لا يخلو صيف من حوادث الغرق، إن كان في البحر أو في برك السباحة، وضحاياها في الأغلب شباب وأطفال تضيع حياتهم في أقل من دقيقة . ومع حرص الجهات المعنية بحفظ سلامة الأفراد على الشواطىء وفي أماكن السباحة لا تزال هناك مشكلات تواجه فرق الإنقاذ البحري والمنقذين في التعامل مع الجمهور والحد من تهور واندفاع الشباب . وفي هذا التحقيق تحدثنا إلى منقذين ومسؤولين مهمتهم الأولى والأخيرة هي الحفاظ على سلامة وأمن الأفراد وتعرفنا أكثر إلى مهامهم والمشكلات التي تواجههم وأصعب المواقف .
يبدأ محمود غسان، منقذ ومدرب سباحة في دبي، حديثه عن حوادث الغرق التي يكون أغلبها من الشباب ويقول: من أهم الأسباب المؤدية للغرق قلة الوعي وروح المغامرة لدى الشباب من حيث ثقتهم العالية في قدراتهم رغم أنهم غير مؤهلين كفاية، ومن خلال ما أشاهده من حالات عندما يسبح أحدهم ويبتعد عن الشاطئ لمسافات بعيدة يصاب بالتعب والإحباط والخوف من الغرق، وهذا ما يحصل حتى معي مع أنني سباح محترف، وقد يتعرض الشخص أثناء السباحة لمفاجآت لم تكن بالحسبان كإصابته بشد عضلي قوي وتغير المناخ بشكل سريع ومفاجئ فلا يمكن التنبؤ بأحوال البحر لأن طبيعته متقلبة .
ويتابع حديثه عن أوضاع الغريق وطريقة إنقاذه بقوله: هناك غريق هادئ وآخر مشاكس، الأول ذكي يحاول أن يسترخي وهو تحت الماء مع تحكمه في تنفسه ومحاولة قطعه لبعض الوقت على أمل أن يطفو على السطح ويأتي المنقذ من الأمام مقابل وجهه ويخرجه، أما الغريق المشاكس فيتصرف بعنف لا إرادي ويصارع المياه أملاً في النجاة وفي هذه الحالة يتجنب المنقذ أن يمسكه من الأمام من جهة وجهه ويقيس مسافة مترين قبل أن يصله ويغطس تحت الماء بطريقة تسمى غطسة البطة حيث يسبح في العمق من تحت الغريق ويأتيه من الخلف ليتجنب حركته وضرباته المؤذية ومن ثم يمسك به من منطقة الرقبة ويسحبه . وهذه العملية تتطلب منقذاً محترفاً يجيد التصرف في مثل هذه الحالة الحرجة، لأن الوضع قد يتحول من شخص يغرق إلى شخصين .
ويضيف: على المنقذ أن يتصف بسرعة التعامل مع الحالة التي أمامه بدقة وبديهة عالية لأن الشخص الذي يغرق قد تنتهي حياته بظرف ثانية أو حتى أقل من دقيقة . وهناك مؤشرات تظهر على الغريق تدل على حالته مثلاً عندما يكون فاقد الوعي ولكن لا يزال نبضه موجوداً يكون لون وجهه طبيعياً ويعرف المنقذ في هذه الحالة أن هناك أملاً في إنقاذه . وأصعب الحالات وأخطرها عندما يصبح وجهه شاحب اللون يميل للزرقة، ويقوم المنقذ بتشغيل كامل حواسه لمعرفة إن كان الشخص على قيد الحياة أم أنه توفي، فيقوم بوضع يده على الشريان السباتي في الرقبة ويتأكد من النبض وعملية التنفس ومن ثم يبدأ بخطوات الإسعافات الأولية وإنعاش القلب من خلال عدة ضغطات على الصدر وتكرر العملية أكثر من مرة لتنبيه القلب مرة أخرى .
إهمال المنقذ وتقصيره في أداء مهمته سبب من الأسباب المباشرة لحوادث الغرق المميتة، كما يرى تامر مصطفى، مدرب ومنقذ في أكاديمية كليوباترا للسباحة في الشارقة . ويقول: 90% من حوادث الغرق يكون السبب فيها هو إهمال المنقذ بالدرجة الأولى، فعليه أن يراعي الله ويخلص في عمله لأن أغلب الأشخاص في المسابح من فئة الشباب والصغار، ولذا وضعت بلدية الشارقة قوانين صارمة وشددت على تخصيص 4 منقذين ومسعف في أماكن السباحة .
ويضيف: حوداث البحر تحدث نتيجة إهمال الأهالي الذين يتركون أولادهم وينشغلون عنهم، وهناك آخرون يجهلون مخاطر البحر وما يخفيه، وكان الاستغراب سيد الموقف مع أحد الأشخاص عندما حاولت منعه من إدخال طفله البالغ من العمر 3 أعوام في منطقة تعتبر خطرة على الأطفال والأسوأ من ذلك كله أنه نزع عنه طوق النجاة الذي يحميه من الغرق بحجة أن هذه الطريقة الأفضل والأسهل ليتعلم طفله السباحة بسرعة ويكسر حاجز الخوف . وعندما ترك الطفل لوحده بدأ يغرق ولأن والده ليس لديه أي معلومات خاصة عن الإنقاذ ولا عن كيفية التعامل مع الغريق وإخراجه من الماء غرق الاثنان معاً وكوني كنت قريباً أسرعت على الفور وأنقذتهما .
وعن مهام المنقذين وكيفية التصرف في أوقات الطوارئ، يقول: سرعة التصرف وقت الحادث ضرورية جداً فعلى المنقذين توزيع المهام مابين تنبيه كافة الأشخاص المتواجدين بحصول طارىء حيث يقوم أحد المنقذين بتشغيل جهاز الإنذار أو بإطلاق الأصوات بالصفارة، وآخر يبلغ النجدة بالحادثة بالاتصال على الرقم المجاني ،999 إضافة إلى تفريغ حوض السباحة أو مكان الحادث من الأفراد وإخراجهم بسرعة ليتسنى للمنقذ القيام بمهامه على أكمل وجه وبدون أية عراقيل . ومن الأمور التي يلجأ لها المنقذ أثناء سحب الغريق من الماء توجيه أسئلة بغية تنبيهه فإن استجاب يكون لم يفقد وعيه بعد وفرصة إنقاذه كبيرة أما إذا لم يجب على الأسئلة يكون فقد وعيه، ومن ثم يبدأ المنقذ بعمل الإسعافات الأولية من تنفس اصطناعي إلى الضغط على الصدر 33 ضغطة وضخ الهواء إلى القصبة الهوائية من خلال قبلة الحياة وتكرار جميع الخطوات السابقة ثلاث مرات ويعرف المنقذ فيما لو استجاب بعدها بأقل من دقيقة هذا يعني أنه ما زال على قيد الحياة أما إذا لم يستجب فيكون الأمل ضعيفاً في النجاة .
ويقول عوض صالح، مدرب ومنقذ في شركة رياضية في دبي، عن المشكلات التي تواجه المنقذ: عدم التزام الأشخاص بتحذيرات وإرشادات المنقذ هو الذي يتسبب بأغلب حوادث الغرق وخاصة الشباب والصغار، حيث إنهم لا يكترثون بقوانين السباحة ولا يستمعون لنصائح المنقذ ويثقون في قدراتهم ومهاراتهم كثيراً وهم في الواقع عكس ذلك، علاوة على عدم مراعاتهم لحال الموج وقوته والنتيجة هي في الغالب وخيمة . ولتجنب مزيد من الحوادث يجب معالجة المشكلة من الأساس، وتكمن في ضرورة تعليم السباحة منذ عمر مبكر وليس بعمر ال 30 وما فوق .
ولو أن كل ولي أمر اهتم وحرص على سلامة أبنائه لما حدثت ولا حادثة غرق لأي طفل حيث إنهم يتصرفون بلا وعي ويندفعون نحو كل ما يجذبهم ويجلب لهم المتعة واللهو خاصة السباحة واللعب بالمياه، فكثير منهم لا يعرف معنى الخوف ولا التردد . ومن جهة أخرى بعض الأطفال قد يكون مريضاً بأمراض مثل الصرع وهذه المعلومات مهمة جداً وعلى الأهل إبلاغ المنقذ لتفادي أي ضرر لأنه من الممكن أن تنتاب الطفل نوبة صرع أثناء تواجده في الماء .
ويضيف: من الحوادث المؤلمة لطفل من الأطفال الذين أدربهم على السباحة أنه عندما هم بتقليد الآخرين وقفز في مكان عمقه قليل ارتطم رأسه بأرضية بركة السباحة وكسرت رقبته ومات على الفور مع أنه كان مع والديه . وهناك رجل كبير في السن توفي وهو يسبح وتوقف قلبه نتيجة أنه لم يراع كبر سنه وأرهق قلبه من خلال كثرة الحركة والإجهاد فالسباحة تحرك جميع عضلات الجسم والإفراط في ممارستها يتعب الجسد خاصة من كان في سن متقدمة من العمر . وعلى المنقذ أن يراعي عدة نقاط هي التركيز في عمله والحرص على عدم الانشغال عن الأفراد المتواجدين في حوض السباحة، وأخذ قسط من الراحة الكافية وعدم مواصلة العمل تحت الشمس أكثر من 6 ساعات، ويبدل مع منقذ آخر من منقذي الاحتياط عندما يشعر بالتعب، وأن يحمل صفة الشجاعة فلا يجوز أن يبدو عليه الرعب والخوف في المواقف الصعبة .
تتمركز وحدة الإنقاذ البحري في عجمان على الشاطىء لمراقبة الأفراد وتجنب حوادث الغرق قدر المستطاع، خاصة مع تزايد توافد زوار البحر ومرتاديه . يقول الشرطي الغواص سيد أحمد، أحد أعضاء فريق الإنقاذ البحري: متابعة حالة الشاطئ ومراقبته من مهامنا الأساسية ويعد إهمال الأهالي سبباً مباشراً لحوادث الأطفال، ومن المواقف التي قابلتنا أثناء وجودنا على الشاطئ تواجد طفلتين إفريقيتين بعمر 3 و5 سنوات تلعبان على الشاطئ من دون والديهما أو أحد من أفراد الأسرة وعندما سألناهما تبين أن الأم تركتهما بمفردهما أكثر من 4 ساعات وذهبت إلى دبي، ولم يكن أمامنا خيار غير تسليمهما للشرطة التي بدورها اتخذت الإجراءات اللازمة . وفي موقف آخر يبين أيضاً لامبالاة الأهل حيث عثر رجل وزوجته على طفل عمره 5 سنوات تائهاً على الشاطئ وتبين أنه يعاني من إعاقة في النطق، وبقينا لمدة ساعة حتى عثرنا على أفراد أسرته في حالة عادية جداً لم يتأثروا بفقدان ولدهم حتى أنهم كانوا يستمتعون ويأكلون في المطعم الذي يطل على الشاطئ وكأن شيئاً لم يحدث .
وعن أكثر الحالات حرجاً وصعوبة في الإنقاذ يقول: البحث عن غريق مفقود في البحر مهمة لا يستهان بها أبداً وهذا ما حصل عندما لم يتمكن خمسة من عناصر فريق الإنقاذ من العثور على أحد المفقودين وتم الاستعانة بباقي عناصر الفريق الخمسة عشر وتوزيع مهامهم ما بين البحث بواسطة قوارب الإنقاذ البحري وبواسطة المشي بالأقدام وتحريكها بطريقة دائرية وكانت الأمواج آنذاك قوية واتجاه البحر لا يسمح بالغوص تحت سطح الماء بسبب قوة التيارات المائية ومن خلال تقدم الفريق في المشي وسط المياه ارتطمت قدم أحدهم بجثة الشاب . وقد تتم الاستعانة بمروحية في حال تعثر الفريق في مهمة البحث .
ويضيف: ينجر الشبان خلف اللهو والمتعة بمياه البحر من دون التفكير بعقلانية وحذر وتكون النتيجة حوادث ومآسي موجعة، كالحادث المحزن الذي ألم بشاب عربي توفي غرقاً وهو بعمر 22 عاماً عندما كان يسبح مع مجموعة من أصدقائه الذين لم يبلغوا وحدة الإنقاذ عن غرق صديقهم من هول الصدمة والتشتت وعدم التركيز حيث تم إبلاغنا عن طريق أحد الأشخاص الذي شاهد حالة الهلع والخوف المسيطرة على أصدقائه وتم على الفور التوجه للشاطىء مكان الحادثة وتحديد سرعة التيار والأمواج وتم العثور على جثته في منطقة بعيدة عن موقع غرقه .
ويشير عمر علي محمد، شرطي أول، إلى صعوبة التعامل مع الجمهور قائلاً: عملت في قسم الإطفاء في الدفاع المدني بدبي منذ 7 سنين وانتقلت إلى عجمان في وحدة الإنقاذ منذ ثلاثة أعوام، تكمن الصعوبة في التعامل مع الجمهور حيث إنه متعدد الجنسيات والأعمار وهناك من يلتزم بالقوانين وهناك العكس، فلا بد من منع الناس من الدخول لمسافات بعيدة في البحر حفاظاً على أرواحهم خاصة عندما يكون الموج عالياً ولذلك توضع أعلام تحذيرية باللون الأحمر على امتداد الشاطئ إضافة إلى وجود لوحات وإرشادات باللغتين العربية والإنجليزية، حتى أننا نلجأ في بعض الحالات إلى مخاطبة بعض الأفراد عندما يسبحون ويبتعدون عن الشاطئ لمسافات بعيدة تشكل خطراً على حياتهم .
ويصيف: من المواقف الطريفة حالة الشغب التي أثارها شاب يعاني مشاكل عقلية عندما دخل البحر ولفتت حركاته العشوائية انتباه الأفراد الذين سارعوا بالاتصال بالوحدة خوفاً عليه من الغرق حيث إنه كان يشرب من مياه البحر بكميات كبيرة، وتمكنا من إخراجه وتسليمه للشرطة .
ويقول الرقيب بدر سعيد: عملت كإطفائي في الدفاع المدني بعجمان منذ 9 سنوات، ثم التحقت بالوحدة منذ حوالي 4 سنوات، والذي شجعني هو تركز عملها في الاهتمام بسلامة الأفراد وخاصة فئة الشباب والصغار، وتم إعداد خطط توعوية وتثقيفية لكافة شرائح المجتمع حول إرشادات السباحة وطرق التصرف في حالات الغرق ومهام الفريق في الإنقاذ وقدمت محاضرات ودروساً تعريفية من 15 مدرسة شملت أيضاً مدربي ومنقذي الفنادق لطلاب وتعريفهم بأهم وأحدث المعلومات في مهارات الغطس والإنقاذ والإسعافات الأولية .
ويوضح المساعد الأول خلفان عبيد حميد الشيخ، مدير فرع الإطفاء والإنقاذ البحري في عجمان، مهام الوحدة وأنواع الحوادث والمعدات المستخدمة في الإنقاذ، ويقول: تتولى دوريات المراقبة مهمة تفحص حالة الشاطئ بشكل دوري ومتواصل صباحاً ومساءً مع توافد رواد البحر من جميع الأعمار والفئات، وأغلب حالات الغرق التي تحدث هي من فئة الشباب حيث سجلت 10 حالات غرق في ابريل/ نيسان الماضي لكن من دون وفيات، فأغلب الشباب لا يراعون قوانين السباحة في البحر ولا يتقيدون بإجراءات الأمن والسلامة ولا بحالة البحر حيث توزع أعلام ظاهرة للعيان على امتداد الشاطىء تبين هدوء الأمواج من اضطرابها فإذا كانت الأعلام حمراء تمنع السباحة وإذا كان لونها أبيض يسمح للأفراد بالنزول للبحر . ومع هذا لا يلتزم بعض الأشخاص لا بالأعلام ولا حتى باللوحات التحذيرية، وبطبيعة الحال نحذر المتجاوزين أكثر من مرة وإذا لم يستجيبوا نتصل بالشرطة التي تتخذ الإجراءات اللازمة .
علي الجلاف: دوريات على مدار الساعة
يشير المقدم علي سعيد الجلاف، رئيس قسم الإسعاف والإنقاذ بشرطة الشارقة إلى المهام التي تقوم بها وحدة الإنقاذ البحري بشرطة الشارقة وأهمها، ويقول: تقوم الوحدة بالعديد من الأمور المهمة والصعبة كالاستجابة السريعة لنداءات إنقاذ الأرواح والممتلكات أثناء وقوع الحوادث البحرية، ومراقبة الجمهور خلال السباحة، والتعامل مع مختلف حالات الغرق، بالإضافة إلى انتشال السفن والزوارق الغارقة والبحث عن جثث الغارقين في عرض البحر والغوص في الأعماق المختلفة ليلاً ونهاراً، بالإضافة إلى مرافقة المواكب والوفود الرسمية في الجولات البحرية وتأمين جميع السباقات البحرية والمهرجانات في مختلف المناسبات .
وأضاف حول كيفية التعامل مع حوادث انتشال السيارات والسفن والجثث في الأماكن الصعبة والعميقة: يمتلك قسم الإسعاف والإنقاذ بإدارة المرور والدوريات بالقيادة العامة لشرطة الشارقة أحدث الأساليب والمعدات المتطورة التي تمكنه من التعامل مع جميع الحوادث، بالإضافة لدور البرامج التدريبية التي يتلقاها رجال الإنقاذ البحري، فهناك حوادث غرق وفقدان الأشخاص وتصادم الدراجات المائية والبواخر والسفن . ومع تزايد عدد الأفراد من الشباب والأطفال وغيرهم في موسم الصيف يزداد دور الوحدة في مراقبة شواطئ الشارقة وتلعب دوراً كبيراً من خلال تخصيص دوريات متحركة على مدار الساعة على جميع المسطحات المائية في الممزر والخان وكورنيش البحيرة، بالإضافة إلى دراسة إنشاء أبراج مراقبة على امتداد شواطئ الشارقة .