يتعامل كثير من الناس في علاقاتهم وخاصة مع المقربين منهم، بأسلوب المزاح بالشتم، معتبرين ذلك من دلالات متانة العلاقة وتلقائيتها، وبحسب وجهة نظرهم فإنهم لا يمكن أن يتمادوا في مزاحهم إلا مع الأشخاص الذين تربطهم بهم علاقة قوية، كالتي تكون بين الأزواج والإخوة والأصدقاء وبعض الأقرباء، وليس الجميع سواسية في ردود أفعالهم تجاه هذا النوع من المزاح، فالبعض يتقبله ويعده معياراً للمحبة والصداقة، وكثيرون يعدونه إهانة غير مقبولة ولا مبرر لها .

ترفض رانيا حبوش، زوجة وأم لأربعة أطفال المزاح بالشتائم، حتى مع أقرب الناس لها، قائلة: طبيعتي وتنشئتي تمنعاني من التفاعل مع هذا النوع من المزاح، الذي اعتبره إساءة مبطنة، ولا يمكن أن أقبلها حتى لو كانت بنية حسنة، كما يقول أصحابها، لأنها بالنسبة لي خارجة عن حدود اللباقة في الحديث . وللأسف كثيرون ممن تربطني بهم علاقات قوية يلجأون لهذا المزاح، ولأنني أرفضه رفضاً قاطعاً، أعاني دوماً من عدم تقبلهم لهذا الرفض، واعتقادهم بأنني إنسانة غير مرنة في علاقاتي .

وتقول رائدة عدنان، زوجة وأم لثلاثة أطفال: كثيراً ما يجرني زوجي لممازحاته التي لا تخلو من الإهانة المعنوية، وإن كانت لا تحمل إساءة لفظية واضحة، وعندما أرفض الاستمرار في هذه الممازحات، يمتعض مني ويتهمني بأنني لا آخذ الأمور ببساطة، خاصة أنني، كما يقول، أعرف أن نيته طيبة، وأنه لا يقصد الإساءة لي، ولكنني في كل مرة أوضح له موقفي ورأيي الشخصي في هذا النوع من المزاح، الذي لا تستسيغه أذني مهما كانت الأسباب، يغضب مني ويقرر عدم ممازحتي ثانية، ومن جهتي أصر على موقفي، حتى لا يطغى هذا الأسلوب على علاقتنا الزوجية، التي يجب أن يسودها الاحترام المتبادل في كل الأحوال .

أما أسامة السيد، موظف وأب لثلاثة أبناء فيقول: يلجأ كثير من الشباب إلى المزاح بالسب والشتم، الذي يجدون فيه متعة كبيرة لا أعرف سببها، ومن جهتي عندما أسمع أبنائي وهم في سن المراهقة يتبادلون الشتائم، أتدخل فورا لأوقف هذا السيل من العبارات التي تسيء لهم ولعلاقتهم، ولكنهم يؤكدون لي أنهم يقولون هذه العبارات على سبيل المزاح فقط، وأنها لا يمكن أن تؤدي إلى خصومة بينهم، ولكني أرفض هذا الأسلوب في المزاح مهما كانت الأسباب، ولهذا تجدني في كل مرة أوجههم بها، وأقول لهم إننا يجب أن نرتقي بأسلوب تعاملنا، وحتى عندما نتمازح، يجب ألا نتعدى حدود اللباقة .

يقول يوسف رباح أبو غزالة، طالب قانون: يجب أن يكون هناك حدود في التعامل بين الأصدقاء، وهذا لا يتعارض مع روح المحبة والصداقة التي تجمعنا، وأرفض أن يسيء لي أحد من أصدقائي حتى لو كان يمزح، لأن ذلك من وجهة نظري يضيع الاحترام المتبادل بيننا، ويفقد الإنسان هيبته، ولأنني كنت صريحاً وواضحاً في أسلوب تعاملي مع الآخرين باختلاف درجة علاقتي بهم، استطعت أن أرسخ هذا المبدأ في جميع علاقاتي، وأصبح كل من يتعامل معي يدرك أنني لا أقبل المزاح بالشتائم، وهذا لا يعني أنني لا أحب المزاح أو ضد التلقائية في العلاقات، ولكن لا بد أن يكون في إطار الاحترام والأدب .

المزاح بالشتائم هو معيار الصداقة لدى الشباب، وهو سبب انهيارها أيضاً . . بهذه العبارة بدأ حسين جاسم البلوشي، طالب إدارة واقتصاد حديثه، وقال: نحن الشباب نحب المزاح بشكل عام، ولا نضع قيوداً على ألفاظنا وتصرفاتنا في تعاملاتنا، خاصة في أوقات المزاح التي يكون فيها كل منا على طبيعته، وكثيراً ما يسب أحدنا الآخر ممازحا له، ولكن أحياناً يتطور الأمر، ويصبح خلافاً كبيراً، قد يؤدي إلى انهيار العلاقة، وهذا ما حدث معي عندما مازحني أحد أصدقائي، وتمادى في مزحته، ولأننا اعتدنا على هذا الأسلوب في تعاملنا، لم أتضايق منه في البداية، علماً بأن حالتي المزاجية كانت سيئة في ذلك اليوم، ولكني حاولت تمرير الموقف، ولكنه للأسف لم يقدر حالتي، واستمر في مزحته المستفزة، ما جعلني أنفجر في وجهه، وتحولت المزحة إلى خصومة استمرت أشهراً .

يعد أحمد الأحمدي، مهندس مدني نفسه مرناً في تعاملاته مع الآخرين، قائلا: أقبل المزاح بكل أشكاله، إن كان بروح الود والصداقة، فنحن كبشر ننتمي إلى بيئات متنوعة، ولكل منا أسلوبه الخاص في التعامل، وهذا ما ينطبق على المزاح أيضا، فليس لدي مشكلة في تقبل المزاح الثقيل، لأنني أعرف روح وطبيعة الشخص الذي أمامي، ولا أقيد نفسي في ضبط كل ما يصدر مني مع أصدقائي في أوقات الفرفشة، لأنني أعرف تماما أنهم لا يمكن أن يتضايقوا مني، ولكني في المقابل حريص في كلامي وتصرفاتي في أوقات الجد، حيث يكون كل منا مسؤولاً عما يصدر منه .

أيضا عماد عبدالهادي، طالب كلية إدارة واقتصاد يتقبل المزاح بكل أشكاله ويتفاعل معه، متسائلاً: لماذا لا أتقبله، وأنا أعرف أنه مجرد مزحة؟، ويقول: المزاح بالسب منتشر في كثير من العلاقات، وخاصة بين الشباب، لأنهم أكثر الفئات تقبلاً له، والأكثر مرونة في تعاملاتهم، وأعتقد أنه من غير المعقول أن أتضايق من شخص يداعبني، بغض النظر عن مضمون مزحته، وعلى أرض الواقع من الصعب ضبط كل ما يقال في إطار الدعابة، لأن الشخص في هذه الحالة يتصرف بتلقائية كبيرة، وهناك بعض الشباب يسبون الوالدين في إطار المزاح أيضاً، ولكني أرفض المساس بهما مهما كانت الأسباب .

وتقول زينب عصام، خريجة تسويق: من الصعب تقبل أي إساءة من أي شخص، سواء قيلت بصيغة الجد أو المزح بالنسبة لي، وهذا ما ينطبق على جميع من أتعامل معهم ماعدا صديقاتي اللاتي يجوز لهن ما لا يجوز لغيرهن، فنحن نتقبل من بعضنا بعضاً ما لا نقبله من الآخرين، ونتعامل مع بعضنا بعضاً بخصوصية، تسمح لكل منا أن تتدخل في حياة الأخرى بتلقائية شديدة، ولهذا فإنه من الصعب جداً أن نتضايق من بعضنا بعضاً مهما كانت الأسباب، ولاشك أن عمق علاقتنا ببعضنا، انعكست على طبيعة مزاحنا، فلو حملت هذه الممازحات بعض الإساءة غير المقصودة بالتأكيد، فإنها تقابل برحابة صدر، ومن المستحيل أن يساء فهمها .

تقول مها عبدالله، ربة بيت وأم لستة أبناء: أنا شخصية مرحة بطبعي، وأحب أجواء الفرح، وأسعى دوماً لأن تكون جزءاً من تفاصيل حياتي اليومية، استطعت أن أعكس هذه الروح على جميع أفراد أسرتي، ما جعلنا أكثر قربا بالرغم من اختلاف مراحلنا العمرية، حيث إنني وزوجي تجمعنا علاقة صداقة ودية وتلقائية بأبنائنا، ولعل هذا ما يفسر وجود بعض الممازحات، التي من الصعب أن تسمعها بين الآباء والأبناء، خاصة لو كانت جريئة بعض الشيء، ولكني أرى أن مثل هذه الممازحات التي قد لا يسمح بها بعض الآباء، تحقق تأثيراً إيجابياً في تقوية علاقتنا بأبنائنا، ما دامت لم تتعد حدود الاحترام المتبادل بيننا .

يقول خالد المدني، مهندس كهرباء إنه كثيراً ما يتعرض لمزاح من النوع الثقيل من أصدقائه، ولكنه لا يتضايق منهم، ويمرر مثل هذه المواقف، إذا كانت صادرة عن شخص تربطه به علاقة قوية . ويضيف: أرفض أي مزاح يتعرض للوالدين، أما إذا كان في شخصي، فلا أبالي لأنني أعرف أن هذه المزحة خرجت من صاحبها بنية صافية، ولكني في الوقت نفسه أحذر دوماً من التمادي في المزاح الذي قد يترك أثراً سلبياً في النفس، وأؤكد أهمية وجود خطوط حمراء في أسلوب المزاح، حتى لا نخسر صداقتنا .

ويصف أحمد النعيمي، أستاذ دراسات اجتماعية، من يتمادون في مزاحهم لدرجة الإهانة، بالمستهترين، قائلاً: هذا الأسلوب في التعامل لا يصدر عن شخصيات واعية، لان الإنسان الناضج يدرك أهمية كل كلمة أو تصرف يصدر عنه، سواء كان ذلك في وقت الجد أو الهزل . وللأسف يكثر المزاح بالسب بين الشباب، لأنهم يعدونه من دلالات الصداقة والمحبة، وكثيرا ما امتد مزاحهم إلى الأهل، وكان ذلك سبباً في حدوث مشكلات بين الأصدقاء، وأنصح الشباب باحترام بعضهم، حتى يكونوا قدوة لغيرهم، وعندما أتعرض لممازحة تسيء لي، أرفضها مطالباً صاحبها بالتوقف عن المزاح بهذا الأسلوب .

ناقش د .محمد أبو العنين، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمارات، تأثير المزاح بالسب والشتائم على العلاقات الأسرية والاجتماعية، قائلاً: ينتشر هذا النوع من المزاح في الكثير من العلاقات الاجتماعية، خاصة بين الأوساط الشبابية وطلبة المدارس الثانوية وطلبة الجامعات، وينتشر هذا النوع من المزاح أكثر بين الجماعات التي يعرف أفرادها بعضهم بعضا بشكل جيد، والذين تصطبغ علاقاتهم بالألفة والحميمة والابتعاد عن الرسميات . ولاشك في أن للمزاح وظيفة اجتماعية على الرغم من سلبياته الكثيرة، فهو بالنسبة للبعض يزيل الحواجز من أمام العلاقات الاجتماعية، ويقرب المسافات، ويجعل الناس يشعرون وكأنهم على خط واحد ويتحدثون بلغة مشتركة، لكن ذلك غير مضمون في كل الأوقات، إذ يحدث أحيانا أن يزداد المزاح عن حده، ويأخذ صورة قبيحة بألفاظ جارحة أو مهينة، أو يتناول الأهل أو العرض، وهنا يحدث ما لا يحمد عقباه فتنقلب المسألة من مجرد مزاح إلى خصام وربما شجار وعراك ويفقد الصديق صديقه .

وعن الأسباب التي تجعل البعض يلجأ إلى أسلوب المزاح بالسب أو الشتائم، يقول: رغبة البعض في التغيير والخروج على المألوف ومحاذير العلاقات الاجتماعية وعلاقات الصداقة أو العمل المملة من وجهة نظرهم، تجعلهم يمزحون بالشتائم والإهانات ويرون فيها تجديدا من خلال إضفاء روح الدعابة والفكاهة على تعاملاتهم، خاصة لو كانوا يتعاملون مع بعضهم بعضاً لساعات طويلة في اليوم، أو كانوا يعملون في مهن شاقة تتطلب الترويح عن النفس، فيرون أن المزاح الثقيل هو وسيلتهم لذلك . وهناك سبب آخر يتمثل في رغبة البعض في التنفيس عن أنفسهم، فقليل من الناس من يستطيع استخدام الشتائم والإهانات في أي وقت أو في أي مكان، حيث يضع المجتمع ضوابط على هذا الأمر، وبالتالي يتحين بعض الناس الفرصة للخروج عن الضوابط الاجتماعية، ويسرفون في الشتائم والإهانات عند تعاملهم مع معارفهم من أصدقاء وزملاء العمل أو حتى الأقارب .

ويؤكد أبو العنين أنه ليس جميع الناس لهم نفس ردود الأفعال إزاء المزاح بالسب، ويقول: يختلف الناس في ردود أفعالهم نحو هذا النوع الجارح من المزاح، إذ إن بعض الناس لا يطيقونه مطلقا ولا يقبلون به أبدا، وهم على استعداد لخسارة علاقة الصداقة أو حتى القرابة إذا تعرضوا لهذا النوع من المزاح، وهناك آخرون يقبلون به على مضض وقد لا يتجاوبون معه، ومع ذلك هناك أيضا من يستمتع بسماع الشتائم والسباب وعلى استعداد للتعامل بالمثل! ويعود هذا الاختلاف إلى الطبيعة الشخصية لكل فرد وخلفيته الاجتماعية والثقافية ووضعه المهني ومركزه الأدبي في المجتمع .

ويضيف: باختلاف ردود أفعال الناس تجاه المزاح بكل أشكاله، يجب أن نتفق على أنه للمزاح حدود، ومن الأفضل أن نعود أنفسنا وأبناءنا على المزاح الرقيق الخالي من العنف الجسدي أو اللفظي، ونحن بحاجة إلى بناء مجتمع راق يسمو على الصغائر، تسوده فيه لغة المحبة والتسامح لا لغة العدوان والإهانة .

ويتحدث د . حسن محمد المرزوقي، أستاذ الفقه في جامعة الإمارات، عن وجهة نظر الدين في المزاح بكل أشكاله، قائلاً: كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يمزح، ولكن كان مزاحه صدقاً، فكان عليه الصلاة والسلام ينادي بعض الصحابة بعبارات فيها مزاح ومودة، حيث كان ينادي أنس بن مالك يا ذا الأذنين، بل إن أئمة الحديث مثل البخاري وغيره، جعلوا بابا خاصا في كتبهم بعنوان باب الانبساط إلى الناس، وفيه المباح من المزاح، وغيره من الضوابط التي يجب مراعاتها في هذا الموضوع، وأهمها ألا يكون فيه شيء من الاستهزاء بالدين، وعدم الترويع والتخويف، وألا يكون مبالغا فيه، بمعنى ألا يتعدى حدود المعقول، لذا فإن المحافظة على التوازن في هذا الأمر مطلوبة . ويتحقق هذا التوازن، حسب المرزوقي، من خلال مراعاة مضمون المزاح ووقته، كي لا يؤدي إلى إيذاء الآخرين، أو يسبب لهم الإحراج، أو ينقلب إلى عداوة وشجار ومخاصمة، لأنه كثيراً ما كان المزاح مقدمة لمشاجرات، سببها التمادي فيه، والتطاول على الطرف الآخر أو على والديه أو أحد أقربائه أو غير ذلك من الأمور التي تؤدي إلى الغضب والتنافر، فهنا ينقلب حكم المزاح من المباح إلى الحرام، لأن في ذلك إيذاء للآخرين، وخصوصاً أولئك الذين لا يتقبلون مثل هذه التصرفات . وعن تأثير المزاح بالسب والشتم يقول: المسلم ليس بالسباب ولا اللعان ولا يحتقر أخاه، فالخلق القويم من شيم المسلمين، وأما تأثير المزاح الذي يتضمن الشتم واللعن والاستهزاء على العلاقات الإنسانية والاجتماعية، فلا شك في أن تأثيره سلبي وخطير، لأن المزاح من هذا النوع فيه كلمات غير مرضية للطرف الآخر، فيتحول المزاح إلى بغض وحقد، وقد يجر ذلك إلى الانتقام، وبهذا يتحول المزاح المشروع إلى مزاح ممنوع .