الشارقة - محمد أبو عرب:
كيف يختار الفنانون مدارس تجاربهم؟ وكيف يحددون هويتهم الإبداعية بحيث يصبح العمل الفني يشير إلى مبدعه؟ وهل هذه الهوية ضرورة للمبدع أم يمكن أن تمضي عجلة الإبداع من دونها؟ وهل كان يمكن لأسماء إبداعية في التشكيل أو الشعر أو القصة أو الرواية أن تحقق حضوراً عالمياً لولا هذه الهوية؟
أسئلة قد تشغل بال المتلقي الذي يفتن بالعمل الفني، بقدر ما هي أسئلة تظل تلح على المبدع خصوصاً في بداية مشواره الإبداعي، إذ إن الهوية الإبداعية حلقة حساسة ومجهدة، فهي التي تحدد حجم الفنان في المشهد الإبداعي، وتحدد العتبة التي سيصعد منها إلى مرحلة لاحقة في تجربته .
لذلك لا يعد الأمر غريباً أن يعيش المبدع بصورة عامة معاناة طويلة مع نفسه ومع منتجه الإبداعي حتى يستهدي إلى خطوط عريضة يمكن أن يبني عليها مشروعه، فالأمر لديه يشبه الغوص في ذاته، والبحث عن البقعة التي لا تتوفر في مبدعين آخرين، وهذا يتبدى بصورة واضحة في تجارب العديد من التشكيليين .
قد يدهش المتابع للسيرة الأولى لأي فنان كبير حين يدرك حجم اللوحات التي مزقها والتي تخلص منها، على الرغم من أنها ذات مستوى عالٍ، لكن لا يجد فيها الفنان هويته، ولا يجد بصمته التي ستجعل منه حالة مميزة يمكن قراءة ملامحها بصورة خاصة، كما هي الحال اليوم ونحن ننظر إلى أعمال فان جوخ، وبيكاسو، واندي وارهول ، وسلفادور دالي، وغيرهم من الفنانين أصحاب الهوية واضحة المعالم .
لتكوين الهوية الفنية محاور عديدة تحدد الصيغة النهائية لها، أبرزها المرجعية الفكرية التي يستند إليها الفنان في اختيار أعماله، والثانية المخزون البصري والمعرفي واللغوي بما يشتمل عليه من محمولات في الذاكرة البعيدة والقريبة، وأخيراً إدراك ما تستلزمه المرحلة من طاقة قادرة على إحداث أثر ملموس .
لهذا كله يفرز المشهد التشكيلي مستويات من الفنانين، للدرجة التي يمكن وصف تجربة أحدهم بأنها سطحية وضحلة، وأخرى عميقة وقوية، فالأمر لا يرتبط بحرفة الرسم والدراية باللون وتلمس حساسياته، ولا حتى بالمعرفة بالمدارس الفنية أو تعدد تقنيات العمل في اللوحة . في ظل هذا تقع الكثير من التجارب الفنية الناشئة وربما المكرسة في خطأ جوهري يحدد مسيرتها الإبداعية ويجعل التنبؤ بمستقبلها سهلاً على الخبير والعارف، فمنهم ما يولي التقنية والحرفة عناية عالية وينسى الأساس الفكري الذي عليه أن يبني عليه هذه التقنية للحد الذي يمكنه من الحذف والإضافة بصورة واعية حاذقة ليست عبثية .
يتجلى هذا في غياب القراءات العميقة التي تمكن الفنان من تشكيل رؤيته تجاه شواغله وهواجسه، إذ لا ينطلق من بحث فكري لتحديد هوية الموت، والحياة، والجمال، والحرب، والسلام، والحب، وغيرها من الشواغل التي يهجس بها الكثير من الفنانين، وهذا بالضرورة يعود إلى غياب القراءات العميقة والتأملات الطويلة، فلا يمكن لأي متابع للحركة التشكيلية إلا تلمس هذه الظاهرة .
ربما يتمسك الفنانون بجملة عريضة لا يتوقف مدرسو الفن والفنانون ذوو التجارب الطويلة عن ترديدها على الأجيال الشابة، وهي "عليك أن تشكل مخزوناً بصرياً، وتتعلم تفكيك وتحليل التكوينات وألوانها"، حينها تنهمك التجارب الشابة في تعزيز هذا المخزون بالرجوع إلى مئات وآلاف اللوحات وحتى بالتوقف عند البيئة المحيطة ومحاولة الكشف عن خباياها .
هذه الحال تجعل التجارب الشابة تغفل عن ركيزة أخرى توازي بالأهمية هذا الجانب وربما تفوقه، فالفنان بحاجة إلى قراءات في الفلسفة والفكر والديانات والميثولوجيا وعلم الجمال وغيرها من المعارف اللازمة لتشكل روحاً عالية للعمل الفني وتكسبه مكانة وقيمة أعلى من انسجام الألوان وتوافق النسب في التكوينات .
لذلك يجد العائد إلى تاريخ ظهور المدارس التشكيلية الحديثة خلال القرن الماضي، أن كلها جاءت نتيجة تحولات فكرية أصابت المجتمعات وانعكست على المشهد التشكيلي بمدارس راحت تأخذ مسميات تتواءم مع التطور، أو التغير الفكري الذي تشهده المرحلة، مثل الدادائية، والسوريالية، والمفاهيمية، والعبثية وغيرها من المدارس .
وهنا تظهر الأزمة التي يعيشها الفن التشكيلي العربي بصورة عامة والإماراتي بشكل خاص، فالحركة الفكرية العربية لم تستطع أن تشكل رؤية ومنهجية واضحة تحدث تغيراً في الواقع العربي، وبالتالي يمكن القول إنه ربما لم يحدث أي انعكاس للفكر العربي الحديث والمعاصر على الحالة التشكيلية العربية، بل ظل التشكيليون يحاكون الحالة الغربية وما أنتجه الفكر الأوروبي وما تضمنه من مدارس فنية .
تتعمق الإشكالية أكثر حين لا تكون التجارب الفنية الصاعدة على وعي بكل هذه التفاصيل، ليصبحوا هائمين على وجوههم في فضاء يمتلئ بالتجارب غير الناجزة والصاعدة والهابطة، والتي تدور في فلك واحد دون الخروج إلى مساحة واعية وحقيقية .
هذه الحالة تظهر أكثر عند التوقف تحديداً عند الحالة التشكيلية الإماراتية، حيث يجد المتخصص والناقد أن أسماء معدودة من التشكيليين من وجدوا هويتهم الفنية، ويمارسون مشروعهم عن وعي حقيقي، في حين ما زالت الأغلبية تدور في فلك ضيق يسطح أعمالهم ويجعلها ذات بعد واحد من حيث المعنى والرؤية .