يعتبر المزاح، وسيلة من وسائل الترفيه، التي يتخذ منها البعض طريقة ليلاطف من حوله وبالذات المقربين، ليخلق جواً من الدعابة والألفة الاجتماعية . وللمزاح أشكال عدة، فهناك من يمازح بطريقة لطيفة محببة من دون التقليل من احترام الشخص الممازح، وهناك من يمزح باستخدام وسائل معينة كالألعاب أو صناعة المقالب، بينما آخرون يمزحون باستخدام أيديهم بالضرب الخفيف أو الثقيل . لكن ما نعرفه ويعرفه الكثيرون، أنه ليس كل شخص يحتمل المزاح، حتى إن كانت النية الملاطفة، فاختلاف سماتنا الشخصية وطبائعنا تنعكس على قدرتنا في تحمل أنواع المزاح، وهذا ما نسعى لاكتشافه من خلال التحقيق التالي .
في أيام الدراسة الجامعية يكثر المزاح، وما دام أن الحرم الجامعي مكاناً للعلم وليس للمزاح، نجد أن اغلبه ينعكس سلباً على الطرفين، هذا ما تراه سارة إبراهيم (مهندسة أغذية في معمل ألبان الخليج والصفا)، وتحدثنا عنه قائلة: لا يوجد منا من لم يمازح زملاءه أيام الدراسة الجامعية، لكن يبقى للمزاح حدود، خاصة أن الوسط الجامعي الذي درست فيه مختلط، فيشيع المزاح بين الشباب والشابات، إلا أن بعضه ينقلب إلى مشكلات لا تحمد عقباها . وتشير سارة إلى أن بعض المزاح الشائع بين طلبة الجامعات، هو ذلك الذي يتعلق بالامتحانات، وتقول: بعض الزملاء كانوا يمزحون بأمور لا يمكن المزاح فيها، وتشير في أحيان كثيرة إلى نوايا سيئة أو قد تكون سوء تقدير منهم للنتائج، وصادفني أن مازح أحد الطلاب زميله، بأن موعد الامتحان الذي يصادف اليوم التالي ألغي، ما جعل الطالب ينأى عن المذاكرة، ليفاجأ في اليوم التالي بثبات موعد الامتحان، ما جعله يشتكي زميله إلى إدارة الكلية، وهذا بعض من المزاح غير المحسوب . أما محمد حسن (محاسب إداري في شركة الصفوة للتقنيات)، فيرى أن أصعب أنواع المزاح هو مزاح اليد، فهو يشعره بعدم الاحترام، ويعتبره إهانة، ومن الممكن أن يجعله يقاطع من يمزح معه بهذه الطريقة لو كرر مزاحه بها، حتى لو كان من أعز الأصدقاء . ويضيف: أبحث دائماً عن الأصدقاء الذين يمزحون من دون استخدام اليد، وهذا المزاح عادة يعتادها الشخص من دون أن يستطيع التخلص منها، ولا أعرف لماذا أظن دائماً أن من يمارسها مضطرب نفسياً . ويرى محمد أن غالباً هذا النوع من المزاح يتحول إلى شجار، خاصة أنه مزاح بين الشباب الذكور .
تتفق معه ريم عاطف خبيرة ماكياج، حيث تجد أن المزاح بين الشباب يرافقه ضرب بالأيدي، بينما مزاح الفتيات لا يتخلله ذلك إلا نادراً، فمزاح الإناث لفظي أكثر مما هو جسدي . وتقول غالباً الذكور هم أكثر من يفتعل المزاح الثقيل، حيث إن قدرتهم على تحمل هذا النوع، يجعلهم أكثر تعاطياً له، بينما المقالب بين الشباب تتعدى الحدود الطبيعية للمزاح، ومن الممكن أن يستخدم فيه جميع الوسائل دون أن تحسب النتائج، وتنوه إلى أن مزاح الشاب للفتاة كالأخ لأخته غالباً محكوم بالعادات والتقاليد ولا يمكنه فيه استخدام أدوات أو الضرب مثلاً، بينما يحاول أن يمازحها بطريقة لفظية لطيفة . وهذا ما تؤكده أم محمد، أو فاطمة علي (ربة بيت)، التي وجدت من خلال تربيتها لأبنائها أن مزاح الأخ لأخته بدايةً كان يعرضها للأذى ومن ثم تتحول إلى مشكلات وتأتي فتاتها لتشتكي لها من أخيها، وتقول: لأن ابنتي موزة وأخاها في عمر متقارب، كانا في طفولتهما يلهوان، وما دعاني أن أتنبه لثقل مزاح ابني مع أخته، هو الألم الذي كانت تشكو منه، حيث غالباً ما يمازحها باليد، أو بسرقة لعبتها، أو أحد كتبها، وأقوم بتنبيهه أن هذا النوع من المزاح يؤلمها جسدياً ونفسياً، وأحاول أن أعلمه أن الفتاة لا تشبه الفتى في قدرتها على تقبل المزاح، وأن عليه أن يراعي ذلك، حتى كبر كل منهما وأصبح له أصدقاؤه الذين يمازحهم .
في حالة مختلفة لكنها بين أم وابنتها، تحدثنا إيمان مهدي (موظفة) قائلة: ابنتي تغضب من مزاحي، وتعتبره مزاحاً ثقيلاً، فحينما أمازحها بانتقادي مثلاً لسمنتها، وبعبارات لطيفة لا تحتمل، خاصة أنها في عمر المراهقة، وهذا العمر حساس جداً، وتكون الفتيات فيه أقل تقبلاً لنقد المظهر أو المزاح في ما يخص أي جانب منه، ولهذا صرت أتجنب هذا النوع من المزاح وأعمد إلى مزاحها بأمور مختلفة . وتشير إيمان إلى أن مزاح الزوج، يعتبر من المزاح الذي لا يكون مقبولاً بمجمله، حيث إن الزوجة تتحسس منه، خاصة إذا كان ينقد شكلها أو يشير إلى أي تقصير في واجباتها، وهذا ما ترفضه المرأة بتاتاً، ومن الممكن أن تتقبله من أي شخص عدا زوجها . ويشير مصطفى عمر (موظف في شركة بترول) إلى أن المزاح اللفظي هو أصعب أنواع المزاح التي يمكن أن يتعرض لها، وهي التي على أساسها يبني رد فعل قوياً، ويحدثنا عن ذلك قائلاً: حينما يبادرني أحدهم بمزاح لفظي ثقيل، كأن ينعتني بصفة بذيئة يصدر عني رد فعل قوي، والمزاح بين الجماعة أكثر وقعاً لأنه يعتبر إهانة إذا ما كان ثقيلاً، ويخلق جواً مشحوناً بالغضب .
مزاح غير مستحب
يؤكد يوسف الحاج ياسين، داعية إسلامي، أن: كل ما يؤدي إلى الإضرار بالشخص الآخر، سواء نفسياً أو جسدياً أو مادياً هو غير مستحب، حتى إن كانت النية الملاطفة، ذلك أن نتائج هذا الفعل مادامت تؤدي إلى ما يضر الشخص الآخر أو الممازح، فإنها غير مستحبة، وعن ذلك قال رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لعباً ولا جاداً، كما قال صلى الله عليه وسلم ويل للذي يُحدث فيكذب ليُضحك به القوم ويل له، وهناك غيرهما من الأحاديث الشريفة التي تبين أن المزاح الثقيل من الأفعال التي تجلب لصاحبها المشكلات، وتحمله إثماً كغيرها من الآثام، ولابد من عدم الاستهزاء أو المزاح الثقيل مع الأشخاص من خلال اتخاذ أساليب مؤذية كسرقة شيء من أغراضهم أو إخافتهم أو إنساب صفات قد لا تكون محببة أو الاستهزاء بالشكل الخارجي، فهذا من شأنه أن يخلق الضغينة بين الأشخاص، وهذه النتيجة من الممكن تجنبها لو عمد الشخص إلى الملاطفة دونما الإساءة للشخص المقابل . ويشير الحاج ياسين إلى أن الشخص يجب ألا يعمد إلى المزاح كثيراً، إنه يقلل من هيبة الشخص، حيث قال عمر بن عبدالعزيز، رضي الله عنه، اتقوا المزاح، فإنه حمقة تورث الضغينة، كما أن اختيار الأوقات الملائمة للمزاح هو المستحب، حيث لا يتخذ المكان الخطأ كأماكن العمل مثلاً للمزاح، بينما لا يمكن كذلك المزاح مع أشخاص ذوي قدر وهيبة، كالمدير، أو من كانت المعرفة به محدودة، فذلك يجلب المشكلات للشخص ويقلل من قدره.
وسائل مؤثرة
يرى نصر الدين فرج، الاختصاصي الاجتماعي، أن اتخاذ بعض الأشخاص للمزاح الثقيل غير المستحب، كوسيلة من وسائل الملاطفة وإشاعة أجواء من الفرح، هو أمر يحدده عدد من العوامل . ويقول: إن من أهم العوامل المعايير القيمية التي تزرعها الأسرة في نفوس أبنائها، حيث إن المزاح أولاً بين أفراد الأسرة الذي يتعدى الحدود الطبيعية ويتحول إلى ما يسمى المزاح الثقيل، هو ما تسمح به الأسرة أولاً داخل المنزل ومن ثم يتحول إلى من هم خارج المنزل، وعدم نهي الأسرة عن أنواع المزاح الثقيل، خاصة ذلك الذي يتعلق بالشتائم، أو السرقة، أو استخدام الأيدي بعنف، وغيرها من الوسائل، هو ما يجعل الأبناء يعتادون هذا النوع من المزاح الذي قد يعرضهم إلى إشكاليات مستقبلاً، كما أشير إلى أن الفروق الفردية بين شخص وآخر، ومدى قدرته على تحمل أنواع المزاح حتى الثقيل منها، هو من العوامل التي تؤثر في هذا السياق . ويشير فرج إلى أن للمزاح آداباً، من الممكن أن تتحدد، بحسب ما يرى، في عدم مفاجأة الشخص المقابل مفاجأة تروعه أو تخيفه من باب المزاح، أو الاستهزاء بشكل أوصفة يتسم بها، والابتعاد كلياً عن المزاح اللفظي الذي لا يرقى إلى مستوى القيم الأخلاقية . كما يجب أن يحرص الفرد على ألا يلجأ إلى المزاح بشكل كبير لأنه يقلل من احترام الفرد وهيبته، وقد يقلل من شأن الفرد المقابل . ويشير فرج إلى أن المزاح محبب، لكن الخفيف منه، الذي من الممكن أن يخلق أجواء من الفرح ويرسم الابتسامة على الوجوه، كإلقاء نكتة مثلاً .
ويحذر من خطورة القيم التي بدأت تزرعها في أذهاننا وسائل الإعلام، وخاصة القنوات الفضائية، التي تركز على البرامج والمسلسلات الكوميدية التي يبتعد الكثير منها عن النهج الأخلاقي في المزاح، كبرامج الكاميرا الخفية وبعض المسلسلات الكوميدية .