يوسف أبولوز
وضع الناقد وأستاذ الأدب الإنجليزي "تيري إيغلتون" أكثر من أربعين كتاباً في النقد الأدبي، وهو يعتبر النقد مهنة (لا امتهاناً . .)، ويقول في مقدمة كتابه "كيف نقرأ الأدب" الذي نقله إلى العربية د . محمد درويش . . "أعتقد أنني معروف أكثر من أي شيء آخر بأنني منظّر أدبي وناقد سياسي، وقد يتساءل بعض القراء عما آلت إليه هذه الاهتمامات في هذا الكتاب، والجواب هو أن المرء ليس في وسعه طرح أسئلة سياسية أو نظرية عن نصوص أدبية من دون قدر من الحساسية تجاه لغتها" .
هذا الكلام يعيدنا أكثر من مرة إلى اللغة بوصفها منصة أولى لأي قراءة نقدية أو أي نقد أدبي في معزل عن أي ظلال سياسية في العمل الأدبي، وهذا ما فعله هذا الناقد الذي كما يقول المترجم: " . . رسخ في معظم كتاباته مفاهيم النظرية الأدبية والنقد الثقافي، وتمكن هو والناقد الكبير ادوارد سعيد، كل بدوره الأكاديمي المتميز ومنهجه الواضح الرصين من عرض هذه المفاهيم التي فتحت آفاقاً واسعة في مجال تحليل النصوص الأدبية" .
هذه هي المنصة الحقيقية للنقد الأدبي، أن يكون، إذاً، بحسب "ايغلتون" مهنة، ولكن مهنة قائمة على مفاهيم ومنهجية واضحة .
الآن ومن درس "ايغلتون" ارسل نظرك إلى "السجادة" الطويلة العريضة التي يمشي عليها اليوم الكثير من نقاد الأدب العربي، وابحث عن تلك المهنة أو المهنية، ولعلّ "ايغلتون" يقصد المهنية لا المهنة، وما يدفعك إلى هذا الاعتقاد . . مهنية الرجل الذي قام كتابه "كيف نقرأ الأدب" على عمود فقري يتألف من: الشخصية، والسرد، والتفسير، والقيمة .
على الضفة الأخرى البعيدة عن هذه المنهجية تجد نفسك غائصاً في لجج من امتهان النقد الأدبي على يد بعض النقاد العرب، وتحويله إلى مهنة للتكسب والارتزاق، وربما الابتزاز . . ابتزاز الشاعر أو الروائي المسرحي بأشكال مختلفة .
يلزمنا أيضاً المنهج والنظرية والمصطلح النقدي، وهذه في أغلبها "بضاعة غربية"، وفي حين تخرج هذه المكونات النقدية من أروقة الجامعات العريقة في الغرب كما تخرج من "مطابخ" عقول أكاديمية عريقة تعمل في هذه الجامعات، نجد، وللأسف الشديد، أن أغلبية الجامعات العربية خصوصاً في المشرق العربي لا يخرج منها إلا طلبة يتوجهون مباشرة إلى الوظيفة، ولا شأن لهم بالبحث والتحليل وصناعة النظريات والمصطلحات .
من الغريب أيضاً ان يتلقف بعض النقاد، وأصرّ على تكرار كلمة "بعض" لأن هناك نقاداً مبدعين أو ابداعيين حقاً ومهنيين حقاً يجب ألا نسرق حقهم الأدبي والمعنوي . . نقول من الغريب تلقف المصطلح النقدي الغربي وتطبيقه على النص الأدبي العربي، وقد يمكن اعتبار المصطلح أو النظرية نتاجاً ثقافياً كونياً عاماً . كما أن النص الأدبي هو نتاج كوني عام، ولكن لكل نص أدبي بيئته اللغوية والاجتماعية والثقافية، والعالم ليس بيئة واحدة، بل العالم مجموع بيئات .
على أي حال لدى "ايغلتون"، ولدى "ادوارد سعيد" وغيرهما كثر من النقاد . . لديهم من الدروس ما يكفي أن نتعلم، ونتعلم الكثير .