الردح القائم بين حامد قرضاي من جهة والولايات المتحدة والدول الغربية من جهة أخرى يكشف عمق المأزق الذي بلغه الطرفان في تعاطيهما مع الأزمة الأفغانية، والفشل الذريع الذي تواجهه الاستراتيجية المتبعة هناك لمواجهة الوضع القائم .

ينطبق المثل الشعبي القائل التم المتعوس على خايب الرجا، أي اجتمع التعيس مع فاقد الأمل معاً، بما يعنيه ذلك من أن أحداً منهما لا يستطيع تقديم الدعم للآخر . الولايات المتحدة ومعها حلف الأطلسي وعلى رغم كل الاستراتيجيات التي وضعت منذ ثماني سنوات وزيادة عدد قوات حلف الأطلسي هناك، فإن الوضع الأفغاني من سيئ إلى أسوأ، والقدرة على تحقيق إنجاز عسكري تنعدم شيئاً فشيئاً، بل إن نذر هزيمة باتت تلوح في الأفق، وحامد قرضاي الذي جيء به للإنقاذ وتوفير الدعم الداخلي الذي يصب في خدمة استراتيجية الحرب الأمريكية بات عاجزاً حتى عن حماية نظامه في كابول .

لذلك ليس مستغرباً أن تندلع أزمة بين الطرفين، وكلاهما يبدو أنه فاقد للأمل، ويحمّلان بعضهما بعضاً مآثر ثماني سنوات من الفشل المتواصل .

وعندما يعلن قرضاي عزمه الالتحاق بطالبان وهو الحصان الأسود الذي كان من المفروض أن يكسب الرهان ضدها، وعندما تعلن الولايات المتحدة فشل حصانها في ما أوكل إليه من مهام واتهمته بسوء الإدارة والفساد والتزوير والاعتماد على لوردات الحرب، فهذا يعني أن العلاقة بينهما وصلت إلى نهاية الطريق، كأن الولايات المتحدة وصلت إلى قناعة بأن قرضاي لم يعد بإمكانه أن يقدم لها أي شيء وقد شارفت صلاحيته على الانتهاء، مثله مثل مفعول المعلبات التي تنتهي صلاحية تناولها .

من البديهي، عندما تصل الأمور إلى هذا الحد بين الولايات المتحدة وقرضاي الذي تراه فاشلاً، أن تبدأ الإدارة الأمريكية بالبحث عن بديل يعينها ولا يكون عبئاً عليها .

لقد راهنت الولايات المتحدة على قرضاي وقدمت له كل ما يلزم من دعم، لكنها فشلت في كسب قلوب الأفغان لأنها لم تقدم لهم إلا الحرب والقتل والدمار، ولم تشعرهم بتحسن في مستوى حياتهم يختلف عما كان عليه الحال أيام حكم طالبان .

الأزمة بين الدول الغربية وقرضاي تدل على أن المسار الحالي للحرب القائمة في أفغانستان وصل إلى مفترق خطر وحاسم، وأن لا قرضاي ولا غيره بإمكانه تغيير مسار الحرب وخاتمتها المتوقعة التي تتجه إلى الفشل الذريع .

والمتابع لمسار الحرب الأفغانية يمكن أن يلحظ مدى التخبط الغربي، والأمريكي خصوصاً في وضع استراتيجية فعالة وناجحة تحقق اختراقاً فعلياً وتتفادى الفشل الذي تواجهه قوات التحالف هناك، إذ إن كل الاستراتيجيات التي وضعت وآخرها استراتيجية إدارة باراك أوباما اعتمدت على القوة وحدها إلى حد بعيد في تحقيق الأهداف التي تسعى إليها، إذ عجزت عن توفير مقاربة أخرى اقتصادية وتنموية ووضع خطط لإعادة البناء، والتركيز على إقامة شبكة من المدارس والمرافق الصحية وتأهيل الطرق، وتأمين بدائل لزراعة الأفيون، بحيث يشعر المواطن الأفغاني بالتغيير الذي يدفعه إلى دعم الحكومة القائمة، أو تصديق ما يتردد من أن الاحتلال يجلب الحرية والديمقراطية والأمل بحياة جديدة تقطع مع الماضي وتفتح آفاقاً واعدة للمستقبل .

لا شيء تحقق من ذلك، بل على العكس، تزداد حياة الشعب الأفغاني بؤساً وتعاسة في ظل آلة حرب مدمرة لا تفرق بين مسلحين ومدنيين، وفي ظل تقصير كبير في تلبية الحد الأدنى من تطلعات الأفغان، بوجود حكومة لا حول لها ولا قوة، وتفتقد القاعدة الشعبية وينخرها الفساد، وتقوم على المحسوبية ويشكل لوردات الحرب السابقون أعمدتها يوزعون المغانم والصفقات بينهم في ما يشبه ولائم الذئاب .

عندما يكون هذا هو وضع أفغانستان، من البديهي أن تنعدم الثقة بين احتلال فاقد للأمل، وبين حكومة فاقدة الأهلية، ويصبح المآل على ما هو عليه من فوضى تضرب أطنابها بين المتعوس وخائب الرجاء .