د . إدريس لكريني
كان لسنوات الاستعمار التي شهدتها المنطقة المغاربية أثر كبير في تهميش اللغة العربية وسيادة التدريس والتعامل الإداري باللغة الفرنسية .
ولم تكن هذه الأخيرة منتشرة في المنطقة قبل مجيء الاستعمار، الذي يبدو أنه لم يقتصر على مظاهره العسكرية والاقتصادية والسياسية، بل سعى إلى بسط نفوذه الثقافي عبر فرض وتكريس لغته بحمولاتها المختلفة التي ستظل حاضرة وبقوة رغم رحيل المستعمر تحت نضالات ومقاومة شعوب المنطقة .
نجح الاحتلال الفرنسي إلى حد كبير في توطين لغته بالمنطقة عبر تكريس اعتمادها في كثير من المعاملات والمرافق التي يحتك بها الأشخاص، حيث تمّ توطينها من خلال المؤسسات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية .
ولم يتمخض عن خروج المستعمر من المنطقة تهميش للغته في هذه الأقطار، فرغم حصول هذه الأخيرة على استقلالها تباعاً، ظلت مكانة اللغة الفرنسية وازنة، فيما كان التهميش يلاحق اللغة العربية لسنوات عدة رغم المطالب التي قادتها الكثير من النخب والفعاليات باتجاه منح اللغة العربية مكانتها اللائقة داخل المجتمع .
ولم تسمح التدابير والسياسات المرتجلة التي اعتمدتها دول المنطقة على مستوى التعريب ودعم مواكبة اللغة العربية لتحديات العصر، إلا بتزايد الإقبال على الفرنسية باعتبارها "لغة العصر" وولوج العمل ولغة "النخب الراقية" والمتنفّذة . . ولعل ما يؤكد ذلك هو أن جهود التعريب ما زالت مستمرة بشكل مرتبك رغم مرور أكثر من نصف قرن على استقلال مجمل الدول المغاربية .
وإذا كانت الكثير من الدول الإفريقية قد اعتمدت الفرنسية كلغة رسمية بصورة علنية وواضحة، كخيار اعتبرته كفيلاً بتوحيد المجتمع وتجاوز الصراعات والخلافات العرقية والإثنية واللغوية التي تزخر بها هذه البلدان، فإن هناك مفارقة كبيرة في المنطقة المغاربية، بين دساتير تعتبر العربية لغة رسمية للبلاد، وواقع مغاير يكرّس تهميش هذه الأخيرة في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية، ويدعم إيلاء الأهمية للغة الفرنسية في عدد من المعاملات والمجالات في القطاعين العام والخاص .
ففي مواجهة مطالب التعريب والفعاليات الداعمة لتأهيل اللغة العربية، هناك المنظمة الفرنكفونية التي تضم 55 دولة عضواً أغلبيتها من مستعمراتها السابقة إضافة إلى دول تحظى بصفة مراقب، التي تسعى إلى نشر اللغة الفرنسية وترسيخ تواجدها في مختلف المناطق وبخاصة الإفريقية والمغاربية منها، عبر إمكانات مالية وتقنية ترصها فرنسا في هذا الصدد .
وهكذا، ظلت الفرنسية حاضرة وبقوة ضمن مخرجات وسائل الإعلام العمومية والخاصة في المنطقة، كما أصبح سائداً في أوساط المجتمع أن اللغة الفرنسية هي لغة العصر والولوج لسوق الشغل والارتقاء الاجتماعي، وهو ما يكرّسه الاهتمام المتنامي بالنخب ذات الثقافة والتكوين الفرنكفونيين من قبل صانعي القرارات والاهتمام المتزايد بكل ما ينشر باللغة الفرنسية من قبل النخب ذات التكوين الفرنسي مقارنة مع ما ينشر باللغة العربية في هذا الصدد .
إن الوضعية الراهنة للغة العربية في البلدان المغاربية يطرح أكثر من سؤال، حول ما إذا كانت هذه اللغة الأم غير قادرة على مواكبة التحولات العلمية والتقنية حتّى تلقى هذا التهميش، وما إذا كان بالإمكان المرافعة بشأن انتشار هذه اللغة عالمياً وولوجها لعام التكنولوجيا الحديثة، في الوقت الذي تتعرض فيه للتهميش والإقصاء داخل بلدانها .
حقيقة أن اللغة الفرنسية تحتل حالياً المرتبة الثانية عالمياً بعد اللغة الإنجليزية، غير أن الكثير من الدراسات والتقارير تشير إلى أن اللغة الفرنسية لم تعد على قدر من الأهمية والانتشار كما كانت في السابق، بل إن هناك نسبة من الباحثين والمفكرين الفرنسيين أنفسهم ينشرون أبحاثهم ويقدمون محاضراتهم باللغة الإنجليزية التي أضحت لغة العصر بامتياز، ورغم هذه المعطيات، لا يزال هناك إقبال كبير ومتزايد على اللغة الفرنسية داخل دول المنطقة .
لم تشكل اللغة العربية قطّ حاجزاً دون تطور العلوم بمختلف أنواعها في مراحل مشرقة من تاريخ المنطقة، حيث برز فلاسفة وأطباء وفلكيون ورياضيون . . ما زالت آثار عطاءاتهم واضحة على العلوم والحضارة الإنسانيين .
وتشير المعطيات إلى أن عدد المتحدثين باللغة العربية يناهز نصف مليار من سكان الأرض، حيث تتموقع هذه الأخيرة في المرتبة الرابعة عالمياً بعد الإنجليزية والصينية والهندية، فيما تؤكد الإحصاءات والتقارير إلى أن اللغة العربية تتقدم على الكثير من اللغات الحية على مستوى الاستخدام والتواصل في شبكة الإنترنت، وهي مؤشرات تبرز أن المراهنة على هذه اللغة تظل كبيرة في الحاضر والمستقبل .
وفي الوقت الذي ازداد اهتمام العديد من الدول الأجنبية باللغة العربية من خلال برمجة تدريسها داخل مختلف الأقسام التعليمية والجامعات، وإحداث قنوات إعلامية مرئية ومسموعة تعتمد اللغة العربية في اشتغالها، ما زالت مظاهر التقصير والتهميش تلاحق هذه اللغة في بلدانها .
وقد حرصت الدساتير المغربية منذ الاستقلال على اعتبار العربية لغة رسمية للبلاد، ونص دستور 2011 على أن العربية تظل اللغة الرسمية للدولة وتعمل هذه الأخيرة على حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها، كما اعتبر أيضاً الأمازيغية لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة . وكسبيل لحماية وتنمية اللغتين معا، أكد الدستور على إحداث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية .
غير أن الممارسة الميدانية تبرز أن اللغة الفرنسية ما زالت مهيمنة على مختلف المجالات الحيوية في مجال الإدارة والتعليم والاقتصاد والخدمات، بما يجعل من تنزيل المقتضيات الدستورية الواردة في هذا الشأن أمر ملحاً وضرورياً، وهو ما يتطلب وجود إرادة سياسية حقيقية .
إن إعادة الاعتبار للغة العربية داخل المجتمع كفيلة بتطويرها وتعزيز حضورها ومواكبتها للتحولات التقنية والعلمية . وهو أمر يسائل مختلف الكفاءات العلمية والفكرية التي تشتغل بلغات أجنبية على طريق تمكين اللغة العربية من هذه المواكبة .
كما يسائل الأمر مجمل المؤسسات الفكرية والمراكز البحثية في المنطقة، التي يفترض أن تتحمل مسؤوليتها في هذا الصدد، كما أن دول المنطقة مطالبة أيضاً من جانبها بالنهوض وتأهيل اللغة العربية كلغة رسمية وتعزيز وظائفها ميدانيا في هذا الشأن .
إن الاهتمام باللغة العربية لا يعني البتّة تهميش بقية اللغات الحية التي سمحت بالانفتاح على مجتمعات وثقافات أخرى، بل هو مدخل يدعم الشعور بالمواطنة والانتماء والهوية والمشترك وبلورة تنشئة اجتماعية سليمة، بالنظر إلى الحمولات الحضارية والثقافية والفكرية التي تنطوي عليها هذه اللغة .
كان لسنوات الاستعمار التي شهدتها المنطقة المغاربية أثر كبير في تهميش اللغة العربية وسيادة التدريس والتعامل الإداري باللغة الفرنسية .
ولم تكن هذه الأخيرة منتشرة في المنطقة قبل مجيء الاستعمار، الذي يبدو أنه لم يقتصر على مظاهره العسكرية والاقتصادية والسياسية، بل سعى إلى بسط نفوذه الثقافي عبر فرض وتكريس لغته بحمولاتها المختلفة التي ستظل حاضرة وبقوة رغم رحيل المستعمر تحت نضالات ومقاومة شعوب المنطقة .
نجح الاحتلال الفرنسي إلى حد كبير في توطين لغته بالمنطقة عبر تكريس اعتمادها في كثير من المعاملات والمرافق التي يحتك بها الأشخاص، حيث تمّ توطينها من خلال المؤسسات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية .
ولم يتمخض عن خروج المستعمر من المنطقة تهميش للغته في هذه الأقطار، فرغم حصول هذه الأخيرة على استقلالها تباعاً، ظلت مكانة اللغة الفرنسية وازنة، فيما كان التهميش يلاحق اللغة العربية لسنوات عدة رغم المطالب التي قادتها الكثير من النخب والفعاليات باتجاه منح اللغة العربية مكانتها اللائقة داخل المجتمع .
ولم تسمح التدابير والسياسات المرتجلة التي اعتمدتها دول المنطقة على مستوى التعريب ودعم مواكبة اللغة العربية لتحديات العصر، إلا بتزايد الإقبال على الفرنسية باعتبارها "لغة العصر" وولوج العمل ولغة "النخب الراقية" والمتنفّذة . . ولعل ما يؤكد ذلك هو أن جهود التعريب ما زالت مستمرة بشكل مرتبك رغم مرور أكثر من نصف قرن على استقلال مجمل الدول المغاربية .
وإذا كانت الكثير من الدول الإفريقية قد اعتمدت الفرنسية كلغة رسمية بصورة علنية وواضحة، كخيار اعتبرته كفيلاً بتوحيد المجتمع وتجاوز الصراعات والخلافات العرقية والإثنية واللغوية التي تزخر بها هذه البلدان، فإن هناك مفارقة كبيرة في المنطقة المغاربية، بين دساتير تعتبر العربية لغة رسمية للبلاد، وواقع مغاير يكرّس تهميش هذه الأخيرة في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية، ويدعم إيلاء الأهمية للغة الفرنسية في عدد من المعاملات والمجالات في القطاعين العام والخاص .
ففي مواجهة مطالب التعريب والفعاليات الداعمة لتأهيل اللغة العربية، هناك المنظمة الفرنكفونية التي تضم 55 دولة عضواً أغلبيتها من مستعمراتها السابقة إضافة إلى دول تحظى بصفة مراقب، التي تسعى إلى نشر اللغة الفرنسية وترسيخ تواجدها في مختلف المناطق وبخاصة الإفريقية والمغاربية منها، عبر إمكانات مالية وتقنية ترصها فرنسا في هذا الصدد .
وهكذا، ظلت الفرنسية حاضرة وبقوة ضمن مخرجات وسائل الإعلام العمومية والخاصة في المنطقة، كما أصبح سائداً في أوساط المجتمع أن اللغة الفرنسية هي لغة العصر والولوج لسوق الشغل والارتقاء الاجتماعي، وهو ما يكرّسه الاهتمام المتنامي بالنخب ذات الثقافة والتكوين الفرنكفونيين من قبل صانعي القرارات والاهتمام المتزايد بكل ما ينشر باللغة الفرنسية من قبل النخب ذات التكوين الفرنسي مقارنة مع ما ينشر باللغة العربية في هذا الصدد .
إن الوضعية الراهنة للغة العربية في البلدان المغاربية يطرح أكثر من سؤال، حول ما إذا كانت هذه اللغة الأم غير قادرة على مواكبة التحولات العلمية والتقنية حتّى تلقى هذا التهميش، وما إذا كان بالإمكان المرافعة بشأن انتشار هذه اللغة عالمياً وولوجها لعام التكنولوجيا الحديثة، في الوقت الذي تتعرض فيه للتهميش والإقصاء داخل بلدانها .
حقيقة أن اللغة الفرنسية تحتل حالياً المرتبة الثانية عالمياً بعد اللغة الإنجليزية، غير أن الكثير من الدراسات والتقارير تشير إلى أن اللغة الفرنسية لم تعد على قدر من الأهمية والانتشار كما كانت في السابق، بل إن هناك نسبة من الباحثين والمفكرين الفرنسيين أنفسهم ينشرون أبحاثهم ويقدمون محاضراتهم باللغة الإنجليزية التي أضحت لغة العصر بامتياز، ورغم هذه المعطيات، لا يزال هناك إقبال كبير ومتزايد على اللغة الفرنسية داخل دول المنطقة .
لم تشكل اللغة العربية قطّ حاجزاً دون تطور العلوم بمختلف أنواعها في مراحل مشرقة من تاريخ المنطقة، حيث برز فلاسفة وأطباء وفلكيون ورياضيون . . ما زالت آثار عطاءاتهم واضحة على العلوم والحضارة الإنسانيين .
وتشير المعطيات إلى أن عدد المتحدثين باللغة العربية يناهز نصف مليار من سكان الأرض، حيث تتموقع هذه الأخيرة في المرتبة الرابعة عالمياً بعد الإنجليزية والصينية والهندية، فيما تؤكد الإحصاءات والتقارير إلى أن اللغة العربية تتقدم على الكثير من اللغات الحية على مستوى الاستخدام والتواصل في شبكة الإنترنت، وهي مؤشرات تبرز أن المراهنة على هذه اللغة تظل كبيرة في الحاضر والمستقبل .
وفي الوقت الذي ازداد اهتمام العديد من الدول الأجنبية باللغة العربية من خلال برمجة تدريسها داخل مختلف الأقسام التعليمية والجامعات، وإحداث قنوات إعلامية مرئية ومسموعة تعتمد اللغة العربية في اشتغالها، ما زالت مظاهر التقصير والتهميش تلاحق هذه اللغة في بلدانها .
وقد حرصت الدساتير المغربية منذ الاستقلال على اعتبار العربية لغة رسمية للبلاد، ونص دستور 2011 على أن العربية تظل اللغة الرسمية للدولة وتعمل هذه الأخيرة على حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها، كما اعتبر أيضاً الأمازيغية لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة . وكسبيل لحماية وتنمية اللغتين معا، أكد الدستور على إحداث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية .
غير أن الممارسة الميدانية تبرز أن اللغة الفرنسية ما زالت مهيمنة على مختلف المجالات الحيوية في مجال الإدارة والتعليم والاقتصاد والخدمات، بما يجعل من تنزيل المقتضيات الدستورية الواردة في هذا الشأن أمر ملحاً وضرورياً، وهو ما يتطلب وجود إرادة سياسية حقيقية .
إن إعادة الاعتبار للغة العربية داخل المجتمع كفيلة بتطويرها وتعزيز حضورها ومواكبتها للتحولات التقنية والعلمية . وهو أمر يسائل مختلف الكفاءات العلمية والفكرية التي تشتغل بلغات أجنبية على طريق تمكين اللغة العربية من هذه المواكبة .
كما يسائل الأمر مجمل المؤسسات الفكرية والمراكز البحثية في المنطقة، التي يفترض أن تتحمل مسؤوليتها في هذا الصدد، كما أن دول المنطقة مطالبة أيضاً من جانبها بالنهوض وتأهيل اللغة العربية كلغة رسمية وتعزيز وظائفها ميدانيا في هذا الشأن .
إن الاهتمام باللغة العربية لا يعني البتّة تهميش بقية اللغات الحية التي سمحت بالانفتاح على مجتمعات وثقافات أخرى، بل هو مدخل يدعم الشعور بالمواطنة والانتماء والهوية والمشترك وبلورة تنشئة اجتماعية سليمة، بالنظر إلى الحمولات الحضارية والثقافية والفكرية التي تنطوي عليها هذه اللغة .
* مدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية حول إدارة الأزمات