إعداد: محمد هاني عطوي
الماء أصل الحياة، ويبدو أنه وجد قبل خلق الشمس والأرض، وفقاً لعلماء أمريكيين وهو ما يوحي بأن ثمة حياة خارج الأرض . ويقول باحثون بريطانيون أن نصف ماء الأرض ربما يكون أقدم من النظام الشمسي، ونشر هؤلاء نتائج أبحاثهم في مجلة '' ساينس '' للعلوم مؤخراً بعد أن استخدموا نظاماً كمبيوترياً متطوراً حيث تبين لهم من خلاله أن من 30 إلى 50%، من المياه التي نستهلكها اليوم أقدم من الشمس بنحو مليون سنة .
يقول البروفيسور تيم هاريس، من قسم الفيزياء وعلم الفلك بجامعة إكستر بالمملكة المتحدة، وأحد المشاركين في هذا العمل: إنها خطوة مهمة في سعينا لمعرفة ما إذا كان ثمة حياة على الكواكب الأخرى فقد كنا نعتقد سابقاً أن تشكل المياه على الأرض حدث وفقاً لظروف فريدة كانت موجودة في النظام الشمسي المبكر ويمكن أن تكون قد اجتمعت أيضاً في مكان آخر '' . ويضيف الباحث: بما أن الماء عنصر أساسي لتطور الحياة على الأرض، فإن هذه الفرضية يمكن أن تشير إلى أن الحياة يمكن أن توجد في أماكن أخرى في مجرتنا . ومن خلال تحديدنا للجزء القديم لمصدر المياه على الأرض، يمكننا أن ندرك أن عملية تشكل النظام الشمسي لم تكن فريدة وبالتالي، من الممكن أن تكون قد تشكلت كواكب خارجية في بيئات توجد فيها المياه بوفرة كبيرة .
ويرى البروفيسور هاريس أن هذا الأمر يزيد من احتمالية امتلاك بعض الكواكب الواقعة خارج نظامنا الشمسي ظروفاً مواتية وموارد مائية تسمح بوجود حياة متطورة عليها، ويشير إلى أن التلسكوب الأمريكي كبلر كشف حتى الآن، نحو ألف كوكب يقع خارج المجموعة الشمسية ولكن داخل مجرتنا .
من جهته يرى الفلكي تيد بيرجن من جامعة ميشيغان أنه نظراً لوفرة المياه في الوقت الذي شهد ولادة الأنظمة الكوكبية، فإن انتشار الحياة في المجرة يمكن أن يكون أمراً وارداً جداً .
وتعتقد إيلز كليفز الفلكية في جامعة ميتشيغان في الولايات المتحدة، والمؤلفة الرئيسية للدراسة أن هذه النتائج تعني أن جزءاً من المياه في النظام الشمسي أتى من البيئة التي ولدت فيها الشمس والتي كانت سابقة لوجودها: وتضيف أنه إذا كان تشكل نظامنا الشمسي هو نموذج لتشكل أي نجم آخر، فذلك يعني أن الماء عنصر مشترك في تشكل الأنظمة الكوكبية كافة .
ويعتقد واضعو هذه الدراسة أن الماء موجود في كل مكان في النظام الشمسي، وأنه إذا وجد على الأرض، فإنه موجود أيضاً في الصخور والغلاف الجوي أو على سطح الكواكب وعلى عدد كبير من أقمارها، فضلاً عن وجوده في المذنبات والكويكبات . وتظهر الصور التي التقطت للعديد من الكواكب أن كميات من الجليد يمكن ملاحظتها في قاع بعض فوهات كوكب عطارد مثلاً وعلى المذنبات والمحيطات تحت الأرضية والطبقات الجليدية التي تغلف أقمار المشتري وزحل، وربما الكوكب القزم بلوتو .

سيناريوهات أصل الماء

وإذا كان الماء بحالته الغازية والسائلة أو الصلبة، موجوداً في كل مكان في نظامنا الشمسي فمن أين وصل إلى الأرض، وعزز ظهور الحياة عليها ؟ وهل كان موجوداً بالفعل في السديم الذي تشكلت منه الشمس وجميع الأجرام الأخرى التي تدور حولها منذ 56 .4 مليار سنة ؟ أم أن جزيء الماء نتج عن تفاعلات كيميائية حدثت في القرص الكوكبي الأولي الذي تراكمت فيه أجرام النظام الشمسي بعد تشكل النجم الأم "الشمس"؟
الواقع أن السيناريو الأول يقول إن كميات كبيرة من حبيبات الجليد كانت موجودة في الوسط بين النجوم، وبالتالي فإن كل الأقراص الكوكبية الأولية كانت تحتوي على كمية وافرة منها الأمر الذي يجعل الماء واحداً من أفضل الكنوز المشتركة في الكون . في المقابل نجد أنه وفقاً للسيناريو الثاني، فإن كمية المياه المتاحة في كل قرص كوكبي أولي تعتمد بشدة على الظروف المحلية الأولية، وبالتالي من الممكن أن تتغير بشكل كبير من نظام إلى آخر .
ومنذ وقت طويل يكتشف علماء الفلك المياه في السدم الشاسعة التي تنهار وتتكثف لتشكيل النجوم ثم الكواكب، ولكن ألم يتعرض هذا الماء القادم من مصدر بين نجمي للتدمير بسبب الإشعاع الشديد الصادرعن النجوم الفتية قبل أن يتشكل في وقت لاحق في أقراص الكواكب الأولية؟ الواقع أنه في المقال الذي نشر في مجلة ساينس العلمية، تحاول إيلز كليفز وزملاؤها الإجابة عن هذا السؤال الجوهري مشيرة إلى أنها اهتمت وفريقها العلمي بمصير عنصر الديوتريوم (الهيدروجين الثقيل) وهو النظير الطبيعي للهيدروجين الذي تحتوي نواته على بروتون واحد ونيوترون واحد والذي تشكل في الكون لحظة حدوث تفاعلات الانصهار النجمي أو التخليق النووي النجمي الأولي بعد وقت قصير من وقوع ما يسمى بالانفجار (الأفضل أن يقال الانفتاق ) العظيم في الكون .
يقول الباحثون إنه يوجد في الكون في المتوسط 26 ذرة ديوتيريوم لكل مليون ذرة هيدروجين، ولكن تركيز الديوتيريوم يزيد تقريباً بستة أضعاف في الماء الموجود على الأرض والأجرام الأخرى التي تمت دراستها في النظام الشمسي . ووفقاً للعلماء، فإن هذا يعني أنه عندما تشكلت جزيئات الماء، فإن التفاعل ولد ماء غنياً بالديوتيريوم بشكل أسرع قليلاً من الماء العادي، الأمر الذي أدى إلى زيادة نسبة الديوتيريوم . وهنا ينبغي أن نعلم أن وفرة الديوتيريوم لا يمكن أن تتكون إلا في ظروف فائقة أي يجب أن تكون درجة الحرارة منخفضة جداً (على الأكثر بضع عشرات من الدرجات فوق الصفر المطلق) كما أنه من الضروري أن يتوفر الأكسجين ومصدر مكثف من الطاقة المؤينة . هذه الشروط هي التي نجدها عادة في وسط ما بين النجوم الذي يتنقل فيه الإشعاع الكوني المتكون من تدفق من جسيمات تتحرك بسرعات قريبة من سرعة الضوء، الذي يمكن أن يوفر تلك الطاقة المؤينة اللازمة لتلك العملية . الجدير بالذكر أن علماء الفلك رصدوا على وجه التحديد، سحباً جزيئية بين نجمية تحتوي على مياه غنية بالديوتيريوم وهو ما يفسر لنا أصل تركيز الديوتيريوم في الماء الموجود في النظام الشمسي .
وأهم نقطة في هذه المسألة هي أن نفهم ما إذا كان الماء القادم من مصدر بين نجمين قادر على أن يصمد في ظروف عنيفة للغاية في سديم يتكثف لتشكيل نجم ما . للإجابة عن هذا السؤال، عكست الباحثة الفلكية إيلز كليفز وزملاؤها المشكلة فقد افترضت أن كل الماء في السديم البدائي قد تلاشى ثم حاولت معرفة إن كان ثمة تفاعلات قد حدثت وأدت إلى تشكل المياه مع وفرة في الديوتيريوم بعد تشكل الشمس في القرص الكوكبي الأولي . تقول كليفز: "من الناحية النظرية، يمكن لمثل هذا القرص أن يوفر ظروفاً مواتية، وذلك بتوفر مناطق تكون فيها درجة الحرارة منخفضة جداً مع وجود الأكسجين . وطورت الباحثة كليفز وفريقها العلمي النموذج الأكثر دقة واحتمالية للعمليات الكيميائية التي يمكن أن تكون قد أدت إلى تشكل الماء في القرص الكوكبي الأولي ولاحظت أن الجزء الأكبر من الإشعاع الكوني تم صده بواسطة الحقل المغناطيسي القوي للشمس ورياح جسيماته الشديدة . وافترض الفريق أن الأشعة السينية القادمة من نجمنا ومن النويدات المشعة الطبيعية Radionuclide في القرص الأولي يمكن أن تكون قد حلت مكانه . وحتى لو افترضنا في النهاية، أن الباحثين صمموا نموذجاً صالحاً على مدار مليون سنة، وهو ما يتطابق إلى حد كبير مع الفترة المفترضة لتشكيل الكواكب، فإن المصادر المحلية للإشعاع تبدو غير كافية لتشكيل كمية المياه الغنية بالديوتيريوم التي نشاهدها اليوم، فضلاً عن أنه كلما كانت هناك أنظمة كوكبية غنية بالمياه، ازدادت فرص العثور على بيئة تسمح بوجودها على شكل سائل على سطح كوكب أو قمر ما . لا شك أنه خبر جيد لمتخصصي علم الحياة خارج كوكب الأرض exobiologistes وبعض الباحثين عن حياة ذكية أخرى . وما دام هذا ينطبق على المياه فيمكن أن يكون صالحاً أيضاً للجزيئات العضوية التي يمكن أن نجدها في السدم وفي بيئات كواكب لا تعد ولا تحصى في هذا الكون .