أن نلتقي في شهر رمضان، أن ننفتح على الله تعالى، أن نسمو في سماواته، ونعيش في كل هذا الروح الذي هو سر وجودنا، وسر إنسانيتنا.. وسر قيمنا، وسر انطلاقتنا وبقائنا ورجائنا.

وعندما نريد أن نلتقي بالله تعالى في شهر الله المكرم فإننا نلتقي بإنسانيتنا لأنها هبة الله الذي أراد لنا أن نعيش الحياة مسؤولية في مسؤولية الخير، وحركية في حركية الخير والحق، وانطلاقة في العدل كله، وفي الحرية للإنسان كله.

سر لقائنا: أن نلتقي بالله وعلى الله أن يفقد كل إنسان فيأكل صفة تؤطره لتبعده عن الإنسان الآخر، ولتجعله شيئاً آخر في إنسانيته يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ولأننا عندما نلتقي بالله فإننا سنلتقي بالوجود كله لنشعر جميعاً أننا عباد الله، ليس لأحد فضل على الآخر إلا بمقدار ما يقدمه من خير وتقوى وبر وصلاح وفلاح. ونحن عندما نعيش العبودية لله فإننا نعيش حريتنا بكل عمق الحرية، وامتداد الحرية، لأنك الإنسان الذي يشعر بوحدانية الله في ربوبيته، وحينها تشعر بحريتك أمام الكون كله، والإنسان كله، فأنت عبدالله وحده، ولكنك حر في عمق فكرك وحركة عاطفتك، وحركتك في الحياة، تتحمل مسؤولية حريتك لتقوم بكل المسؤوليات الواجبة في هذه الحياة.

أيها الأحبة: وعندما نلتقي بالله في مواسم الخير والروح والبركات والإيمان فإننا نكتشف الخير الذي يدعونا الله إليه. والخير روح وقضية لا يمكن لأحد أن يجعله طائفياً، أو يحزبه، أو يضيّقه، فهو إنسانيتنا التي تتدفق لتقول على لسان السيد المسيح: كن كالشمس تطلع على البر والفاجر، أن تعيش الخير ينبوعاً يتدفق في عقلك، من أجل أن يعطي عقلك خير الحقيقة، وأن ينطلق عقلك بالخير ليخطط للحياة.. أن تكبر وتتعمق وأن تضم كل الطاقات فيها لتتفجر إبداعاً وحيوية وحركة ومسؤولية.. أن نعيش الخير في قلوبنا، وأن تتحرك المحبة فيها لا لتكون مجرد نبضة قلب أو مجرد خفقة إحساس بل أن تكون المحبة برنامجنا الذي نحرك فيه كل حياتنا، لأن أي مشروع وأي برنامج تتحرك فيه المحبة لن يتعقد ولن يتطيف، ولن يتمذهب أو يتحزب.. فبالمحبة نستطيع أن نكتشف سر لقائنا كمؤمنين، وسر لقاء الأديان كلها، وبالمحبة نكتشف لقاء الإنسان كله.

أيها الأحبة: تعالوا لنفكر في موسم اللقاء على الله، كيف نؤسس لإنسانيتنا، لنعيش قيم هذه الإنسانية، ولنفكر أن الإسلام بتنوعه لم يكن يوماً مصدراً للخلاف، وإنما هو هذا الفهم الذاتي للإسلام، وأن المسيحية لم تكن يوماً مشكلة في هذا الشرق الروحي، وإنما هو هذا الحقد على المحبة والسلام في المسيحية ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى لا يتكبرون، ولا يظلمون، ولا يتجبرون.. لنلتقي على الروح في صفائها وسموها وعزتها.

أيها الأحبة: في شهر الوقوف بين يدي الله، شهر تربية النفس، لتكن لنا وقفة واعية أمام الاستكبار، وأمام أبالسة الحياة، لا وقفة فوضوية أو غرائزية أو مذهبية، ولا انفعالية وعاطفية بل عقلانية وموضوعية، تخطط كما يخطط الآخرون، ويستعد كما يستعدون، وتدرس الظروف والأجواء والمتغيرات كما يدرسها الآخرون، وأن نكون الواثقين بأنفسنا، الطيبين في موقفنا، الذين لا تزلزلهم العواطف، ولا تسقطهم القواصف والنوائب.

وإن علينا أن نكون كمؤمنين نلتزم تعاليم الهدى ومنها الصوم في أية بقعة من بقاع الأرض، أن نكون الصورة المشرقة عن الإسلام، الأمناء على أموال الناس، وممتلكاتهم، وأعراضهم، لنكون رسل الإسلام في الأرض، ولنكون كما قال حفيد رسول الله الإمام جعفر الصادق كونوا لنا دعاة بغير ألسنتكم وكونوا زيناً لنا لا شيناً علينا.

وعليكم أن تملأوا قلوبكم بالمحبة، أن تلتقوا على ما اتفقتم عليه، وأن تتحاوروا في ما اختلفتم فيه، وأن تحبوا في الله وتصادقوا في الله، وتبغضوا أعداء الله، وتحبوا أولياء الله، وقد جاء في الحديث: إذا أردت أن تعرف نفسك فانظر قلبك، فإن كان قلبك يوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله ففيك خير والله يحبك، وإن كان قلبك يوالي أعداء الله ويعادي أولياء الله فليس فيك خير والله يبغضك، والمرء مع من أحب، لذلك حاولوا جميعاً داخل الإسلام وأطره وتياراته، أن تعرفوا كيف تحبون ليكون حبكم مستقيماً، وكيف تبغضون ليكون بغضكم مستقيماً.