المدارس الأيوبية.. نوافذ على المذاهب

01:03 صباحا
قراءة 3 دقائق
القاهرة «الخليج»:

توجد بالقاهرة القديمة مجموعة من المدارس التي أنشئت في العصر الأيوبي، حيث كان هناك اهتمام واضح بالتعليم الديني على المذهب السني، وتعددت هذه المدارس لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة، وبدأت هذه المدارس بإنشاء صلاح الدين الأيوبي للمدرسة الناصرية سنة 566، بجوار جامع عمرو بن العاص، لتعليم المذهب الشافعي، وتعد هذه المدرسة أولى المدارس التي أنشئت في الدولة الأيوبية عامة، ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فأنشأ «المدرسة القمحية» لتعليم المذهب المالكي.
يؤكد د. عبدالمنعم الجمعي، أستاذ التاريخ بجامعة الفيوم، أن تسمية هذه المدرسة بهذا الاسم يرجع إلى أن صلاح الدين أوقف لها ضيعة بالفيوم، كان يوزع ما تنتجه من قمح على الطلاب الذين يدرسون في المدرسة وعلى الشيوخ والأساتذة الذين يدرسون فيها، وأنشأ بعد ذلك «المدرسة الصالحية»، المجاورة لقبر الإمام الشافعي، وكانت تدرس المذهب الشافعي، ثم بنى مدرسة أخرى بجوار المشهد الحسيني، وخامسة تدرس المذهب الحنفي، وهي «المدرسة السيوفية»، وكانت أول مدرسة يتم فيها تدريس مذهب الإمام أبو حنيفة النعمان، وهناك بقايا مدرسة أنشأها أيضاً لتعليم المذاهب الفقهية السنية في مدينة الإسكندرية.
ويؤكد الجمعي أن صلاح الدين أغرم بإنشاء مثل هذه المدارس لنشر المذاهب السنية بعد إغلاقه للجامع الأزهر، وقد أوقف على هذه المدارس مجموعة من الأوقاف الزراعية والتجارية، لكي يضمن دخلاً ثابتاً للطلاب وللمشايخ، الذين يقومون بتدريس العلوم والفقه، وقد مضى على هذه الطريقة خلفاء صلاح الدين الأيوبي من ملوك وأمراء الدولة الأيوبية، وقد بنيت هذه المدارس على نمط المدارس التي بنيت في الشام، ورغم جمال العمارة في مثل هذه المدارس إلا أنه لم يتبق من آثارها إلا القليل، حيث اندرج معظمها داخل المساجد المجاورة، فالمدرسة «الصلاحية»، دخلت في بناء جامع الإمام الشافعي، وكذلك المدرسة التي كانت تجاور مسجد الحسين، دخلت في المشهد الحسيني، ومكانها الآن في الإيوان الشرقي عند المحراب.
وهناك بقايا من «المدرسة الكاملية» التي أنشأها السلطان الكامل، وتوجد في الناحية الغربية من «سوق النحاسين»، ملاصقة لمسجد السلطان برقوق بشارع المعز لدين الله الفاطمي، وقد أنشأ الملك العادل أيوب هذه المدرسة لتدريس الحديث الشريف، وعلومه وقد عرفت هذه المدرسة في ذلك الوقت باسم «دار الحديث الكاملية»، وهي أول مدرسة تقام لتدريس الحديث، وقد أوقف «الملك الكامل» هذه المدرسة على دارسي الحديث النبوي، وفقهاء المذاهب الشافعي.
وهناك أيضاً مدرسة الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، وقد خصصت هذه المدرسة لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية،

وهي أول مدرسة تجمع بين تدريس المذاهب الفقهية السنية كلها، وقد أنشئت على أرض مساحتها 6 آلاف متر، وكانت مقسمة إلى قسمين، الأول به الباب العمومي، والثاني يوجد به إيوانان، ويتوسط القسمين صحن كبير، ويدرس الطلاب في كل إيوان مذهباً من المذاهب الأربعة، ولم يبق من المدرسة سوى واجهتها الموجودة في شارع المعز لدين الله الفاطمي وهي مقابلة لسبيل خسرو باشا.
ويأتي اهتمام ملوك الدولة الأيوبية بالتعليم والعلم، لأنهم كانوا محبين للثقافة، فقد كان مجلس صلاح الدين الأيوبي يحفل بوجود نخبة من العلماء والأدباء والفقهاء والشعراء، الذين كان يجزل لهم العطاء ويقربهم منه ويستشيرهم في أمور السياسة والحياة، ومن هؤلاء الأدباء القاضي الفاضل، وعماد الدين الكاتب، صاحب الرسائل الشهيرة، التي تعتبر نموذجاً فريداً ومتميزاً في الكتابة الأدبية، وهناك أيضاً عبداللطيف البغدادي العالم في الطب والفلسفة، وغير هؤلاء من العلماء الذين جددوا في الفكر والأدب.

وقد شهدت العمارة ازدهاراً في ذلك العصر، ويظهر ذلك جلياً من عمارة «المدارس» التي أنشئت لتطوير التعليم في ذلك الوقت، فهي تختلف عن إنشاء المساجد، فالمساجد تتكون غالباً من أربعة أواوين مسقوفة في الغالب ومحمولة عقدها على أعمدة، أكبرها إيوان القبة ويتوسطها صحن مكشوف، أما المدرسة فيشتمل تصميمها على إيوانين، أوأربعة بشكل متقابل يتوسطها صحن مكشوف به فسقية، ويوجد بها كتاب ومساكن للطلاب.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"