذه الكارثة لم تسمح إلا بنشر الوعي بين الدول لمدى أهمية اتخاذ التدابير القانونية والتقنية والتوعوية لتهيئة الجمهور لكيفية التعامل مع الكوارث الطبيعية، وللحد من تأثيرها ومخاطرها واعتماد أساليب إنذار مبكر في بعض المناطق المهددة، كما أوضح التقرير أن نحو 90% من الدول أدمجت بشكل من الأشكال مسألة الحد من المخاطر والكوارث في اهتماماتها المالية وفي مخططاتها، إلا أن المشكلة تبقى في كيفية تدبير الموارد المادية لتطبيق ذلك وتحويله إلى عمل ملموس .

نمو السكان

ورغم إقرار الأمم المتحدة بإقامة صندوق دولي للإغاثة الطارئة بعد تعاقب الكوارث الطبيعية التي بدأت بتسونامي الذي دمر سواحل العديد من البلدان الآسيوية في أواخر 2004 والكوارث التي هزت الأمريكتين بما فيها إعصار كاترينا ثم زلزال كشمير الذي عانى ضحاياه طويلاً من تأخر وصول المساعدات إليهم، فإن مشكلة الأمم المتحدة في مواجهة الكوارث تكمن في ثقل الإجراءات التي يجب المرور بها من أجل الحصول على مساهمة الدول في تمويل عمليات الإغاثة، وعادة ما يتطلب الأمر عدة أشهر لكي تحصل الأمم المتحدة على الأموال الموعودة، وهو ما ظهر بشكل واضح في كارثة زلزال كشمير الأخيرة . أما مخاطر الكوارث فتتزايد نتيجة لتعرض الأفراد والأصول للمخاطر الطبيعية وتظهر التحليلات أن السبب الرئيس لمخاطر الكوارث الطبيعية في السنوات الماضية كان النمو الكبير للسكان في المناطق المعرضة للخطر والهجرة إلى المناطق الساحلية وتوسيع المدن في مناطق الفيضانات، إضافة إلى معايير البناء غير المناسبة، كما أن تدهور الأنظمة الايكولوجية مثل مستنقعات أشجار المانغروف زاد من الخطر، كما كانت الكوارث المائية والمتعلقة بتغير المناخ مسؤولة عن نحو 80% من الكوارث الطبيعية . وبالتطلع إلى المستقبل سيكون لتغير المناخ تداعيات كبيرة على النظام البيئي العالمي والزراعة وإمدادات المياه وارتفاع منسوب مياه البحار وزيادة حدّة العواصف .

من هنا تم تبني إدارة مخاطر الكوارث على مستوى العالم كأولوية للتنمية من خلال إطار عمل كيوتو الذي وقعت عليه 168 دولة ومنظمة دولية منها مجموعة البنك الدولي والأمم المتحدة لدعم الوقاية من الكوارث على مستوى العالم، وهو يقوم بدور داعم للبلدان المعرضة للكوارث من خلال تنسيق جهود المانحين للاستثمار في خفض المخاطر وتقديم المساعدات بعد وقوع الكوارث من أجل إعادة الإعمار والتعافي بشكل يتسم بالمرونة، وكآلية لتمويل الشراكة، يضم الصندوق العالمي للحد من الكوارث والتعافي من آثارها 43 حكومة من البلدان المتقدمة والنامية مع 8 منظمات دولية وتم إعلان مشترك من خلال البنك الدولي والأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية يقوم بالتقييم لما بعد الأزمة ووضع خطط التعافي وتقديم احتياجات ما بعد الكوارث حيث يقوم الإعلان مع الجهات المانحة بتوجيه استراتيجية التعافي بعد الكارثة بمشاركة أصحاب المصلحة، فإذا ما تركنا الجهود الدولية في التخفيف من آثار الكوارث الطبيعية جانباً، فإنه يلزم علينا ككيانات ودول الاتجاه إلى الداخل لصياغة استراتيجيات وقائية، حيث ينبغي للحكومات والمؤسسات الداخلية ومنظمات المجتمع المدني الدور الأساسي في هذا الأمر، فبمجرد صياغة خطط مناسبة يصبح أمامها عدد من الخطط الزراعية والسمكية والحرجية يمكن تطبيقها عملياً للحد من التعرض للكارثة وزيادة المرونة في مواجهتها فإدماج استراتيجيات الحد من أخطار الكوارث في خطط التنمية يكفل بذل الجهود لتخفيف وطأة الكوارث بصورة مستمرة والحد من أي انقطاع محتمل لجهود التنمية بسبب تكرار الكوارث . وإجراءات التخفيف من الكارثة تتفاوت بحسب نوعها، فالبلدان المعرضة للجفاف ينبغي أن تشمل إجراءاتها إقامة شبكات الري الصغيرة في المناطق شبه القاحلة مع نهج مكافحة الملوحة وتلوث المياه الجوفية، والإدارة المتكاملة للموارد الطبيعية على مستوى مستجمعات المياه وإحياء الأراضي المتدهورة وإدارة المياه بصورة مناسبة، فضلاً عن إصلاح الأراضي المتدهورة والموارد المائية في المناطق القاحلة وشبه القاحلة ويدخل في ذلك مكافحة تآكل التربة وغرس الأشجار وإدخال الزراعة الحرجية ضمن نظم الزراعة وإدارة المياه بكفاءة، والتكامل بين الإنتاج الزراعي والحيواني ضماناً لاستدامة النظم الزراعية وتنويع النظم المحصولية وإدخال الأصناف وفيرة الغلة .

بالنسبة إلى المناطق المعرضة للفيضانات والأعاصير، ينبغي أن تتضمن إجراءات تخفيف وطأة الكارثة المتعلقة بالزراعة، زراعة محاصيل أقدر على مقاومة العواصف مثل الجذور والدرنات، وزراعة محاصيل تتحمل الملوحة، وغرس أشجار كمصدات للرياح، وغرس أشجار أو أصناف من الحشائش لتثبيت منحدرات الطبيعة، إلى جانب إنشاء جسور وسدود وقنوات وشبكات صرف محسنة لحماية المراعي والأراضي الصالحة للزراعة من الفيضانات وأمواج المد في المناطق الساحلية .

أما بالنسبة إلى المساكن والمستوطنات فتتطلب إجراءات لتخفيف وطأة الكوارث ومنها: منشآت تتحمل العواصف وتحمي من بداخلها، وإقامة ملاجئ تحمي من الأعاصير في المناطق المهددة، ونقل المجتمعات المحلية إلى مناطق أقل خطراً . وللتخفيف من تأثير الزلازل لجأ عدد كبير من البلدان إلى وضع معايير ونظم للبناء تتحمل وطأة الهزات ولا ينتج عنها أضرار مادية وغيرها من التدابير الأخرى في اتجاهات عديدة .

إن مواجهة الكوارث الطبيعية الشديدة وعلى النحو المتزايد، إضافة إلى البحث عن أسبابها الكوارث، وإنشاء آليات فعالة لاستجابة واتخاذ وما يلزم من التعاون الدولي هي مهمة ملحة تواجه جميع بلدان العالم . ونتيجة سلسلة من التحديات التي يطرحها تغير المناخ على بلدان العالم فإنه يجب تكثيف عملية التفاوض في قمة المناخ في نهاية هذا العام في كانكون المكسيكية وتحقيق الانفراج لأزمة المناخ المتغير .

* أستاذ جيولوجيا المياه وعلوم البيئة

رئيس جامعة المنوفية السابق

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"