احتل فتح مصر مساحة واسعة من الدراسات التي أرخت للفتوحات الإسلامية، لأنه انطوى على رسائل متعددة. وكان نقطة فاصلة في مسيرة الفتوحات بعدها، فقد تم النظر إلى مصر باعتبارها الجائزة والمركز المهم لنشر الإسلام أولا والقضاء على إحدى الامبراطوريات الكبيرة التي ناطحت المسلمين لحقب طويلة، حتى تمكنوا من القضاء عليها. وكلما تعاظم الهدف تعاظمت معه البطولات وتنوعت مشاربها. وفي الموقف التفاوضي الذي وقفه عبادة بن الصامت مع المقوقس ملك مصر دروس سياسية وعبر إنسانية مختلفة.

تعود القصة إلى الرسالة التي بعث بها المقوقس إلى عمرو بن العاص قائلاً له: إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا، وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا، وإنما أنتم عصبة يسيرة وقد أظلتكم الروم، وجهزوا إليكم، ومعهم العدة والسلاح، وقد أحاط بكم هذا النيل، وإنما أنتم أسرى في أيدينا فابعثوا إلينا رجالاً منكم نسمع من كلامهم فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه. ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبكم ورجائكم فابعث إلينا رجالاً من أصحابك نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شيء. وعندما أتت رسل المقوقس إلى عمرو بن العاص حبسهم عنده يومين حتى يروا حال المسلمين. ثم رد عليهم، أنه ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال، إما الدخول في الإسلام أو إعطاء الجزية أو القتال.

عندما رجعت رسل المقوقس إليه سألهم عن حال المسلمين. فقالوا: رأينا قوماً الموت أحب إلى أحدهم من الحياة والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة إنما جلوسهم على التراب وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم ما يعرف رفيعهم من وضيعهم ولا السيد فيهم من العبد، إذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون في صلاتهم. فقال المقوقس: والذى يحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها وما يقوى على قتال هؤلاء أحد. ثم بعث رسله مرة أخرى إلى عمرو بن العاص يقولون له: ابعثوا إلينا رسلاً منكم نعاملهم ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم.

انتهز عمرو بن العاص هذه الفرصة ليعلم المقوقس وحاشيته درساً يبقى أثره حتى اليوم في نفوس المسلمين وغيرهم، لأنه كان دليلاً عملياً على مدى المساواة والعدل الذي يحرص عليه الإسلام. حيث بعث إليه بعشرة من الصحابة والتابعين، على رأسهم عبادة بن الصامت. وكانت بشرته سوداء وطوله يتجاوز المترين. وأمره أن يكون المتحدث باسم الوفد. فركبوا جميعاً السفن وعبروا من جهة بابليون إلى الجزيرة، عندما دخلوا على المقوقس في مصر تقدم عبادة فهابه المقوقس، وقال: نحوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني. فقالوا جميعا إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما وسيدنا وخيرنا والمقدم علينا وإنما نرجع جميعاً إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره به، أمرنا بألا نخالف رأيه وقوله. فقال المقوقس: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟، قالوا: إن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعاً، وأفضلنا سابقة وعقلاً ورأياً، وليس ينكر السواد فينا. ثم وجه المقوقس حديثه إلى عبادة قائلا له تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك علي ازددت لذلك هيبة. فتقدم إليه عبادة وقال: قد سمعت مقالتك وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم أشد سواداً مني وأفظع منظراً، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي، وأنا قد وليت وأدبر شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعاً وكذلك أصحابي، وذلك أنا إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد في الله واتباع رضوانه، وليس غزونا عدونا ممن حارب الله لرغبة في دنيا ولا طلباً للاستكثار منها، إلا أن الله قد أحل ذلك لنا، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالاً.

نعيم الآخرة

استكمل عبادة كلامه للمقوقس مشيراً إليه بقوله، ما يبالي أحدنا أكان له قنطار من ذهب أم كان لا يملك إلا درهما، لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يسد بها جوعة لليله ونهاره، وشملة يتلحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله، واقتصر على هذا الذي بيده، ويبلغه ما كان في الدنيا لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم ورخاؤها ليس برخاء، وإنما النعيم والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا ربنا، وأمرنا به نبينا وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته ويستر عورته وتكون همته وشغله في رضاء ربه وجهاد عدوه.

وكان المقوقس شديد الاصغاء لكلام عبادة الذي حمل من المعاني والإشارات الكثير. وقال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط؟. لقد هبت منظره وإن قوله لأهيب عندي من منظره، وإن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها. ثم أقبل المقوقس على عبادة بن الصامت فقال: أيها الرجل الصالح سمعت مقالتك وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده.

واستمع عبادة إلى كلام المقوقس دون أن يتزحزح عن الشروط الثلاثة السابقة التي وضعها عمرو بن العاص.