المسرح الكويتي من الارتجال إلى التأصيل

يعتبر الأول تاريخياً في الخليج العربي
03:13 صباحا
قراءة 7 دقائق

تعتبر الحركة المسرحية في الكويت تاريخياً هي الأقدم في منطقة الخليج العربي، ولنشأتها أسباب تعود الى الاتجاه الفكري الاصلاحي الذي اسهم في إنشاء المدارس في عشرينات القرن الماضي، حيث كان إنشاء المدرسة المباركية عام 1919 كأول مدرسة خاصة، ثم إنشاء مدرسة الأحمدية عام 1921 ليشكلا معاً أهم مدرستين في تاريخ بدء التعليم في الكويت، إذ انطلقت الشرارة الأولى للمسرح الكويتي في المدرسة الأحمدية عام ،1922 حيث قدم أول عرض مسرحي قام بتأليفه عبدالعزيز الرشيد، وهو أحد أبرز رجالات العلم والتنوير في الكويت آنذاك، وتشير الدراسات حول نشأة المسرح الكويتي الى أن اسم تلك المسرحية مازال غير معروف أو أنها كانت بلا عنوان، وهذا ما يؤكد عليه طالب الرفاعي في كتابه المسرح في الكويت، إلا أن أهم النقاط التي تسجل لذاك العرض الأول أنه كان باللغة العربية الفصحى، بالإضافة الى تناوله لقضية الصراع بين القديم والجديد، حيث ينتصر العرض لفكرة العلم وضرورته، أي أن الدور الرئيسي الذي انيط بالعرض هو دور اجتماعي وفكري بالدرجة الأولى، كمحاولة لاعطاء العلم مكانته اللائقة التي يستحقها أمام الجمهور، وبالتالي يمكن اعتباره عملاً عضوياً، يضع العمل الفني كلاعب رئيسي في المشهد الاجتماعي، وهذا ما سوف يؤسس لاحقاً لارتباط المسرح الكويتي بالقضايا الاجتماعية والسياسية قبل ان يشهد علاقة ندية ومتكافئة بين العرض/الفكرة والعرض كعمل فني.

أما الولادة الحقيقية للمسرح في الكويت فكانت مع مسرحية عمر بن الخطاب في الجاهلية والإسلام، وقد وضع الحوار لها محمد محمود نجم وهو تلميذ المسرحي المصري الشهير زكي طليمات، ولعب نجم في المسرحية الدور الأساسي بالإضافة الى قيامه بالإخراج، وتعتبر هذه المسرحية بما لقيته من ترحاب على أعلى المستويات بداية للاحتفاء بهذه الظاهرة الفنية الجديدة على المجتمع الكويتي، خاصة وان أمير الكويت آنذاك الشيخ احمد الجابر الصباح تبنى المسرحية وقام برعايتها، وقدم للقائمين عليها كل ما يحتاجونه من إمكانات، ووافق على أن يكون ولده أحد الممثلين المشاركين فيها، وقد حضر الأمير بنفسه الى العرض الأول بصحبة المعتمد البريطاني المستر دكوري وصرح بإعجابه بالعمل، ما اعتبر آنذاك اعترافاً رسمياً بالمسرح وأهميته، واعلاء لشأن العاملين فيه. وهذا ما تؤكده دراسة الدكتور محمد مبارك الصوري في كتابه الأدب المسرحي في دول الخيلج العربي حيث يقول: كان المسرح في الكويت أكثر التصاقاً بالقضايا الاجتماعية منذ نشأ. وقد عمل على جذب الناس حوله، على الرغم من تفشي الارتجالية.

وكان الفنان محمد النشمي 1927-1984 رائداً لمسرح الارتجال بتقديمه مسرحية أم عنبر عام 1943 وقام هو نفسه بأداء الدور النسائي أم عنبر وتعتبر تلك المسرحية بداية لمجموعة من المسرحيات التي تخوض في عوالم البيئة المحلية باعتمادها على 3 عناصر رئيسية وهي الارتجال، واستخدام اللهجة العامية، والفرجة المسرحية القائمة على الفكاهة. وكان لتلك العناصر دور كبير في استقطاب الجمهور ودفعه لمتابعة الأعمال المسرحية، وقد قدم النشمي العروض العشرة الأولى لفرقة المسرح الشعبي تأليفاً واخراجاً خلال 3 أعوام من عام 1955 ولغاية عام ،1958 وكان أول تلك العروض مسرحية مدير فاشل ومن تلك الأعمال عجوز المشاكل ومطر الصيف وبلاوي.. الناس وقرعة وصلبوخ وغيرها، وعن هذا الدور البارز للنشمي يقول طالب الرفاعي يعد الفنان محمد النشمي احدى الشخصيات الرئيسية التي اثرت تأثيراً كبيراً في تشكيل ورسم احد وجوه الحركة المسرحية في الكويت في بداياتها، فهو الفارس الأول والأهم للمسرح الارتجالي، وهو الذي مد وعبد جسراً قوياً بين الجمهور والعروض المسرحية الارتجالية، وذلك من خلال دغدغتهم باختيار أحداث محلية لمسرحياته، وكذلك عن طريق اللهجة العامية، كون جمهور شعبي عريض يتابعه ويسعى لمشاهدة عروضه.

بذلك يمكن اعتبار مرحلة الفنان محمد النشمي وأسلوب الارتجال المرحلة التأسيسية للمسرح في الكويت، فاكتساب ثقة الجمهور بهذا الفن الوافد الى المجتمع الكويتي هو أهم منجزات تلك المرحلة، فالمسرح في نهاية المطاف يقوم على معادلة الخشبة/الجمهور، إلا أنه في صلب هذه المعادلة توجد مكونات أخرى، من شأنها ان تسهم في عملية تأصيل وتجذير المسرح في الواقع، وهذا ما بدأ في الكويت مع بداية عقد الستينات من القرن الماضي، من خلال الخروج بالعملية المسرحية من مرحلة الارتجال الى مرحلة التأليف الخاص للمسرح، وهذا ما قام به صقر الرشود بتأليفه مسرحية تقاليد وهي أول مسرحية مكتوبة في تاريخ المسرح الكويتي في عام ،1960 والتي قدمتها فرقة المسرح الشعبي لتكون علامة فارقة في تاريخ المسرح الكويتي، فالنص المسرحي المكتوب هو العمود الفقري للعرض ومرجعيته الأولى.

بعد مرور عام من تأليف الرشود لمسرحية تقاليد تم انشاء فرقة المسرح العربي التي سيكون لها فيما بعد دور بارز في تأصيل فن المسرح في الكويت، فلقد تبنت دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل الفرقة، وتم استقدام المسرحي المصري الشهير زكي طليمات لإعداد تقرير عن واقع المسرح في الكويت، هذا التقرير الذي سيكون بمثابة تلخيص لاشكاليات المسرح، واقتراح آليات للنهوض به، وقد حدد طليمات في تقريره تلك الاشكاليات بافتقاد العروض المقدمة الى أساسيات العمل المسرحي واصوله الدرامية والفنية، وغياب المؤلف وتسيد الارتجال في العرض المسرحي، والابتعاد عن اللغة الفصحى التي تعتبر مكوناً رئيسياً في إعداد الممثل وتكوينه، وغرق الأعمال المقدمة في المواضيع المحلية الأمر الذي يؤدي الى اغلاق فضاء التلقي، بالإضافة الى غياب الكادر النسائي عن العروض المسرحية، وتلخصت الحلول التي قدمها طليمات في تقريره بمجموعة من النقاط، وهي تكوين الفرقة المسرحية من خلال قواعد اصول العمل المسرحي، واستلهام التراث العربي وقضايا الانسان العربي وهمومه، بالإضافة الى تبني اللغة الفصحى في الأعمال المسرحية، وضم كوادر نسائية، وهذا ما تحقق من خلال انضمام شابتين الى الفرقة وهما مريم الصالح، ومريم الغضبان ويسجل لهما انهما كانتا أول ممثلتين في تاريخ الكويت، وبالفعل قدمت فرقة المسرح العربي أول عمل لها تحت عنوان صقر قريش تأليف محمود تيمور واخراج زكي طليمات وأداء مريم الصالح ومريم الغضبان وعبدالحسين عبدالرضا وعبدالرحمن الضويحي وحسين الصالح وخالد النفيسي وغانم صالح غانم، وتم تقديم العرض على مسرح ثانوية الشويخ في مارس/آذار ،1962 واستمر العرض لمدة 24 يوماً متتالياً مثل هذا حدثاً بارزاً في تاريخ المسرح الكويتي، فهو أول عمل يستمر عرضه لمدة طويلة وكان نجاح صقر قريش مؤشراً الى نجاح المقترحات التي وضعها طليمات والى المكانة التي أخذ يحتلها المسرح في حياة الكويتيين.

وهكذا فقد دخل المسرح في مرحلة جديدة مع فرقة المسرح العربي حيث تم الاعتماد الكلي على النص المسرحي المكتوب واسماء مهمة في عالم التأليف المسرحي من أمثال توفيق الحكيم وعلي احمد باكثير ومحمود تيمور، ما مكن الفرقة من تقديم 10 عروض خلال 3 أعوام وهو تطور كمي ونوعي شهدته الحركة المسرحية في الكويت، بالإضافة الى التلاقح الفكري والفني بين المسرحيين الكويتيين وزملائهم في الوطن العربي وفتح فضاء المواضيع المطروحة واخراجها من الاستغراق بالمحلية الى فضاءات أخرى تلامس الهم الاجتماعي والوجداني العربي بشكل عام.

كان لنجاح فرقة المسرح العربي دور في ظهور فرق مسرحية أخرى مثل فرقة مسرح الخليج العربي وفرقة المسرح الكويتي، وقد قدمت فرقة مسرح الخليج العربي أعمالاً نوعية جالت ببعضها خارج الكويت مثل مسرحية الحاجز وحفلة على الخازوق اللتين عرضتا في القاهرة وكان لهما صدى جيد عند المتلقي المصري بشكل عام والمسرحي المصري بشكل خاص، فالمسرحي سعد اردش يقول في مقالة عنوانها صقر الرشود ومسرح الخليج على خريطة المسرح العربي: جاءت فرقة مسرح الخليج العربي الى القاهرة لعرض مسرحية الحاجز وكان التعارف من خلال المسرح حيث يلتقي فنان المسرح متفرجاً بفنان المسرح لاعباً في الفضاء المسرحي، ولم نكن في مصر نعلم الكثير عن المسرح في الخليج العربي، ولم نكن قد شاهدنا من قبل عرضاً مسرحياً من الكويت، ولا شك ان عرض مسرحية الحاجز قد بهر المسرحيين في القاهرة كبداية تأسيسية لمسرح عربي شقيق، ولا بد ان رجل المسرح في مصر قد بدأ يحس بالنشوة والتفاؤل بأنه اكتسب فضاء مسرحياً جديداً على الأرض القومية ويتابع اردش في المقالة نفسها لكن عرض مسرحية حفلة على الخازوق للكاتب المصري محفوظ عبدالرحمن والمخرج الكويتي صقر الرشود، كان يمثل مرحلة شديدة التقدم، ومفاجأة مذهلة للشارع المسرحي في القاهرة كذلك الأمر كانت فرقة المسرح الكويتي امتداداً لحالة النهوض والتقدم في الحراك المسرحي، وقد اخذت الفرقة توجهاً خاصاً وهو الاهتمام بالشأن المحلي كاستكمال لمسيرة المسرح الشعبي حتى ان مؤسسي الفرقتين هم أنفسهم تقريباً، وقد تبنت الفرقة خط النشمي القديم وبدأت عروضها ابتداء عام 1965 وكان أولها مسرحية حظها يكسر الصخر تأليف واخراج محمد النشمي، ثم ظهرت اسماء جديدة في التأليف والاخراج من تلك الاسماء ثامر السيار، وحامد الهاشم وحسين الصالح الحداد وسلمان جوهر ورضا علي حسين وآخرون.

ما بعد التأسيس

كان عقد الستينات من القرن الماضي هو المساحة الزمنية والتاريخية التي تأسست فيها قواعد الفن المسرحي في الكويت، بالتفاعل مع الفضاء الاجتماعي المحلي إثر التحولات الاقتصادية في المجتمع كنتيجة للعائد النفطي، وبالتفاعل مع الفضاء العربي الذي كان يشهد مرحلة المد القومي العربي بكل محمولاتها الفكرية والسياسية، وهذا ما توضح من خلال حركة انشاء الفرق المسرحية ونشاطها الكبير وتفاعلها مع القضايا الاجتماعية والسياسية، ثم جاء عقد السبعينات ليتخذ النشاط المسرحي في الكويت حالة جديدة على مستويين، الأول هو الالتفات الى دور الناحية الاكاديمية في تكوين الأطر اللازمة للعمل المسرحي وفقاً لمناهج وأسس ونظريات الفن المسرحي، وهذا ما تجلى عام 1974 بإنشاء المعهد العالي للفنون المسرحية كتطوير لمركز الدراسات المسرحية الذي أنشأه زكي طليمات، وكان الدكتور علي الراعي وراء فكرة التطوير وتحويله الى معهد عال ضم في بداياته 3 اقسام رئيسية وهي قسم فنون التمثيل والإخراج، وقسم النقد والأدب المسرحي وقسم الديكور المسرحي.

أما المستوى الآخر فهو تعدد الفرق المسرحية، وتحولها من فرق تابعة للشؤون الاجتماعية والعمل الى فرق خاصة، ما يشير فنياً الى اتساع الكادر المسرحي الكويتي تأليفاً وتمثيلاً وإخراجاً، والى الاحترافية في العمل المسرحي، وظهور اجيال مسرحية جديدة كان لها دور فاعل في توطيد علاقة المسرح بالمجتمع، خاصة وان الكثير من تلك الفرق المسرحية بدأ يأخذ بعين الاعتبار شريحة الصغار، بحيث يقدم لهم أعمالاً خاصة بهم.

حالة رائدة

شكل المسرح في الكويت منذ بداياته الأولى وحتى منتصف الثمانينات في القرن الماضي حالة رائدة وحيوية في منطقة الخليج العربي وفي الوطن العربي، خاصة انه ترافق مع ظواهر ثقافية أخرى كاصدارات سلسلة المسرح التي رفدت المسرح العربي بأهم الترجمات للمسرح العالمي، إلا أن ظهور الفضائيات والتطور التقني في مجال الاتصالات والعولمة كظاهرة اقتصادية وثقافية فرض اسئلة جديدة على الواقع المسرحي تأثر بها المسرح في الكويت وخاصة في عقد التسعينات، حيث تحول جزء كبير من العاملين في المسرح الى العمل في الدراما التلفزيونية، بالإضافة الى أثر التحولات التي حدثت على مستوى الواقع الاجتماعي والاقتصادي والتي خلخلت علاقة الجمهور بالمسرح، وهو أمر لا تعتبر فيه الكويت استثناء إنما كجزء من حالة عربية عامة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"