الدكتور رضوان السيد مفكر لبناني، من مواليد عام 1949 حصل على الدكتوراه في الفلسفة في عام ،1970 ويعمل أستاذاً للدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية منذ عام 1978 وحتى اليوم، وهو صاحب مشروع فكري يقوم على الحوار الإنساني والحضاري بين الأمم، وعلى قواعده تأسس الصرح المعرفي بين الموروثات الفكرية كافة، إنه الميثاق المطلق الكفيل بضمان الإنصاف الثقافي بين الشعوب والأمم والحضارات .

أصدر أكثر من 25 كتاباً فكرياً منها: الجماعة والمجتمع والدولة، الأمة والجماعة والسلطة، سياسة الإسلام المعاصر، والصراع على الإسلام وهنا حوار معه:

ماذا عن ملامح مشروعك الفكري؟

مر مشروعي الفكري والثقافي بثلاث مراحل: الأولى عندما كنت ما أزال حديث عهد بالدكتوراه، أردت أن أقرأ التجربة التاريخية لأمتنا العربية في المجال السياسي، وكان لدي إحساس عميق بفشل التجربة السياسية العربية، وقرأت كثيراً من المحاولات الاستشراقية والعربية التي تزعم أن لهذا الفشل أصولاً تاريخية سحيقة، ولذلك فكرت تفكيراً عملياً بأن أرجع إلى المصادر الأصلية للفكر السياسي الإسلامي وأن أكتب دراسة تحليلية له، فوجدت أن المطبوع منها الذي يمكن الاعتماد عليه لا يزيد على ثلاثة كتب وهي: الأحكام السلطانية للماوردي، والسياسة الشرعية لابن تيمية، ومقدمة ابن خلدون، فاعتبرت ذلك غير كاف وعمدت عبر ثلاث سنوات إلى جمع عشرات المخطوطات في الآداب السلطانية والسياسة الشرعية والتاريخ السياسي، وأصدرت دراسات تقييمية للمخطوطات السياسية التي نشرتها، وتبين لي أن هذه البنى تغوص في مجالات فقهية وعقدية وأدبية وقصصية عدة فصرت شبه مختص في الفكر السياسي الإسلامي .

وفي ذلك الوقت ومن دون أن يتغير مشروعي في الثمانينات والتسعينات طرأ تغيير كبير على المنهج البحثي وعلى الرؤية فصار هذا المشروع، مشروعاً تاريخياً حضارياً، وهذا المشروع نشرت في سياقه دراسات كثيرة جمعتها بعد ذلك في كتب، وعلى مشارف القرن الحادي والعشرين استقرت لدي مسألة كتابة التاريخ الثقافي للأمة العربية والإسلامية، وقد جرت محاولات كثيرة من جانب عرب وغربيين تدخل في التاريخ الثقافي، لكنها كانت تقوم على مقولات بعيدة عن روح الأمة .

هناك محاولة وحيدة بالغة الأهمية، وهي محاولة أحمد أمين وأرى أنها الأقرب إلى فكرة المشروع الذي أحمله اليوم وأعمل في نطاقه . إن هذا لا يعني أنني مارست هذه المراحل بصرامة فلم أعمل تحقيقاً ونشراً ودراسة في المشروع السياسي أو المشروع التاريخي أو التاريخ الثقافي وحسب، بل كتبت كثيراً في الفلسفة القديمة والحديثة .

هل تمارس نقداً ذاتياً لمشروعك الفكري؟

نعم، هذا النقد الذاتي هو الذي جعلني أتحدث عن ثلاث مراحل، وهو الذي أدى بي إلى تغيير المنهج للخروج من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية ثم الثالثة، إن النقد الذاتي هو الذي دفعني إلى التدقيق في أطروحة التاريخ الثقافي، فهناك فرق بين أن نقرأ التاريخ الثقافي للأمة بطريقة نقدية، وأن نتخذ موقفاً من ذلك التاريخ نتيجة للاعتقاد بتأثيراته السلبية في الحاضر العربي والإسلامي، ولذلك أعتبر أنني باستمرار في حالة قلق وتوتر ليأتي ما أكتبه متسماً بالعلمية من جهة، وبالأمانة للأمة وللمشروع من جهة أخرى .

يرى الدكتور محمد عمارة أن الشيوعية انهارت في بداية التسعينات من القرن الماضي، والليبرالية أفلست في الغرب ولم يبق هناك سبيل للنهوض على المستوى العالمي إلا المرجعية الإسلامية ما رأيك؟

علينا أن ندقق أولاً في المصطلحات وفي الغايات، فالشيوعية في الأصل حلم كبير بالعدالة على المستوى الإنساني، والليبرالية هي بدورها حلم للتحرر، وإذا اعتبرنا هذين التعريفين صحيحين، فيصعب القول إن هذا فشل، وإن ذاك نفدت إمكاناته، بل الذي فشل هو الأدوات والوسائل لان حلم العدالة باق، ونحن ننظر إلى الإسلام باعتباره مرجعية أو وسيلة تحقق هذين الهدفين، لكن حتى لو قلنا بذلك فان المسلمين الذين يسعون لتحقيق هذين الهدفين تظل محاولاتهم شبيهة، لان الأمر كما قال الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه: الكتاب أو النص صامت، وإنما ينطق به الرجال، ولذلك فإن أشواق أمتنا إلى الدخول في التحرر والعدالة من خلال الأدوات الاجتهادية الإسلامية هو حلم كبير، ويستحق السعي لتحقيقه بكل ما أوتينا من قدرة وإمكانات، لكننا لو تأملنا الأمر في أفقه الإنساني الواسع باعتبار العدالة والتحرر قيماً إنسانية عظيمة، فإننا لا نستطيع أن نطالب سائر أمم الأرض بالمعنى التبشيري القديم لاعتناق الإسلام للوصول إلى التحرر والعدالة، إنما نسعى إلى أن يتخذ مشروعنا السمات الإنسانية الكبيرة والتي هي من أبرز القواسم المشتركة مع العالم .

هل تتوقع أن تفرز ثورات الربيع العربي مشروعاً تلتف حوله الأمة؟

إذا تأملنا شعارات هذه الثورات لوجدنا أنها كلها تنويرية مثل: الحرية والكرامة والعدالة ومكافحة الاستبداد والفساد والتداول السلمي للسلطة، وتحقيق الديمقراطية هو خطوة كبرى على الطريق، لأنه يقود باتجاه كل الشعارات المذكورة إنما هذا التطور البارز الذي أحدثته الثورات يحتاج إلى مجتمعات حديثة صلبة، مجتمعات سياسية شاسعة واسعة الأفق ذات عزائم، ولذلك أرى أن النضال لم ينته لأن هناك قوى معيقة كثيرة ولأن القوى الإسلامية التي برزت على الساحة نافدة الصبر وتريد تحقيق انتصارات سريعة بشأن كل العاملين في سياق حركات تغييرية كبرى .

أتوقع موجات متتابعة من الثورات والخمود، ومن الفوضى والانتظام، ومن البناء لكي نصل في النهاية إلى الآفاق التي تستدعيها الشعارات سابقة الذكر، لكن كل ذلك لا يمكن تصوره من دون انطلاقات الشباب الثورية الهائلة التي حدثت خلال عام ولا تزال تحدث وتستولد الإنسان الجديد والرائع .

كيف ترى العلاقة بين الثورة والأخلاق؟

تتضمن الثورات العربية بعداً أخلاقياً بارزاً، لأن هذه القيم ليست قيماً سياسية عملية فقط، بل هي قيم أخلاقية كبرى سواء في الوعي أم السلوك، وهذه الطهورية الأخلاقية هي البارزة الآن سواء لدى الشباب المدنيين أو لدى الإسلاميين، رغم اختلاف الصيغ وأحياناً اختلاف الأهداف، فالذي ندخل فيه هو رقي أخلاقي وتقدم أخلاقي وخروج من رذائل كبرى شرذمت منظومة القيم لدينا: قيم العدالة والحرية والكرامة وأخوة الإنسان للإنسان وعمل الإنسان من أجل الإنسان .

ما المتوقع أن يقدمه التراث إلى شباب العصر الذي يعتمد على وسائل الاتصال الحديثة والمعلومة السريعة؟

الشباب يستخدمون وسائل الاتصالات الحديثة لنشر أفكارهم وآرائهم، لكن صدقني استخدام وسائل الاتصال التكنولوجية يغير الأفكار أيضا، بمعنى انه سلاح ذو حدين، هذه وسيلة عالمية ليست خاصة لا بالليبراليين ولا بالإسلاميين، ولها مقتضيات لابد من الخضوع لها، ولا نستطيع استخدام الفيس بوك أو تويتر وتظل معتبراً النص التراثي الحجة الوحيدة في الحكم السياسي أو حجة في الحكم القيمي، حتى في مسائل الحلال والحرام لابد أن تتطور الأمور بحكم وسائل الاتصال هذه بالذات .

العالم قدم شواهد إنسانية معاصرة أسهمت في عملية الإصلاح، ماذا قدم العالم العربي؟

لم يقدم شيئاً، لأننا خرجنا من عصر الاستعمار إلى عصر الاستبداد، ولذلك هذه الثورات العربية هي أول ما يقدمه العرب لأنفسهم وللعالم في القرن الحادي والعشرين، لأن أسوأ القرون التي مرت بها الأمة العربية هو القرن العشرون من حيث القدرة على امتلاك الدولة الحديثة .

التعليم هو المشجب التي تعلق عليها كل إخفاقات الأمم، فهل هذا صحيح؟

لاشك أن التعليم هو العنصر الأول في منظومة التقدم، وأتصور أن هذه الفكرة بدأت في مصر في زمن رفاعة الطهطاوي، الذي قال إن التعليم أساس نهضة الأمم، وقد أخذ هذه الفكرة عن الدول القومية الأوروبية، وخاصة فرنسا وروسيا، والثورة التكنولوجية الحديثة هي إحدى تجليات ثورة التعليم، لذلك هذه المقولة صحيحة .