هناك معياران للتعسف في استعمال الحق:
الأول: المعيار الذاتي أو الشخصي، ويستدعي هذا المعيار النظر في العوامل النفسية والدوافع الداخلية التي حركت إرادة الشخص إلى استعمال حقه للإضرار بالآخرين أو تحقيق مصالح غير مشروعة تناقض قصد الشارع، ولهذا المعيار شقان:
الشق الأول: تمحُّض قصد الإضرار، في هذه الحالة لا يستعمل صاحب الحق حقه إلا لقصد واحد هو الإضرار المحض بغيره من دون أن يكون له نفع أو مصلحة في هذا التصرف، فيكون قد أساء استعمال حقه وتعسف فيه، لأن قصد إلحاق الضرر بالغير ممنوع في الإسلام ابتداء، ومنهي عنه في مواضع منها الوصية في قوله تعالى "مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ"، (النساء: 12) .
ووردت في كتب الفقه أمثلة كثيرة تدل على منع الإضرار، منها:
1- ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا ضرر ولا ضرار، من ضر ضره الله ومن شق شق الله عليه"، (رواه الحاكم وصححه) .
2- قال ابن فرحون في "تبصرة الحكام": "لو ادعى شخص حقاً على رجل من أهل الخير والدين أُدَّب . . ولا تسمع هذه الدعوى بحق المدعى عليه ولا يُحَلَّفُ لئلاَّ يتطرق الأرذال والأشرار إلى أذيّة أهل الفضل والاستهانة بهم" .
3- قال حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله في "إحياء علوم الدين": "كل ما يستضر به المعامل فهو ظلم، وإنما العدل ألاَّ يضر بأخيه المسلم، والضابط الكلي فيه ألاَّ يحب لأخيه إلا ما يحب لنفسه، فكل ما لو عومل به شق عليه وثقل على قلبه فينبغي ألا يعامِلَ غيره به" .
4- قال البهوتي في كتابه "كشاف القناع": "ويحرم على الجار إحداثُهُ في ملكِهِ ما يضر بجاره لخبر "لا ضرر ولا ضرار" ويمنع الجار منه - أي من إحداث ما يضر بجاره إذا أراد فعله - كما يمنع ابتداءً إحداثه ما يضر بجاره . ومن أمثلة ما يضر بالجار بناء حمام يتأذى به، ونصب تنور يتأذى جاره باستدامة دخانه، وعمل دكان قصارة أو حدادة يتأذى بكثرة دَقِّهِ ويتأذى بهز الحيطان من ذلك، ونصب رحى يتأذى بها جاره" .
الشق الثاني من المعيار الذاتي: الباعث غير المشروع، وذلك باستعمال الشخص حقه في غير الغرض الذي شرع من أجله، فيكون بذلك قد تعسف في استعماله، لأن قصده يناقض قصد الشارع في تشريع الحق، مثال ذلك قوله عز وجل "وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً "، (النساء: 34) فغاية ضرب الزوجة التأديب لحملها على الطاعة وإصلاح نشوزها، بشروط وقيود محددة لا يجوز تعديها - فإذا ضربها لغير التأديب كان متعسفاً فيه لانحرافه بهذا الحق عن الهدف الذي شرع من أجله .
المعيار الثاني للتعسف هو المعيار المادي: ويعتمد هذا المعيار الموازنةَ بين ما يجنيه صاحب الحق من نفع، وما ينتج عنه من مفسدة، فإذا كانت المفسدة مساوية للمصلحة أو راجحة عليها مُنِعَ الفعل، يضاف إلى ذلك أن هذا الضابط يحكم التعارض بين الحقوق الفردية بعضَها قِبَلَ بعض، ويحكم التعارض بين الحقوق الفردية مع المصلحة العامة أيضاً، ويحكم كذلك الاختلال البيِّن في توازن المصالح المتعارضة وانعدام التناسب بين مصلحة صاحب الحق والضرر الذي سيوقعه بغيره . فبناء على هذا المعيار يكون الإنسان مسيئاً في استعمال حقه إذا كانت المصلحة المترتبة على استعماله لا تتناسب مع الأضرار التي تصيب غيره .
ويمكننا تطبيق هذين المعيارين على جميع الحقوق التي يمارسها أصحابها لنتبين تعسفهم فيها، ومن الأمثلة على ذلك الطلاق التعسفي: فالطلاق مع أنه مشروع إلا أن إيقاعه من دون مبرر مناقض لقصد الشارع ومخالف لأحكامه، فإذا أوقعه بهذا الوصف فهو متعسف لأنه استعمل حقه بطريقة متجاوزة للأسس والمعايير الشرعية .
فمن حيث المعيار الشخصي قد يكون قصد المُطَلِّق الإضرار بالزوجة، وقد يكون دافعه الانتقام والكراهية، وقد يكون طبعه وفكره غير سويين . وفي كل ذلك يكون متعسفاً في إيقاعه، كما أنه استعمل حقه في غير المصلحة التي شرع من أجلها، وهي حل الخلافات الزوجية المستحكمة التي لا يمكن معها استمرار الحياة الزوجية بينهما .
أما من حيث المعيار المادي فقد يكون لدى الرجل سببٌ لإيقاع الطلاق، لكن هذا السبب لا يعتبر مبرراً كافياً، فإذا طلق زوجته للتخلص من ذلك السبب يكون قد ألحق بها أضراراً ومفاسد كبيرة . فالمصلحة المتحققة له لا تتناسب مع مقدار الضرر الذي ألحقه بالزوجة، وبالموازنة بين المصلحة والمفسدة نجده متعسفاً في استعمال حقه .

د . تيسير التميمي
* قاضي قضاة فلسطين، رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً