علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل الآداب الفاضلة والأخلاقيات الراقية والسلوك المتحضر، وأوصانا بكل ما يحقق لنا الطمأنينة ويجلب لنا رضا الخالق والمخلوق .

لكن للأسف ابتعدنا كثيراً عن هدي رسول الله وأهملنا توجيهاته النبوية القويمة فشاعت بيننا البغضاء وانتشرت السلوكيات المرفوضة واختفت قيم الرحمة والتكافل والمودة والعفو وغير ذلك من فضائل الإسلام التي تجسدت في سلوكيات الرسول وأقواله وتوجيهاته الكريمة .

وتجسد وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عباس، رضي الله عنهما، كل القيم التربوية والأخلاقية التي تحفظ للمسلم نقاء عقيدته وتقوي صلته بخالقه وتمنحه الثقة بنفسه .

يقول عبدالله بن عباس في الحديث الصحيح: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك . احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف (رواه الترمذي) .

في هذه الوصية النبوية الكريمة كما يقول د .أحمد عمر هاشم أستاذ الحديث والرئيس الأسبق لجامعة الأزهر يربي رسول الله صلى الله عليه وسلم أتباعه على الثقة بخالقهم سبحانه وتعالى، فهو وحده القادر على أن ينفعهم أو يضرهم، وعندما يؤمن الإنسان بذلك سيقوى إيمانه في خالقه وتقوى ثقته بنفسه، فلا يلجأ لأحد لا يملك له نفعاً ولا ضراً، وسيعتمد على عمله وجهده لكي يحقق طموحاته وأهدافه في الحياة .

كيف تحفظ خالقك؟

الوصية الأولى التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن عباس في هذا الحديث الشريف هي احفظ الله يحفظك، وحفظ الله عز وجل يكون بالإيمان به والعمل بأوامره واجتناب نواهيه . وهذه الوصية تؤكد حاجة المخلوق إلى خالقه في كل أحواله . فإذا كان الإنسان ينشد السعادة والاستقرار والطمأنينة في حياته الدنيوية فإن طريق ذلك كله هو الالتزام الديني الذي يعني أن يدرك الإنسان حقيقة رسالته ودوره في الحياة، وأنه لن يستطيع أن يعيش من دون هدف، وهدف الإنسان المسلم تحدده له عقيدته ورسالته الدينية والدنيوية .

يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان نبيه إبراهيم في وصفه لربه: الذي خلقني فهو يهدين . والذي هو يطعمني ويسقين . وإذا مرضت فهو يشفين . والذي يميتني ثم يحيين . والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (الشعراء: 78 - 82) .

فالحياة الطيبة التي ينشدها كل إنسان في دنياه وأخراه لابد للحصول عليها من أداء الواجب ودفع الثمن وهو الإيمان والعمل الصالح .

إذن، فالإنسان الذي يحفظ الله كما أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف، هو الذي يؤدي ما عليه من واجبات تجاه خالقه لكي يجني ثمرة ذلك حياة طيبة، يحفظه الله فيها من كل مكروه ويوفر له كل عوامل الطمأنينة والاستقرار . يقول الحق سبحانه: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون . نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون، نزلاً من غفور رحيم (فصلت: 30 - 32) .

فالأمن يشمل عدم الحزن على ما فات وعدم الخوف مما هو آت، والاطمئنان إلى أن ملائكة الله سيتولون عن الإنسان تحقيق كل مطالبه، وإلى أنه سيلقى كل ما يتمناه ويتمتع به أقصى ما يمكنه من تمتع، وكل ذلك من أسمى ما يطلبه الإنسان ويسعى إليه والطريق إليه هو الإيمان والاستقامة .

الاستعانة بالله

والوصية الثانية التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس في هذا الحديث الشريف هي قوله: وإذا استعنت فاستعن بالله، وهذه الوصية تبعث الثقة في النفس، فالإنسان الذي يحفظ الله ويؤدي ما عليه من واجبات دينية ودنيوية ليس في حاجة إلى أحد لكي يعينه على واجباته، إنه يعرف طريقه جيداً .

وهذه الوصية الطيبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤكد احترام الإسلام للإنسان وعقله وإرادته، فمن الأمور التي يقررها العقل السليم أنه لا ينبغي أن يلجأ الإنسان إلى طلب العون إلا ممن يملك بالفعل تقديم هذا العون، أما أن يلجأ الإنسان إلى من لا يستطيع أن يعين نفسه فهذا كما يقول د .محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري السابق عبث مرفوض . ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرض على الإنسان أن يرفض رفضاً قاطعاً كل أعمال الدجل والشعوذة والاعتقاد في الخرافات والأوهام واللجوء إلى مدعي الولاية أو من يزعمون علم الغيب، أو الاستعانة بأصحاب الأضرحة والقبور من أجل طلب الشفاء أو هلاك الأعداء أو قضاء الحوائج، فكل هذه أمور لا يقبلها عقل ولا دين .

إن موقف الإسلام من الذين يلجأون إلى هذه الوسائل المرفوضة واضح وحاسم، فاستعانة الإنسان ينبغي أن تكون بالله وحده بعد اتخاذ جميع الوسائل الموصلة إلى الأهداف المرجوة . فالله سبحانه وتعالى هو وحده الذي يعلم الغيب، وهو وحده الذي بيده مقاليد كل شيء عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً . إلا من ارتضى من رسول وهو سبحانه قريب من عباده، وليس في حاجة إلى وساطة من أي نوع، والقرآن الكريم يطمئن الإنسان إلى هذه الحقيقة فيقول سبحانه في خطاب موجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان ويبين لنا القرآن أيضاً أن الله أقرب إلى الإنسان مما يتصور ونحن أقرب إليه من حبل الوريد .

ومادام الأمر كذلك فالله وحده هو المستعان إياك نعبد وإياك نستعين وهو وحده الذي يستجيب الدعاء، والكفيل بقضاء الحوائج وضمان الأرزاق: ادعوني أستجب لكم وهذا يعني أنه لا توجد حواجز من أي نوع تحول بين الله والإنسان فالصلة بينهما مباشرة .

التحرر من الخوف

إن وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا استعنت فاستعن بالله تغلق الباب تماماً كما يقول د .زقزوق في وجه أي مخلوق يتحكم باسم الدين في رقاب العباد، أو يدعي أنه يستطيع أن ينفعهم أو يكشف عنهم الضر، فلا نفع ولا ضر إلا بإرادة الله الذي خلق الأسباب والمسببات، وأنعم علينا بالعقل الذي يرشدنا إلى الطريق القويم، وإدراك ذلك يعني تحرير المؤمن بعقيدة التوحيد من الخوف من سلطة منظورة كانت أو غير منظورة .

وهنا يؤكد د .محمود زقزوق أن المسلم الذي يعتمد على نفسه ولا يستعين إلا بخالقه مطالب بأن يتعاون مع كل المحيطين به ويتعامل مع كل خلق الله فلا يستطيع الإنسان أن يعيش وحده فهو في حاجة إلى غيره من بني البشر، ليس فقط من أجل تبادل المنافع والاحتياجات المادية الأساسية التي تمده بأسباب الحياة واستمرارها، وإنما كذلك لتطوير شخصيته، وتقدمه في معارفه وزيادة علمه، وتهذيب أخلاقه وتقويم سلوكه، وهذا كله لا يمكن أن يحدث إلا إذا كان هناك تعاون وثيق بين الناس في كل ما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالخير . ولا يتصور أن يحدث أي تقدم في المجتمع إلا إذا تضافرت الجهود وتوحدت من أجل بلوغ الأهداف المشتركة للوصول بالمجتمع إلى الرقي المأمول والتقدم المنشود .

معنى البر

ومن ذلك يتضح أن التعاون المطلوب ليس على المستوى المادي فقط وإنما على جميع المستويات المعنوية التي من شأنها الوصول بالإنسان إلى استكمال شخصيته الإنسانية، وقد اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بهذا الجانب لأنه يشكل الأساس للجوانب المادية الأخرى . ولذلك يقول القرآن الكريم: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان . والبر مفهوم شامل لكل أنواع الخير . وقد فسر القرآن الكريم معنى البر بالتفصيل في آية أخرى بقوله: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون .

وهذه الآية توضح لنا أن البر يشمل كل أنواع الخير التي يتصورها الإنسان، والتي يتسع معناها ليشمل عناصر العقيدة والعمل والأخلاق .

قضاء أزلي محكم

أما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف، فهو توجيه نبوي شريف يغرس في نفس المسلم عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر ويضاعف من ثقته بخالقه . . فالإيمان بالقضاء والقدر جزء أساسي من عقيدة المسلم . فالمسلم لا يكون إيمانه كاملاً إلا إذا صدق وأذعن وأيقن بأن الله قد قدر الأمور أزلاً قبل وقوعها، وقضى فيها بقضائه المحكم، وأحاط بها علماً قبل وجودها، وأنه لا يحدث شيء في هذا الكون إلا وهو مطابق لقضائه وقدره سبحانه، سواء أكان هذا الشيء خيراً أم شراً، حلواً أم مراً، سعادة أم شقاء، غنى أم فقراً، قال سبحانه: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير . لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور .

وليس معنى ذلك كما يوضح د .نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية ومفتي مصر الأسبق عدم مباشرة الأسباب التي شرعها الله تعالى للنجاح لأن ما سجله الله سبحانه وتعالى في كتابه علينا قبل أن يخلقنا لا علم لنا به، وإنما علمه مرده إليه وحده، وهو سبحانه لا يحاسبنا على ما نجهله وإنما يحاسبنا على ما أمرنا به أو نهانا عنه عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم . فهل يعمل كل واحد منا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس، بعد أن شاعت في حياتنا المعاصرة مظاهر البعد عن دين الله، والتماس الأسباب عند من لا يملكها؟