في الثاني من ابريل/نيسان من عام ،2003 خطت أريان أول خطوة لها بعد تعرضها لحادث فظيع كاد ان يودي بحياتها وتركها على الكرسي المتحرك لفترة طويلة حتى ظنت انها لن تستطيع المشي ثانية ابداً، واليوم تتحدث عن مشاعرها بعد خطوتها الأولى تلك قائلة اعتقدت اني سأقع بعد ان امضيت عدة شهور وأنا جالسة على الكرسي المتحرك، ولكني نجحت بالمسير بضع خطوات وكنت حينها مضطربة بعض الشيء.

يتعرض الكثيرون في جميع أنحاء العالم كل عام الى حوادث ينتج عنها ضرر كبير في جهازهم الحركي، ونتيجة لذلك ينقطع مرور الايعازات العصبية المسؤولة عن تحريك العضلات في الأطراف بسبب تضرر بعض المناطق الموجودة في الدماغ أو في النخاع الشوكي.

وبين لحظة وأخرى يصاب هؤلاء المرضى بالشلل ولسوء الحظ فإن الشلل عند البعض يكون نهائياً، أما الغالبية منهم فسيعاودون المسير مرة ثانية بفضل عملية إعادة التأهيل التي يمكن ان تستمر طويلاً.

وتستقبل المستشفيات الفرنسية سنوياً على سبيل المثال 130 ألف حالة إصابة بضرر في الاوعية الدماغية، و1500 حالة بتضرر في الجمجمة، يعاود 80% منهم استخدام مفصل الركبة ثانية ويكونون بعدها مؤهلين للمشي ثانية. أما فيما يتعلق ب1000 - 1500 شخص مصاب بتضرر النخاع الشوكي كل عام فإن نصفهم تقريباً ينجح بمعاودة المشي.

ولكن لإعادة التأهيل ثمن باهظ يجب ان يدفع، إذ انها عملية شاقة يمكن ان تستغرق شهوراً عدة وتتطلب الكثير من الجهد البدني والعقلي.

وتقول ماري كريستوف (52 عاما) وهي احدى المصابات بتضرر الاوعية الدماغية استعدت عافيتي بسرعة بفضل الرغبة الجامحة التي تملكتني في أن اعاود المسير ثانية، وكذلك بفضل الحاحي على المعالج الطبيعي ان يكرر التمارين بلا هوادة. وبعد خمس سنوات استطاعت ان تمشي بالاستعانة بعكاز واحد.

وفي هذا المضمار يؤكد خبراء العلاج الطبيعي انه تجب المباشرة بتحفيز العضلات في اقرب وقت ممكن بعد الحادث، وان كان المريض طريح الفراش فهذا لا يمنع القيام بذلك.

وعن ذلك يشرح البروفيسور برنارد بوسل رئيس قسم التأهيل الوظيفي في مستشفى كارش في باريس من المهم جداً تحريك المريض وتحفيزه. فإذا لم نقم بذلك فإنه سيصاب حتماً بضمور العضلات وتصلب المفاصل بشكل مأساوي.

ومن أجل ذلك يجب وضع برنامج لإعادة تأهيل المريض يتلاءم مع اصابته حال مغادرته السرير، وان يكون العمل في هذا البرنامج موزعاً على جميع القائمين على تنفيذه، فهناك من يعمل على اعادة القوة العضلية، وآخرون على التوازن وغيرهم يقومون بتحسين الإدراك الحسي للجسم والتوافق بين الحركات أو تحسس الاعصاب ورد فعلها.

وهنا يتوجب التنبيه بأن عمل المعالجين الطبيعيين سينصب على كل العضلات المستجيبة للتمرين وبخاصة تلك الموجودة عند منطقة العجز، والعضلات الرباعية والعضلات الباسطة للحوض كونها العضلات الرئيسية التي يستخدمها الانسان في المشي مع الأخذ بنظر الاعتبار انه في حالة عدم الحصول على الاستجابة المطلوبة من العضلة فإن هذا لا يعني بالضرورة اشارة سيئة منها يمكن ان تبعث على القلق.

وعن هذا الأمر تقول كلوديث هوتين المعالجة الطبيعية من مستشفى كارش نحن لا نقوم بالتشخيص في الثلاثة أشهر الأولى لبدء العلاج الطبيعي. حيث اننا لا نعرف في حينه بالضبط ما ستؤول إليه الأمور مستقبلاً، إذ كل شيء يمكن ان يكون متوقعاً، كما يقول البروفيسور جان فرانسوا الأمر المهم في هذه الحالة هو ضمان عدم فتور الهمة والشجاعة، فحالة المصابين بتضرر الجمجمة خير مثال على الصبر، فالبعض منهم لا يعاود المسير إلا بعد ثمانية عشر شهراً من تاريخ حدوث الاصابة.

ويوافقه الرأي اوليفيه دانيال قائلا سيمضي الكثير من الوقت حتى نحصل على اشارة متفائلة تدلنا على بداية معاودة المشي، هناك فاصل زمني كبير بين الفترة التي يتحرك فيها وتر ما وتلك التي ستكون فيها القدم قوية بما فيه الكفاية كي ترتفع لترسم خطوة صغيرة.

ولكن قبل التفكير في المشي يجب على المريض ان يقف أولاً، وهذا أمر سهل قوله ولكن صعب تنفيذه. فاستقامة الجسم لا تعود الى المصابين بالنخاع الشوكي إلا ببطء شديد. وإذا ما حاولنا ايقافهم فجأة فإنهم سيصبحون ضحية انخفاض في ضغط الدم ومن ثم الاغماء، ولهذا على المعالج الطبيعي ان يضع خطة مناسبة ومحددة لتدريبهم على الوقوف شيئاً فشيئاً وبدقائق معدودة كل يوم الى ان تجد اعضاء المريض طريقها مجدداً للتعود على هذه الوضعية.

وعلينا ان نعرف ان المصابين بتضرر الجمجمة أو الأوعية الدماغية يعانون عموماً من مشاكل بالتوازن تفقدهم القدرة على الوقوف، ولذلك يتحتم على هؤلاء التعلم من جديد طريقة الوقوف الصحيح مستفيدين من تلك الدروس التي تطبق على الطفل الصغير وهو يمشي للمرة الأولى، وتكمن الطريقة في البداية بالطلب من المريض الاستلقاء على الظهر ثم الانقلاب على البطن ورفع الرأس، وبعدها نطلب منه الوقوف على الاطراف الأربعة ومن ثم رفع ركبة واحدة وأخيراً تحفيزه للوقوف على رجليه.

ويؤكد أحد المرضى الذين عانوا من سكتة دماغية وهو بعمر ال37 عاماً كان الأمر صعباً للغاية، ولكن بحلول شهرين استطعت ان أمشي خطوتين إلى الأمام.

وعندما يبدأ المريض بالوقوف للمرة الأولى، فإن عليه ان يتابع علاجه الطبيعي واقفاً بين عمودين متوازيين يحميانه من السقوط، وسيكون عليه حينها الاعتماد على قوة الذراعين من أجل إسناده، وأحياناً تكون هناك مساند صناعية لحماية ركبتيه واسنادها. وهكذا سيعتاد تدريجياً الضغط على قوائمه السفلى.

وبعد التدريب على جهاز المسير، سيبدأ التنقل مستعيناً بعكاز ذي أربع ارجل، ثم عكازين منفصلين إلى ان يصبح قادراً على المشي بدون مساعدة شيء أو شخص ما.

وفي هذا السياق فإن كل تحسّن ومهما كان طفيفاً سيعتبر حدثاً مهماً بالنسبة إليه ولمعالجيه كما يقول البروفيسور بوسل عندما يستطيع المريض ان يقف من على الكرسي المتحرك لالتقاط شيء ما أو لتنظيف اسنانه فإن هذا سيمثل انقلاباً مهماً في حياته.

وبالرغم من كل ذلك، بتنا نعرف اليوم أن التقنيات المستخدمة في العلاج الطبيعي لا تختلف بشكل جذري من مركز لآخر. إذ إنها لم تنل نصيبها من التطور منذ سنوات عدة.

بيد ان مستشفى كارشي في باريس يحاول هذه الايام اختراع جهاز للمشي تكون فيه كتفا المريض مسنودتين بعدة شبيهة بتلك التي يحملها المظليون. وتوضع قدماه داخل مزلاج تكون مهمته تقليد حركة المشي وتحريك العضلات.

وعن هذا الجهاز يقول البروفيسور بوسل انها نظرية جديدة، ولكننا لسنا متأكدين من نجاحها حتى الآن. ولا نعرف إن كانت ستكون ذات فائدة اكبر من النظريات الأخرى. على كل حال علينا الانتظار لحين ورود نتائج الدراسة التي تجرى حالياً على 300 متطوع من المصابين بعطب النخاع الشوكي.

وبعد ثلاثة اشهر من العلاج الطبيعي المكثف، يصل المعالجون الى نقطة الفصل التي يخبرنا عنها البروفيسور ماتة في هذه المرحلة بالذات سنعرف عموماً ان كان الشخص سيعاود المشي من جديد او سيكون بحاجة إلى مساعدة تقنية تلازمه في مراحل حياته الجديدة القادمة. فعند هذه النقطة ستكون استقلالية المريض هي الهدف الأول المنشود بالنسبة للجميع، فعليه ان يعود إلى منزله ويرتب حياته طبقاً لمقدرته الوظيفية الجديدة، ولكنها ستكون لحظات عصيبة بالتأكيد بالنسبة للعديد من المعاقين وسيتعين على الاشخاص الذين استنفدوا طاقتهم في محاولات معاودة المشي ان يواجهوا حقيقة جديدة تتلخص بعدم مقدرتهم على ترك العكازين ان لم يكن الكرسي المتحرك.

ولكن في مقابل ذلك، فإن العلاج الطبيعي لا يتوقف بمجرد مغادرة المريض للمستشفى أو المركز المتخصص، وها هي ماري كريستون تتابع تمريناتها بوسائلها الخاصة وتقول: بعد عودتي إلى المنزل قررت ان اواصل المسيرة، وتابعت التحسن عن طريق المشي ولو لكيلومترين فقط كل يوم.

ويقول بيرنارد عن تحدياته اليومية والتركيز الكبير الذي يجب ان يبذله عند المشي في كل خطوة انجح فيها اهنئ نفسي. فعلى سبيل المثال اكتشفت هذا الصباح اني صعدت السلالم بطريقة اسهل مما اقوم به عادة كل يوم. وبعد مرور ثلاثة وعشرين عاما على الحادث الذي أصبت فيه، فمازلت اعتبر نفسي في خضم معركة الصراع مع المرض.