لم أصادف في كلّ جولاتي بين الثقافات والسلالات موقفاً من الكلمة يماثل موقف الكاتب أو الشاعر أو الناقد العربي، أعني لم أصادف هذا القدر الكبير من نزعة هجاء الكلمة والحط من قدرها، أو الجهل بمعناها، الذي يصادفنا في فضاء الثقافة العربية، ويستطيع أي متصفح ما كُتب في ضوء الحروب والانتفاضات ومعارك المقاومين العرب في القرن الغارب ومطلع القرن الحالي، جمع نصوصٍ بالآلاف من هذا القبيل، نصوص تمجد مقاومة المقاوم وتضحية المقاتل، ولكنها تتسلق إلى التمجيد على ركام من هجاء وشتمِ الكلام والكتابة .

في الثقافات السوية، ثقافات الأصحاء، جهد فكري، فلسفي وأدبي وعلمي، في بحث سر تنقل الفكر المدهش بين نص مكتوب وتجربة عيشة، وصراع للكشف عن التفاعل الثري بين الاثنين، والكيفية التي يتمثل فيها النص التجربة المعيشة، سواء كانت أحداثَ حياتنا اليومية أو أحداثاً كبرى من وزن معارك التحرر بوجوهها المتعددة، وفي الثقافات السوية، ولدى كتّابها، لا أحد يناقش قيمة الكلام، فمن البديهي أنه فعل أيضاً كما هي أفعال الانتفاضة والمقاومة، ولكن المناقشة تدور حول مفاعيله في المجتمعات، سلباً وإيجاباً . أما لدينا، وفي فضاء الثقافة العربية، فأول المصادرات العجيبة التي يستهل بها الكتّاب حديثهم عن شعر الانتفاضة مثلاً، قول بعضهم بثقة: إذا كانت الكلمة كعهدها دائماً لا تساوي الفعل ولا ترتقي إلى مستواه . .، أو قول بعضهم متسائلاً أمام نص: هل ارتفع إلى مستوى الحدث التاريخي أم لا؟، ويزداد النهار الثقافي حلكة حين يخرج شاعر علينا يود تمجيد أفعال المقاومة، فيعتبر كل كلام قالته العرب أو سيقولونه سقط متاع أمام حجر مقاوم!

لماذا هذا التعلق بين وقتين، وقت للكلام ووقت للفعل؟ وكأن على الإنسان أن يختار بين أن ينطق وبين أن يقوم بفعل ما، ولايستطيع أن يقول ويفعل في وقت واحد معاً؟ وهل الكلام إلا فعل دالّ على مدلولٍ هو حركة الإنسان، يداً وفكراً، في هذا الكون؟ .

***

نظرةُ الثقافة العربية الراهنة، أو نظرة غالبية كتّابها، إلى الكلمة تشوبها التباسات كاريكاتورية وخطرة ومدمرة . هي كاريكاتورية بمعنى أنها مضحكة تعبّر عن نظرة غير جادة وغير مسؤولة . وخطرة، لأن أصحابها يجهلون أن هناك جبهةَ صراع فكري قائمة تدور عليها معارك موضوعها الأساس الكلام واللغة، أي وعي العالم في ذهن الإنسان العربي . ومدمرة، لأنها تخرّب العلاقة الطبيعية بين الفكر والفعل، بعزل فعالية الأفكار والاستهانة بها بحجة أنها لا ترتقي إلى مستوى الفعل، وتجريد الفعل من مرتكزه الجوهري، أي بوصفه وعياً، في وقت يتعرض فيه الإنسان العربي إلى حرب أفكار لا هوادة فيها تستهدف تغيير تصوراته عن نفسه وعن العالم من حوله، أو تضليل وعيه وتشويه منظوره . وهذا مثال واحد من آلاف الأمثلة على أساليب الصراع الفكري موضوعه بالتحديد مصطلح الانتفاضة:

في أحد المواقع الإلكترونية يسأل إنسان بسيط سؤالاً: ما معنى كلمة انتفاضة؟ في البحرين نسمع كلمة انتفاضة التسعينات، في فلسطين نسمع عن انتفاضة قبل 7 سنوات . . كل مانسمع كلمة انتفاضة، نرى اشتباكات . . أرجو أن تنوروني . . ويجيء الجواب من مشرف الموقع الذي يلصق بنفسه لقب ليبرالي هكذا: انتفاضة مشتقة من فاض . . وفاض الشيء زاد عن حده! فيقدم قارئ آخر معلومات: شاهدت برنامجاً وثائقياً يذكر بأن المصطلح أدرج في القاموس السياسي بسبب انتفاضة الفلسطينيين ضد الإسرائيليين عام ،1987 وأنتم تذكرون صور الجنود الإسرائيليين وهم يكسرون يد طفل فلسطيني . وهنا يعود مشرف الموقع فيرد: قال طاعن في السن ساخراً أثناء الانتفاضة الأولى عام 1987 إن الانتفاضة من شقين: أنت . . فاضي . وهي تحصد الرقاب وتسفك الدماء، وعندما تدكّ العظام تتفكك الانتفاضة ويتفكك المنتفضون .

بالطبع لم يعد مصطلح الانتفاضة وحده هو ما يتعرض للهجوم والحط من قيمته كفعل مقاوم عبر تسخيف الكلمة بهذا الأسلوب الفج، ثم الانتقال لتسخيف الفعل، فهناك مصطلحات عديدة في ثقافتنا العربية تتعرض لهذا الهجوم الآن؛ المقاومة، التحرر، الوطن العربي، الكرامة الوطنية، الحق في الأرض . . إلخ . ولكن من الملحوظ أن مصطلح الانتفاضة بالذات يتم تركيز الهجوم عليه، إلى درجة إكراه مدرسة عربية في نيويورك على الاستقالة لأنها تجرأت وقدمت تفسيراً لهذا المصطلح باللغة العربية، وإلى درجة تنطع سلطة سماسرة الأراضي في رام الله لتيئيس الفلسطيني من أي شكل من أشكال مقاومة المحتلين، وتسميم فضاء الثقافة الفلسطينية والعربية بعامة بأطروحات الاستسلام التي نشاهد مفاعيلها على أرض الواقع، مزيداً من هدم البيوت ومصادرة الأراضي وإبادة السكان الفلسطينيين .

***

أدبنا يفصل بين الكلام والفعل، ويجرّد الأفكار من قيمتها، بحجة ملفقة هي أن الأول لا يساوي الثاني، جهلاً بحقيقة أساسية هي أن وعي الفعل في الكلام يُقاس بمعيار آخر، ليس منه الموازنة مع الفعل ولا المقارنة به، بل بقدرته على تمثل الفعل، أي المعيش، على التفاعل معه، إلى التحول إلى فعل تنوير واستنهاض . وقد انصرف النقادُ دائماً، أو جامعو النصوص وناشروا الكتب في رصدهم للشعر الذي تدفق خلال انتفاضة العام ،1987 والعام 2001 إلى إشغال أنفسهم بالبحث عمّا سموها القيم الفكرية من جانب والقيم الفنية أو الجمالية من جانب آخر، ولم يلتفتوا إلى الجوهري، أي كيفية تمثل هذه النصوص الثقافية لوقائع الانتفاضة، وهل أضافت هذه الأعمال قيمة جديدة لفعل الانتفاضة البطولي يجعلنا نثمنه بما يتجاوز كونه حدثا يذكر في الموسوعات وكتب التاريخ .

في كل ما قرأت تقريباً لم يتساءل أحد إن كان هذا الأدب الذي رافق أحداث الانتفاضة عرّفنا بالفلسطيني الإنسان أم لا؟ إن كلمة انتفاضة حين تُرجمت إلى اللغات الغربية، لم يجد المترجمون بداً من الحفاظ على لفظها العربي لتجسيدها كمصطلح خاص لم تعرفه تلك اللغات، ولم يكن الحفاظ على النطق العربي بالحروف اللاتينية عبثاً، بل كان فعلا ثقافياً لتعريف الغربي بهذا الفلسطيني، بملامحه، بهويته الإنسانية المطموسة في الثقافة الغربية منذ أكثر من قرن . ما فعله الكتاّب العرب، مع استثناءات قليلة جداً، هو أنهم اهتموا بتمثيل الفلسطيني بطريقة عجيبة، لقد جعلوه يتقمص شخصياتهم الأدبية . ويمكن أن نقرّب هذه المفارقة إلى الذهن، إذا تصورنا ممثلا يقوم بأداء أدوار شخصيات معينة، فيجبرها على أن تتقمص شخصيته هو، بدل أن يحدث العكس . وهكذا يتحوّل طفل الانتفاضة إلى حاقد على أمته العربية، وإلى مبغض للكلام وإلى داعية لهدم العروش، وإلى كنعان يشوي قلب البحر، أو جلاد يطالبه شاعر أن يأتي ويشنقه . . وما إلى ذلك من هراء، بل ويتحول هذا الطفل إلى وحيد، لاسابق له ولا لاحق، في أمة تعد بالملايين أصبحت صفراً في أذهان هؤلاء الممثلين .

هذه إعاقات ثقافية، وليست مجرد مبالغات، أساسياتها أو أنساقها كامنة في منظور ثقافة هؤلاء إلى علاقة الكلام بالمعيش، ونظرة صاحب النص إلى العالم، ونظرته إلى نفسه وإلى مجتمعه . إنه منظور ضيق الزاوية، منظور يغيب عنه حتى وجود العالم الموضوعي، بالإضافة إلى مفاهيمه المغلوطة عن معنى النص الأدبي ورسالته، بل ومعنى الفعل المقاوم في مجتمعات تعيش مرحلة تحررها، لا مرحلة مملوءة خواء شاعر .

***

هل الانتفاضة وأدب الانتفاضة ظاهرة جديدة كما كتب بعضهم متوهماً؟ إن أي متابعة لتاريخنا في القرن العشرين تكشف عن سلسلة من الانتفاضات لايخلو منها بلد من بلدان الوطن العربي، إما ضد محتلين أو ضد مستبدين محليين، وكذلك هو الأدب الذي يعيش هذا الهاجس من منظور أبعد من الحدث الآني وتداعياته . الانتفاضة حاضرة في الفضاء الثقافي، وعلى أعمق مستوى كما هي حاضرة في الواقع المعيش . قد يدهش بعض الكتبة إذا قلنا أن قصيدة مثل قصيدة أدونيس مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف (1970)، هي وبعض قصائده الأخرى مثل هذا هو اسمي، كانت عملاً استشرافياً فريداً من نوعه، للانتفاضات الفلسطينية والعربية، تنزل في الأعماق والماضي، سالكة درباً محكوماً عليه ألا يرتد إلى الوراء، منطلقة كقذيفة حضور تستشرف المستقبل، على حد تعبير خالدة سعيد . ولكن لن يدهش هؤلاء إذا قلنا أن قصيدة محمود درويش مأساة النرجس وملهاة الفضة (1989) كانت عملا من النوع الفريد ذاته، وبالمعنى نفسه . لماذا؟ لأن الأخيرة كتبت في زمن الانتفاضة الفعلية، ولأن الأولى كتبت في الزمان العربي كله، ماضيه وحاضره ومستقبله .

نحن لم تعتد على أن نقرأ جيداً انتفاضات الوعي الثقافي إلا بقرينه الحدث، لابقرينة دواخل النص . وهكذا نحاكم النصوص، فنحكم لها أو عليها بقرينة الخارج الذي تقال في سياقه، متجاهلين أو جاهلين أنها فعل قائم بذاته في أعماق ثقافتنا، محرك وفاعل شأنه في ذلك شأن الثورات والانتفاضات .