يحتاج النزيف الذي يحدث بسبب الجروح إلى مدة تتراوح من دقيقتين إلى 6 دقائق حتى يتجلط الدم ويتوقف، إلا أن هناك بعض الحالات التي ربما زادت مدة النزيف فيها نتيجة خلل في عملية تجلط الدم، وهي الحالة التي تعرف بمرض الناعور، أو المرض الملكي كما كان يعرف في الماضي.

يعد هذا المرض أحد الأمراض الوراثية، والتي يعاني المصاب فيه، افتقاد أنواع من البروتينات، والتي تعرف بعوامل التخثر، وتوقف النزيف في موقع الإصابة بالتعاون مع الصفيحات الدموية.

ويسبب عدم توفر هذه البروتينات فشل تجلط الدم بشكل سليم، وبالتالي يستمر المريض في النزف مدة أطول، إضافة إلى زيادة خطر تعرضه للنزيف الداخلي.

ونتناول في هذا الموضوع مرض الناعور بكل تفاصيله، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، وأعراضها التي تميزها، وطرق الوقاية والعلاج المتبعة والحديثة.

خلل عوامل التجلط

تتجمع خلايا الدم بصورة طبيعية عند حدوث نزيف، وذلك بهدف تكوين جلطة لإيقاف نزول الدم، وذلك من خلال جزئيات معينة في الدم تشجع عملية التجلط، وعندما يكون هناك عيب في أحد عوامل التجلط، فإن هذا العيب يتسبب بالإصابة بداء الناعور. وتعد معظم أنواع الناعور متوارثة، غير أن هناك حوالي 30% تكون الإصابة بسبب حدوث تغير غير متوقع في أحد الجينات التي تتعلق بالمرض.

وتعد الإصابة المكتسبة من التغيرات قليلة الحدوث، ويكون سببها مهاجمة جهاز مناعة المصاب لعوامل تجلط الدم، وربما تقترن هذه الحالة بالحمل، وأمراض المناعة الذاتية والسرطان والتصلب المتعدد.

جين معيب

يؤدي وجود جين معيب في كروموسوم إكس إلى الإصابة بالناعور، ويمتلك الشخص كروموسومين جنسيين أحدهما من الأب والآخر من الأم، فترث الأنثى كروموسومي إكس من الأم والأب، في حين أن الذكر يرث كروموسوم إكس من الأم، وكروموسوم واي من الأب.

ويعني هذا أن الإصابة بالناعور تحدث بشكل دائم تقريباً للذكور، لأنه ينتقل من الأم إلى الابن من خلال جينات الأم، ومعظم النساء اللاتي لديهن جين معيب يكن حاملات للصفة الوراثية، إلا أنهن لا يعانين أعراض الناعور.

ويمكن أن تصاب بعض حاملات الصفة الوراثية لأعراض النزيف، وذلك في الحالات التي تكون عوامل التخثر منخفضة بشكل متوسط.

4 أقسام

يقسم الأطباء مرض الناعور إلى 4 أقسام، وذلك وفقاً لعامل التجلط الناقص، ويتسبب نقص العامل الثامن في الإصابة بالناعور «أ»، ويعد أكثر الأنواع انتشاراً، تتراوح نسبة الإصابة به ما بين 80% إلى 90% من عدد المصابين.

ويعرف هذا النوع بالناعور الكلاسيكي، ويصيب الذكور فقط، ويعد أبرز أعراضه النزف المتكرر دون سبب أو مرض واضح، كما أن حوالي 70% من المصابين بهذا النوع إصابتهم خطرة.

ويتسبب نقص العامل التاسع في الإصابة بالنوع الثاني، وهو الناعور «ب»، وتبلغ نسبة الإصابة به 15% من المصابين، ومن أبرز أعراضه نزيف مستمر بمجرد التعرض لإصابة بسيطة.

الناعور المكتسب

يؤدي نقص العامل «11» في الإصابة بالناعور «ج»، ولا ترتبط وراثة هذا النوع بالجنس، ولذلك فإنه يصيب الذكور والإناث على السواء، غير أنه نادر للغاية.

وتظهر الإصابة بالناعور المكتسب في العادة في مرحلة البلوغ، ولا ترجع إلى طفرات جينية موروثة، ولا يعرف سببها، وتتميز هذه الحالة بنزيف غير طبيعي في الجلد والعضلات أو الأنسجة الأخرى.

ويوجد لدى المصابين بكل نوع من هذه الأنواع مستوى معين من عامل التخثر، فلو كان أقل من 1% فإن الحالة تكون شديدة، وتوصف بالمتوسطة، لو تراوح العامل بين 1% إلى 5%، في حين أن عامل التخثر لو تراوح بين 5% إلى 40%، فإن الحالة تصنف بالمعتدلة أو الخفيفة.

مستوى التجلط

تختلف أعراض داء الناعور بحسب مستوى عوامل التجلط لدى المصاب، فلو كان مستوى التجلط منخفضاً بعض الشيء فربما اقتصر النزيف عقب إجراء عملية أو الإصابة بجرح، ويمكن أن يكون النزيف تلقائياً في الحالات التي تعاني نقصاً شديداً في عوامل التجلط.

وتشمل أعراض النزيف التلقائي نزول دم زائد ليس مبرراً عقب الإصابات أو الجروح، وكذلك بعد الإجراءات الجراحية، أو تلك التي تتعلق بالأسنان.

ويعاني المصاب رضوضاً كثيرة كبيرة أو عميقة، ويصاب بنزيف الأنف من غير سبب معروف، ومن الممكن أن يكون هناك دم في البول أو الفضلات.

ويشكو من ألم في المفاصل، كما أنها تتورم أو تتيبس، وذلك لأن الجوف المفصلي يحدث به ضيق بمرور الوقت، نتيجة للنزف المتكرر وما ينجم عنه من تليف، وبخاصة في الكاحلين والركبتين والمرفقين.

صداع مستمر

يصاب الأطفال بنزيف غير معتاد عقب التطعيم وبعد الختان، وفي الأغلب يكون هذا سبباً لتشخيص الإصابة بالمرض مبكراً، كما يعانون تهيجاً وضيقاً بغير سبب واضح.

ويمكن أن يؤدي تعرض الرأس لصدمة بسيطة في نزيف الدماغ لدى المصابين بالناعور الحاد، وهو أمر قليل الحدوث، غير أنه يعد من أخطر المضاعفات التي من الممكن أن تحدث.

وتشمل أعراض هذه الحالة شكوى المصاب من صداع مستمر ومؤلم، مع قيء متكرر، ويعاني النعاس أو الخمول، ويشكو من الرؤية المزدوجة، مع شعور بضعف مفاجئ أوعدم اتزان، إضافة إلى إصابته بتشنجات أو نوبات.

نزيف داخلي

تشمل قائمة المضاعفات كذلك حدوث نزيف داخلي في العضلات العميقة، والذي من الممكن أن يسبب تورم الأطراف، وربما ضغط الورم على الأعصاب مسبباً خدراً أو شعوراً بالألم.

ويمكن أن يضغط النزيف الداخلي كذلك على المفاصل، ويتسبب بالإحساس بالألم الشديد، وفي حالة إهمال العلاج فمن الممكن أن يؤدي إلى الإصابة بالالتهابات أو تدمير المفصل.

ويزيد خطر الإصابة بالعدوى بالنسبة لمن يعانون الناعور، وذلك بسبب كثرة عمليات نقل الدم، وزيادة خطر تلقي منتجات الدم الملوثة.

ويشكل الجهاز المناعي لدى بعض المصابين بالناعور الشديد رد فعل مناوئ لعوامل التجلط التي تستخدم لعلاج النزيف، وهو ما يجعل جهاز المناعة يطور بروتينات، والتي تعرف بالمثبطات، توقف تنشيط عوامل التجلط، وبالتالي فإن كفاءة العلاج تكون أقل.

جهل البعض

يمكن تحديد هل الجنين مصاب بالناعور أثناء الحمل أم لا؟ وذلك بالنسبة لهؤلاء الذين لديهم تاريخ عائلي للإصابة بهذا المرض، غير أن هذه الاختبارات من الممكن أن تشكل بعض المخاطر على الجنين.

ويكشف اختبار الدم وجود أي خلل في عامل التجلط، سواء لدى الأطفال أو البالغين، ومن الممكن أن تظهر أعراض المرض الأولية في أي مرحلة عمرية، وذلك بحسب شدة الخلل.

ويتم تشخيص الحالات الشديدة المصابة بالناعور في العام الأول من عمر الطفل، وربما لا تظهر الأشكال البسيطة حتى مرحلة معينة، ويجهل البعض إصابتهم بالناعور، ولا يعرفون ذلك إلا عقب التعرض لنزيف شديد خلال إجراء عملية جراحية.

حقن التخثر

يلاحظ أنه عندما يصاب مريض الناعور بأحد الجروح، فلا تتم خياطته، وإنما تربط بأربطة ضاغطة، مع وضع كمادات باردة عليها لإيقاف النزيف. وينصح في الحالات التي تعاني نزيفاً في المفاصل بالتزام الراحة في الفراش، مع عدم تحريك المفصل، ووضع كمادات ثلج عليه، وتناول بعض مسكنات الألم.

ويمكن السيطرة على أعراض المرض باستخدام حقن عامل التخثر الناقص، وذلك لأنه لا يوجد علاج لهذا المرض.

ويتم إعطاء العامل المناسب بطريق الوريد كل 12 ساعة، وذلك خلال 2 أو 3 أيام، وهو ما يساعد الدم على التخثر.

علاج وقائي

تتوفر العديد من مشتقات البلازما، والتي تستخدم في هذه الحالات، غير أنه ربما تتسبب بانتقال بعض الأمراض كالتهابات الكبد الفيروسية. ويمكن أن يلجأ إلى علاج وقائي من خلال حقن الطفل كل 48 ساعة بعوامل التخثر، وعلى الرغم من التكلفة العالية له إلا أنه مفيد في المحافظة على المفاصل والعضلات في الحالة الطبيعية، وبالتالي لا يصاب الطفل بأي إعاقة.

ويجب الانتباه مع الاهتمام بالعلاج الدوائي بضرورة الاهتمام كذلك بالطفل من الناحية العاطفية والاجتماعية، حتى يمكنه أن يحيا بشكل طبيعي بقدر الإمكان.

نصائح مهمة

يوجه الأطباء نصائح عدة لمريض الناعور، والتي تهدف إلى حمايته من النزيف الشديد، وكذلك حماية مفاصله.

وتشمل هذه النصائح.. ممارسة الرياضة بصورة منتظمة، كالمشي والسباحة وركوب الدراجات؛ وذلك بهدف بناء العضلات وحماية المفاصل، مع ملاحظة أن الرياضات العنيفة ليست محبذة، ككرة القدم والهوكي.

ويجب على المصاب أن يتجنب الأدوية التي من الممكن أن تزيد الحالة سوءاً، كالأسبرين والإيبوبروفين، ويفضل استخدام الأسيتامينوفين كبديل آمن؛ لتسكين الآلام البسيطة.

وينبغي الاهتمام بنظافة الأسنان بشكل جيد؛ وذلك بهدف منع خلع الأسنان، الذي من الممكن أن يتسبب في زيادة النزيف.

ويمكن أن تساعد واقيات الركبتين والمرفقين وأحزمة الأمان في منع الإصابات التي تحدث بسبب السقوط، وبالتالي حماية الطفل المصاب من أن يتعرض لأي جروح ربما تسبب له نزيفاً.

ويعرف هذا المرض بعدة أسماء كنزف الدم الوراثي والنزاف والمرض الملكي، وتعود التسمية الأخيرة إلى الملكة فيكتوريا التي نقلت المرض لابنها، ومن خلال بناتها انتقل إلى الأسر الحاكمة في أوروبا.