الكثير منا سمع عن هوس البعض بالنظافة والدقة المتناهية عند البعض الآخر، وفي عالمنا العربي اشتهر بذلك من الفنانين الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب الذي قيل عنه إنه كان يغسل الصابون قبل استعماله . ووصفه أحد النقاد الإنجليز بأنه مثل طائر الراغون المشهور، الذي يغسل طعامه ثم يجلس إلى جواره حتى يجف ثم يشرع في تناوله .
النظافة شيء جيد ومطلوب من الشخص، لكن عندما يتحول الأمر إلى وسواس قهري، فإنه يصبح مرضاً نفسياً يعاني منه صاحبه بشدة . ويأتي وسواس النظافة على هيئة أفكار تسلطية واندفاعات أو أفعال قهرية وطقوس وحركات لا معنى لها . وهناك من يقومون بغسل اليدين بالماء والصابون أكثر من مرة في اليوم، ومن يغسلون أيديهم بعد تناول الجرائد أو سلة الخضراوات من البواب، ومن يسيرون بالمنزل وفي أيديهم قطعة قماش وزجاجة مطهر للتنظيف ويمنعون الأولاد في استخدام أدواتهم الخاصة . والبعض يقوم من نومه ليلاً لأنه تذكر أنه لم يغسل يديه وقدميه جيداً قبل النوم .
هذه بعض من الأعراض التي تعاني منها كثير من النساء، فهذه إيفيلين (33 سنة) تقول إن بناتها أطلقن عليها اسم أدريان مونك ذلك الشرطي المهووس بالنظافة، الذي ينظف كل ما يجده أمامه لأنها تكاد لا تترك من يديها فوط التنظيف المعقمة التي تستخدم عادة لتنظيف اليدين في حالة السفر أو التنقل . وتقول إيفيلين: أنا شديدة الهوس بهذه الفوط ويكاد استعمالي لها لا ينقطع على مدار اليوم، وعندما قمنا برحلة إلى جزيرة ري الواقعة عند الساحل الغربي لفرنسا استأجرت دراجة هوائية، وعلى الفور شرعت بتنظيم مقبضها ولم أتمكن من السير بها إلا والفوط المعقمة تحيط بالمقبضين .
ولا يتوقف الأمر بالنسبة لإيفيلين عند هذا الحد، بل تضع في خزانة ملابسها فوطاً معقمة على حمالات الثياب، وتؤكد أنها تشعر بالراحة التامة عندما تفتح خزانة ثيابها في الصباح لارتداء سروال أو قميص معين، لأنها تكون متأكدة من أن كل شيء نظيف .
بييدالوت امرأة أخرى يبدو أنها ملت من كثرة حرصها على النظافة، ولذا تقول: الأمر المؤكد بالنسبة لي هو أنني لا أكاد أطبق الفوضى، فأنا أرتب حاجياتي قدر الإمكان، لكنني ليست مهووسة بذلك، ومر عليّ زمن كنت فيه لا أطرح من يدي فوطة التنظيف، أما اليوم فإذا وجدت شيئاً من الغبار على قطعة أثاث فلا أسارع إلى تنظيفها على الفور، وإذا كانت هذه القطعة غير مسرورة بما أفعل فلتنظف نفسها بنفسها أو لتنتظر حتى أفرغ لها، فالهوس الشديد بالنظافة كاد أن يدمرني .
وتشير ناديت إلى أنها ليست مهووسة ولا شديدة الحرص على تنظيف كل شيء، اللهم إلا بالنسبة للتريكو وأقمشة التطريز التي تعمل على إتقان صنعها على أكمل وجه . أما بالنسبة للأمور الأخرى فلا يجد الهوس محلاً في شخصيتها . وتقول: أنا مرتبة ومنظمة في أعمالي لكنني لا أمرر الفوطة فوق كل شيء لأنظفه، بل أفعل ذلك إذا ما دعت الحاجة، لأن كثرة النظافة تنقلب أحياناً إلى مرض ضار وأنا في غنى عن هذا الأمر .
وترى لوريزا أن النظافة شيء ضروري لكنه ليس إلزامياً حتى الهوس المرضي، وتقول: أنا منظمة ومرتبة في بيتي، لكنني لست مهووسة بفوطة التنظيف . وتضيف: كانت والدتي تقولي لي إن الترتيب ثلاثة أرباع النظافة في المنزل وكانت محقة في ذلك، لأنني عندما أذهب لأزور أشخاصاً شديدي الهوس بالنظافة أجد أن منزلهم بلا حياة، بل يصل بنا الأمر أحياناً إلى أننا لا نستطيع الجلوس لأن المكان يشعرنا بالبرودة، وكأن الكرسي يشبه واجهة محل، ولذا أفضل المنزل المملوء بالحياة الذي يشعرنا بأننا نرغب في البحث فيه هنا وهناك، لكن شريطة أن يكون مرتباً، علاوة على ذلك فإن المهووسين يجعلون حياة المحيطين بهم شيئاً لا يطاق .
وتقول أجابونت: أعرف نساء لا يتوقفن عن تعنيف أفراد أسرهن بسبب مشكلة النظافة، وعندما ندخل إلى منزل إحداهن، نشعر بذلك مباشرة، ولذا نجد أنفسنا نجلس على حافة الكنبة أو الأريكة لأننا لا نشعر عندهن بالراحة . وترى أن البيت الحي هو ذلك الذي تجد فيه مجلداً فوق هذا المقعد وكتاباً فوق تلك الطاولة أو قطعة ثياب على ذلك الكرسي لأننا في نهاية المطاف نريد أن نشعر ونحن جالسين بالراحة والاسترخاء وليس بالتوتر . وتقول أجابونت: لا أقيم الدنيا وأقعدها من أجل نقطة ماء أو حفنة غبار لوثت هذا المكان أو ذاك، فالحياة مملوءة بكثير من الأمور التي تحتاج منا إلى أعصاب حديدية، ومن الغباء أن نتلف أعصابنا من أجل الهوس بالنظافة، فعلى المرء أن يعيش على هواه ولكن ضمن إطار الممكن والمعقول .
وتقول كيكان: أحب النظام والترتيب، ولذا أعتبر نفسي دقيقة ولا أكاد أطيق الغبار في أي مكان، حيث أستخدم الشفاط أو المكنسة الكهربية بشكل متواصل . وتضيف: من حسن حظي أن زوجي يتصرف مثلي تماماً، بل هو أكثر مني اهتماماً بالتفاصيل، ولكن ليس بالأمور نفسها التي أهتم بها أو تشغل بالي، لكننا نعيش بشكل متناغم، ولا يجد أحدنا أنه يسبب ازعاجاً للآخر .
من جهتها تقول أغاتا: أعتقد أن محاولة الإنسان جعل حياته حلوة لطيفة مع المحيطين به من أهم الأمور التي يجب الاهتمام بها، فمثلاً أحاول قدر الإمكان ترتيب منزلي لأجعله مكاناً لطيفاً للزوار . ولست شديدة الهوس بالنظافة، بل أقوم بعمل ما يجب عمله لأن التوسط في الأمور هو الحل لكثير من المشكلات، فمثلاً أنظف السرير والأواني مرة واحدة في الأسبوع أما بقية الوقت فأستفيد من الحياة ومتعتها، ولا أكترث كثيراً لما لم أفعله اليوم، ففي الغد ربما تكون الفرصة مواتية للقيام بهذا العمل أو ذاك . هكذا، لست منظمة تماماً بل أتفاعل وفق ما يتاح لي من وقت وما تمليه علي رغباتي .