حوار:جمال سالم

أكد الدكتور فيصل الحفيان، مدير معهد المخطوطات العربية، التابع لجامعة الدول العربية، أهمية الحوار الجاد الملتزم بأدب الاختلاف في الإسلام حتى يقف المسلمون على أرضية مشتركة تمكنهم من مواجهة المؤامرات التي تحاك لهم.

وحذر د. الحفيان في حوار مع «الخليج» من الدعوات المشبوهة للتخلص من تراث الأمة ورميه في مزبلة التاريخ حتى يتقدم العرب والمسلمون ويلحقوا بركب الحضارة.. وأوضح أن تدني لغة الحوار من أهم العوامل التي تهدد العرب والمسلمين في حاضرهم ومستقبلهم بعد أن كان آباؤهم وأجدادهم يعيشون حالة نادرة من الازدهار الحضاري.. وأشار إلى أن الانتشار العشوائي للمدارس والجامعات الأجنبية، يمثل خطراً على هوية الأمة وضياعاً لأجيالها.
وفيما يلي نص حوارنا معه:


المسلمون يتحدثون أكثر مما يعملون.. من وجهة نظركم كيف يتحاور المسلمون ويصلون إلى حوار عقلاني يقي الأمة مخاطر الصراع؟

المسلمون بالفعل يتكلمون أكثر مما يعملون، والمطلوب منهم تحكيم العقل الذي كرم الله به الإنسان حين قال «ولقد كرمنا بني آدم» فهذا التكريم لم يأت من فراغ وإنما نتيجة قدرته على التمييز بين الحق والباطل، والنافع والضار، والبعد عن الجدل الذي لا يأتي بخير، كما يتطلب الأمر أن يؤمن المسلمون بأهمية الوحدة والاعتصام بحبل الله المتين والفهم الصحيح للدين بدلا من تحويله إلى مجموعة طقوس وعبادات فارغة من المضمون، وبدلاً من أن تصبح أقوالنا في واد وأفعالنا في واد آخر، وتمزقت صفوفنا وتضيع هيبتنا، بالرغم من أن الله مقت من يتصفون بذلك حين قال: «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون».

غياب الحوار العقلاني

من وجهة نظركم: لماذا لا نجيد الحوار العقلاني الهادئ الذي أمرنا به الإسلام؟

لأننا نقدم المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وحولنا الجدل إلى معركة يجب الانتصار فيها، ولذا يرفع الجميع شعار «من ليس معي فهو ضدي» مع أن معنى «الحوار» هو المُراجعة في الكلام بإقامة الحجة، ودفع الشبهة وتفنيد الفاسد من القول والرأي من خلال الاحترام المتبادل، والتعرف على وجهات نظر الطرف أو الأطراف الأخرى بهدف الوصول إلى الحق، ولهذا حث القرآن على الجدل بالتي هي أحسن وأن يبحث المتحاور عن الدليل والبرهان وليس التجريح والانتقام، ولهذا قال الله تعالى: «قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين»، وما أجمل قول الإمام الشافعي: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب» ومن المؤسف أننا حولنا الحوار إلى صراع فأصبحنا ظاهرة صوتية لا وزن لها على أرض الواقع.

مشاهد مؤسفة

هل ترى أن الآباء والأمهات يحرصون على غرس القيم في أبنائهم كما أمر الإسلام؟

من المؤسف أن الغالبية تربي أبناءها على عكس ما قال به الإسلام، ولهذا اختلت منظومة القيم والأخلاق في الأسرة ذاتها، فرأينا العقوق في أسوأ صوره حتى وصل الأمر إلى تطاول الأبناء على آبائهم وأمهاتهم بشكل ممقوت، فماذا ينتظر المجتمع منهم؟ ورأينا القطيعة بين الإخوة من أب وأم فماذا ننتظر أن تكون علاقتهم بغيرهم في المجتمع؟ رأينا الطالب لا يحترم أستاذه بعد أن تحول هو الآخر إلى تاجر وليس مربيا فاضلا وقدوة طيبة لطلابه، فكل المصائب والجرائم الاجتماعية أساسها غياب التربية الصحيحة وغياب العقل الذي كرم الله به الإنسان ما أدى إلى تحوله إلى وحش وذئب شعاره «مصلحتك أولا والغاية تبرر الوسيلة».

يطالب البعض بالتخلص من التراث العربي والإسلامي إذا أرادت الأمة نهضة حقيقية، واستندوا إلى ما صدر منذ سنوات وبالتحديد عام 2008 عن اليونيسكو من أن اللغة العربية - التي هي لغة التراث - من اللغات المهددة بالانقراض، فهل يمكن أن يكون ذلك حقيقة في يوم من الأيام؟

لابد أن نحدد معنى اللغة المهددة بالانقراض أولا حتى يتسنى لنا الحكم على هذا التحذير المقلق والصادم لكل محب للغة القرآن، حيث يؤكد الباحثون أن اللغة المعرضة لخطر الانقراض هي اللغة التي يختفي متحدثوها الأصليون أو يتحولون للتحدث بلغة أخرى وبالتالي تصبح «لغة ميتة» لندرة المتحدثين بها وفي نهاية المطاف تصبح «لغة بائدة» عندما لا يوجد من يتحدث بها على الإطلاق، فإذا حاولنا تطبيق ذلك على العربية فهل من المتصور أن نصل إلى يوم لا يوجد فيه عربي يتحدث لغته حيث يتحول العرب تماماً إلى لغات أجنبية أخرى، أو الى لهجات محلية غير مرتبطة بلغة الضاد؟ اعتقد أن الإجابة معروفة وهي أن الله تكفل بحفظ العربية بحفظه للقرآن الكريم حين قال سبحانه «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون»، وبالتالي فإن العربية باقية ببقاء القرآن.. لكن من المؤسف أننا نتنافس في إهمالها واحتقارها.

تراجع لا موت

لكنها قد تتراجع على ألسنة أهلها مما يجعلها في النهاية غريبة بين أهلها وفي ديارها، أليس هذا خطراً؟

نعم هناك خطر أو تراجع في الاهتمام بالعربية بسبب مزاحمة اللغات الأجنبية واللهجات المحلية لها حتى إن البعض يطالب بعمل قواميس لها، إلا أن لغة القرآن لن تموت على الرغم من أن ظاهرة اختفاء اللغات كانت سائدة على مدار التاريخ الإنساني، ولابد من الاعتراف بأن هذا المعدل يتسارع حالياً بشكل كبير بسبب عمليات العولمة والاستعمار الثقافي الجديد .

ألا تشعر بالقلق من هجوم اللغات الأجنبية على لغتنا العربية في عقر ديارها من خلال المدارس والجامعات الأجنبية ووسائل الإعلام التي تتبنى ذلك وتشجعه؟

بلا شك سأظل قلقا وحزينا كلما تعرضت لغتنا لأي امتهان أو تراجع اعتزاز أهلها بها، حتى أن من يجيد بعض الكلمات الأجنبية يحاول إقحامها في كلامه للدلالة على أنه متحضر، ويسخر ممن يتحدث باللغة العربية التي كانت في يوم من الأيام «سيدة لغات العالم» وكان العلم يتحدث بها وكان الأعاجم يتفاخرون بأنهم يجيدونها، وكانت أمهات كتب التراث العالمي مخطوطة بها حتى إنها حفظت تراث حضارات أخرى وليس حضارتنا فقط، ولهذا مقالات في هذه الهموم أهمها «هل يتكلم العلم بالعربية مرة أخرى؟» للرد على القائلين بأن اللغة العربية لا تصلح كلغة للعلم الحديث وبالتالي لا مجال للتعريب، وكذلك مقال «براءة النحو وتحديد المتهم» للرد على من يدعون إلى إلغاء النحو بحجة أنه السبب في تراجع اللغة العربية على ألسنة أهلها، وتزداد دهشتي حين يتم التقليل من شأن اللغة العربية رغم أنها واحدة من ست لغات معتمدة رسميا للتداول في المؤتمرات التي تقيمها الأمم المتحدة وللاستخدام في الوثائق التي تصدرها هي أو منظماتها وخاصة منظمة اليونيسكو.

مخطوطات فلسطين

يحتل التراث العربي المخطوط في فلسطين مكانة خاصة في مؤلفاتكم فما هي الرسالة التي تريد أن توجهها إلى الأمة العربية والإسلامية من ذلك؟

ما أود التنبيه إليه أن واقع التراث العربي والإسلامي في فلسطين مرير ويزداد سوءا يوما بعد يوم في ظل عدم التحرك المطلوب من المؤسسات الدولية التي تكيل بمكاييل وليس بمكيالين فقط، وخاصة فيما يتعلق بالممارسات العدوانية «الإسرائيلية» على البشر والحجر والتراث الذي تحاول طمسه والقضاء عليه، مع أنه يمثل إحدى الركائز الأساسية في بقاء القضية الفلسطينية مشتعلة في نفوس كل العرب والمسلمين، وفي الوقت الذي نجد فيه التراث الفلسطيني كثيرا ومعرضا للخطر نجد أعداء هذا التراث يحاولون التشبث بأي شيء تراثي يثبت أن لهم حقوقا تاريخية في أرضنا المقدسة التي ينطق كل شيء فيها من الماضي السحيق إلى الحاضر بأنها أرض عربية إسلامية،ولهذا علينا الاهتمام به وتحقيقه ونشره بكل اللغات لتغيير الرأي العام العالمي الذي تعرض لعملية «غسل مخ» في ما يتعلق بالتراث العربي والإسلامي في فلسطين عامة والقدس خاصة،لهذا أطالب المؤسسات الدولية المعنية بالعمل على تنفيذ قراراتها في لحفاظ على القدس الشريف كتراث إسلامي وعربي وعالمي .

نود التعرف الى معهد المخطوطات العربية؟

يعد معهد المخطوطات العربية واحدًا من أهم المراكز المعنية بالمخطوطات في الوطن العربي والعالم وأقدمها، فقد أنشئ عام 1946، ومنذ ذلك العام يبذل جهودا كبيرة في خدمة التراث العربي المخطوط، وقد أنشئ المعهد ليكون جهاز خدمات علمية متخصصا من أجهزة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - إحدى منظمات جامعة الدول العربية - ويعنى بالتراث العربي المخطوط من حيث الجمع والإتاحة والصيانة والترميم والفهرسة والتعريف والدراسة والتوظيف كما يقوم المعهد بتجميع نصوص التراث وتيسير تداولها، ويساعد على صيانة المخطوط العربي وحفظه. ويكشف عن المخبوء من التراث بالفهرسة والتعريف.

خدمة التراث

ما أهمية الدور الذي يقوم به المعهد في خدمة التراث العربي والإسلامي في مجال المخطوطات؟

يُعَد المعهد من أقدم إدارات الجامعة ومهمته جمع فهارس المخطوطات العربية الموجودة في دور الكتب العامة والخاصة، وكذلك فهارس المخطوطات التي يمتلكها الأفراد لتوحيدها في فهرس عام وأيضاً تصوير أكبر عدد ممكن من المخطوطات العربية القيمة ووضع هذه المصورات تحت تصرف العلماء وعرضها لمن يطلبها، للاطلاع عليها بواسطة الآلات العارضة المكبِّرة أو بإعطاء صورة مكبرة منها بأسعار مناسبة أو بإعارة نسخة ثانية منها للعلماء الذين يطلبونها من البلدان الأخرى عن طريق المؤسسات العلمية أو بإرسالها رأسا إليهم بأسعار مناسبة، فضلا عن طبع صور المخطوطات القيمة التي نصها صحيح وخطها مقروء ونشر نصوص المخطوطات ذات الأهمية الكبرى، كما يقوم المعهد بتزويد الناشرين بالمعلومات اللازمة عن المخطوطات التي يعنون بها وإعلامهم بأسماء من يعنى بمخطوطات مماثلة لمخطوطهم أو مشابهة له.

ماذا يعني التراث بالنسبة لكم وخاصة في ظل الهجوم الشديد عليه والمطالبة بطمسه؟

أنا عاشق للتراث لإيماني الشديد بأهميته، ولهذا الفت مجموعة من الكتب أهمها «تراث العرب السياسي» وكذلك «تراث العرب والمسلمين في العلاقات الخارجية» وأيضا كتاب «التراث العربي، قضايا الحاضر وآفاق المستقبل»، بالإضافة إلى عشرات الأبحاث والدراسات التي أعرض فيها أهمية التراث لأن عندي إيمانا بلا حدود بأن تراث الأمة أساس نهضتها مهما كانت قيمة هذا التراث، فما بالنا إذا كان هذا التراث هو التراث العربي الذي يعد الأكثر غنى وثراء وتنوُّعاً وامتداداً ومساحة جغرافية في العالم، وفي مختلف العلوم والمعارف الإنسانية سواء ما هو متصل بالدين أو العلوم العربية والشرعية وكذلك العلوم الإنسانية والتطبيقية لأننا أبناء حضارة عظيمة،وهذا بالطبع لم يأت من فراغ وإنما لقدرة هذا التراث على التأثير بما يملكه من قيَم روحية ودينية حيث يضم هذا التراث حضارات متنوعة ونزلت في أرض هذا التراث الأديان السماوية التي فجرت طاقات من الإبداع والابتكار في مختلف المجالات وارتقت بقيمة وفكر الإنسان.