الشارقة - محمد أبو عرب:
ليس غريباً أن تتحول فلسطين من الجغرافيا المحتلة إلى الحالة الشعرية التي تفضي إلى مفهوم النضال والصبر، وحق الأرض، فالأجيال التي هجرت من فلسطين، والتي ظلت فيها أنجبت قامات شعرية عالية خرجت من رحم القضية الفلسطينية، ليؤثثوا المشهد الثقافي العربي ويرسموا ملامحه الإبداعية .
وليس هؤلاء الشعراء وحدهم من جعل من فلسطين مادة خصبة للأجناس الإبداعية بصورة عامة، فالكثير من الشعراء العرب والعالميين، حضرت فلسطين في قصائدهم بوصفها رمزاً لعلاقة الإنسان بأرضه، وتكويناً جمالياً لفكرة الحرية والدفاع عن الحق، وحالة مختزلة لصورة المجازر والقتل والسفك .
يمكن القول إن فلسطين كمفردة بات حضورها في أي نص يكفي ليشرع الباب كاملاً على ملهاة إنسانية تمتد لستة عقود، وبات كافياً ليستحضر ثيمات من الشعر العربي الحديث والمعاصر، تستند إلى ثقافة الزيتون، والزعتر، والبرتقال، والبحر، وتناضل بثقافة الخيام، ومفاتيح البيوت العتيقة .
ربما لا يمكن الحديث عن قصيدة أو اشتغال على فلسطين كرمز في بناء قصائد الشعراء الفلسطينيين، خصوصاً في تجاربهم الأولى، إذ انفتاح القريحة الشعرية يختار في اللاوعي الامتداد الأول للذاكرة، والسيرة الأصعب، والعلاقة الشائكة المتعبة بين المكان والشاعر، لهذا حضرت فلسطين في قصائد شعراء الستينات والسبعينات من الفلسطينيين، بعفوية كاملة .
وتشهد التجارب الشعرية الأبرز في مشهد القصيدة الفلسطينية خلال منتصف القرن الفائت، على هذه الحالة، إذ لم يكن وعي التجارب الشعرية في المكان حاضراً ومؤطراً بتنظيرات ومناهج نقدية كما هي الحال مع شعراء الثمانينات والتسعينات، فالشعراء التفتوا إلى المكان بوعي بعد ترجمة الروائي الأردني الراحل غالب هلسا لكتاب "جماليات المكان" لغاستون باشلار عام 1980 .
لذلك يجد المقترب من قصائد شعراء الستينات والسبعينات أن كلاً منهم كتب عن فلسطين من بلدته التي هجر منها، فنجد الشاعر عز الدين المناصرة كتب في بواكير تجربته الشعرية مجموعته "يا عنب الخليل" عام ،1968 وتبدت فلسطين في تلك المجموعة بوصفها ذاكرة الطفولة والشباب، وخزان التجارب الأولى والوعي الأول، وظلت مختزلة في مسقط رأسه مدينة الخليل إذ يقول في القصيدة التي حملت عنوان المجموعة: "خليلي أنتَ: يا عنب الخليل الحرّ . . . لا تثمر/ وإنْ أثمرتَ، كُن سُمًّا على الأعداء، لا تثمر" .
وشكّل استحضار فلسطين بوصفها جغرافيا وذاكرة في بناء قصيدة المناصرة، كحال الكثير من أجيال الشعر الفلسطيني، تعويضاً عن المكان الذي هجر منه، وعلاقة جديدة لمفهوم الفقد في النسيج بين الشاعر ووطنه، إذ يقول في إحدى مقابلاته الصحفية: "ظلت بؤرة تحاصرني: لولا الخيال لمات المنفيون قهراً، لهذا كانت القصيدة تعويضاً" .
الحال نفسها تسري على قصائد الشاعر معين بسيسو التي يستحضر فيها فلسطين بوصفها جغرافيا، ووطناً، ففلسطين في قصيدته إضافة لكل أشكال النضال التي يعالجها شعرياً في تجربته تمثل مسقط رأسه غزة، إذ ظل القطاع المحاصر حالة يعود إليه بسيسو في الكثير من قصائده، وحتى حين كان يكتب عن القضية كان نموذج الأهالي المحاصرين في غزة يحضر كاختزال لفكرة الصمود والنضال .
يظهر هذا جلياً في قصيدته "المدينة المحاصرة" التي يقول فيها:
"البحر يحكي للنجوم حكاية الوطن السجين
والّليل كالشحّاذ يطرق بالدموع وبالأنين
أبواب غزة وهي مغلقة على الشعب الحزين
فيحرّك الأحياء ناموا فوق أنقاض السنين"
ربما ترك التيار الشعري في الخمسينات والستينات أثراً واضحاً في حضور المكان في الشعر الفلسطيني، إذ ظل يحضر بصورته المباشرة، وبكل التفاصيل التي علقت في ذاكرة الأجيال التي هجرت من أرضها، فظهرت في بناء شعر تلك المرحلة ملامح المكان الفلسطيني بوصفه شاهداً على شعرية الجغرافيا، والقادر على توصيف شاعرية العلاقة بين الشاعر ووطنه .
لهذا ظلت مفردات كالوطن، والأرض، والزيتون، والبرتقال، والنهر، والحصار، والشهداء، يعلو حضورها في فضاء القصيدة، فالمتتبع لتجربة العديد من الشعراء الفلسطينيين يتلمس هذا الصوت في قصائدهم، وخير مثال لذلك قصيدة الشاعر علي فودة الذي استشهد في حصار بيروت عام ،1982 إذ يكفي القول إن أول ديوان صدر له كان بعنوان "فلسطيني كحد السيف" ويكفي كذلك أنه صاحب قصيدة "إني اخترتك يا وطني" التي تعد واحدة من روائع الفنان مارسيل خليفة، إذ يقول فيها:
"إني اخترتك يا وطني
حُبَّاً وَطَواعِيَّه
إنّي اخترتُكَ يا وطني
سِرّاً وَعَلانِيّه
إِنّي اخترتكَ يا وطني
فليتنكَّرْ لي زَمَني
ما دُمْتَ ستذكرُني
يا وطني الرائع،
يا وطني . ." .
قد يعتقد العديد من متابعي المشهد الشعري الفلسطيني أن فلسطين كجغرافيا ومكون مادي ملموس خرجت من فضاء القصيدة المعاصرة، إلا أن المتمعن الأدبي يجد أن فلسطين لم تغب بل مرت بمراحل من التحول داخل القصيدة، حتى باتت اليوم مكوناً في لاوعي الشعراء أنفسهم، وبناءً تستند إليه القصيدة بأشكالها كافة، فلم يعد غريباً أن تحضر بوصفها مفهوم الفقد، أو الحنين، أو الأم، أو غيرها من الاشتغالات التي تحيل إليها هذه البلاد التي تتحول دائماً إلى ذاكرة ورمز .
ليس غريباً أن تتحول فلسطين من الجغرافيا المحتلة إلى الحالة الشعرية التي تفضي إلى مفهوم النضال والصبر، وحق الأرض، فالأجيال التي هجرت من فلسطين، والتي ظلت فيها أنجبت قامات شعرية عالية خرجت من رحم القضية الفلسطينية، ليؤثثوا المشهد الثقافي العربي ويرسموا ملامحه الإبداعية .
وليس هؤلاء الشعراء وحدهم من جعل من فلسطين مادة خصبة للأجناس الإبداعية بصورة عامة، فالكثير من الشعراء العرب والعالميين، حضرت فلسطين في قصائدهم بوصفها رمزاً لعلاقة الإنسان بأرضه، وتكويناً جمالياً لفكرة الحرية والدفاع عن الحق، وحالة مختزلة لصورة المجازر والقتل والسفك .
يمكن القول إن فلسطين كمفردة بات حضورها في أي نص يكفي ليشرع الباب كاملاً على ملهاة إنسانية تمتد لستة عقود، وبات كافياً ليستحضر ثيمات من الشعر العربي الحديث والمعاصر، تستند إلى ثقافة الزيتون، والزعتر، والبرتقال، والبحر، وتناضل بثقافة الخيام، ومفاتيح البيوت العتيقة .
ربما لا يمكن الحديث عن قصيدة أو اشتغال على فلسطين كرمز في بناء قصائد الشعراء الفلسطينيين، خصوصاً في تجاربهم الأولى، إذ انفتاح القريحة الشعرية يختار في اللاوعي الامتداد الأول للذاكرة، والسيرة الأصعب، والعلاقة الشائكة المتعبة بين المكان والشاعر، لهذا حضرت فلسطين في قصائد شعراء الستينات والسبعينات من الفلسطينيين، بعفوية كاملة .
وتشهد التجارب الشعرية الأبرز في مشهد القصيدة الفلسطينية خلال منتصف القرن الفائت، على هذه الحالة، إذ لم يكن وعي التجارب الشعرية في المكان حاضراً ومؤطراً بتنظيرات ومناهج نقدية كما هي الحال مع شعراء الثمانينات والتسعينات، فالشعراء التفتوا إلى المكان بوعي بعد ترجمة الروائي الأردني الراحل غالب هلسا لكتاب "جماليات المكان" لغاستون باشلار عام 1980 .
لذلك يجد المقترب من قصائد شعراء الستينات والسبعينات أن كلاً منهم كتب عن فلسطين من بلدته التي هجر منها، فنجد الشاعر عز الدين المناصرة كتب في بواكير تجربته الشعرية مجموعته "يا عنب الخليل" عام ،1968 وتبدت فلسطين في تلك المجموعة بوصفها ذاكرة الطفولة والشباب، وخزان التجارب الأولى والوعي الأول، وظلت مختزلة في مسقط رأسه مدينة الخليل إذ يقول في القصيدة التي حملت عنوان المجموعة: "خليلي أنتَ: يا عنب الخليل الحرّ . . . لا تثمر/ وإنْ أثمرتَ، كُن سُمًّا على الأعداء، لا تثمر" .
وشكّل استحضار فلسطين بوصفها جغرافيا وذاكرة في بناء قصيدة المناصرة، كحال الكثير من أجيال الشعر الفلسطيني، تعويضاً عن المكان الذي هجر منه، وعلاقة جديدة لمفهوم الفقد في النسيج بين الشاعر ووطنه، إذ يقول في إحدى مقابلاته الصحفية: "ظلت بؤرة تحاصرني: لولا الخيال لمات المنفيون قهراً، لهذا كانت القصيدة تعويضاً" .
الحال نفسها تسري على قصائد الشاعر معين بسيسو التي يستحضر فيها فلسطين بوصفها جغرافيا، ووطناً، ففلسطين في قصيدته إضافة لكل أشكال النضال التي يعالجها شعرياً في تجربته تمثل مسقط رأسه غزة، إذ ظل القطاع المحاصر حالة يعود إليه بسيسو في الكثير من قصائده، وحتى حين كان يكتب عن القضية كان نموذج الأهالي المحاصرين في غزة يحضر كاختزال لفكرة الصمود والنضال .
يظهر هذا جلياً في قصيدته "المدينة المحاصرة" التي يقول فيها:
"البحر يحكي للنجوم حكاية الوطن السجين
والّليل كالشحّاذ يطرق بالدموع وبالأنين
أبواب غزة وهي مغلقة على الشعب الحزين
فيحرّك الأحياء ناموا فوق أنقاض السنين"
ربما ترك التيار الشعري في الخمسينات والستينات أثراً واضحاً في حضور المكان في الشعر الفلسطيني، إذ ظل يحضر بصورته المباشرة، وبكل التفاصيل التي علقت في ذاكرة الأجيال التي هجرت من أرضها، فظهرت في بناء شعر تلك المرحلة ملامح المكان الفلسطيني بوصفه شاهداً على شعرية الجغرافيا، والقادر على توصيف شاعرية العلاقة بين الشاعر ووطنه .
لهذا ظلت مفردات كالوطن، والأرض، والزيتون، والبرتقال، والنهر، والحصار، والشهداء، يعلو حضورها في فضاء القصيدة، فالمتتبع لتجربة العديد من الشعراء الفلسطينيين يتلمس هذا الصوت في قصائدهم، وخير مثال لذلك قصيدة الشاعر علي فودة الذي استشهد في حصار بيروت عام ،1982 إذ يكفي القول إن أول ديوان صدر له كان بعنوان "فلسطيني كحد السيف" ويكفي كذلك أنه صاحب قصيدة "إني اخترتك يا وطني" التي تعد واحدة من روائع الفنان مارسيل خليفة، إذ يقول فيها:
"إني اخترتك يا وطني
حُبَّاً وَطَواعِيَّه
إنّي اخترتُكَ يا وطني
سِرّاً وَعَلانِيّه
إِنّي اخترتكَ يا وطني
فليتنكَّرْ لي زَمَني
ما دُمْتَ ستذكرُني
يا وطني الرائع،
يا وطني . ." .
قد يعتقد العديد من متابعي المشهد الشعري الفلسطيني أن فلسطين كجغرافيا ومكون مادي ملموس خرجت من فضاء القصيدة المعاصرة، إلا أن المتمعن الأدبي يجد أن فلسطين لم تغب بل مرت بمراحل من التحول داخل القصيدة، حتى باتت اليوم مكوناً في لاوعي الشعراء أنفسهم، وبناءً تستند إليه القصيدة بأشكالها كافة، فلم يعد غريباً أن تحضر بوصفها مفهوم الفقد، أو الحنين، أو الأم، أو غيرها من الاشتغالات التي تحيل إليها هذه البلاد التي تتحول دائماً إلى ذاكرة ورمز .