تحتل صناعة النشر والكتاب وما يرتبط بها من أدوات وفعاليات وجوائز مساحة متنامية وكبيرة من الخريطة الثقافية في دولة الإمارات، وتحرص المؤسسات العامة والخاصة على اكتساب المزيد من الآفاق الجديدة والممارسات التي تحقق لها ريادة وتنوعاً في الأداء الثقافي، ولأن الخلل في الأداء يذهب دائماً إلى الرؤى والاستراتيجيات باعتبارها أعقد ما يعتري عمليات التنمية في أي مكان من العالم، فإن الثقافة والتنمية الثقافية ليستا بمعزل عن الحاجة لتطوير جوانب السياسات الثقافية في الفنون أو الآداب أو الإعداد والتكوين البشري، وبالرغم من وجود دولة الإمارات على قمة سلم كثير من المؤشرات، فإن مصطلح كالوكيل الأدبي مازال غريباً ونادراً في دائرة النشر الثقافي لذا فإن كنا نأمل من الكتاب أن يصل إلى أهدافه الثقافية وأبعاده الاقتصادية، ونأمل للكاتب أن يحقق عائداً اقتصادياً بجانب سعيه إلى تحقيق العائد الفكري والثقافي من مؤَلفه، فإننا قد نحتاج إلى من يأخذ بيده ويقدم له النصيحة والمشورة، ويمثله في مواجهة عالم متنوع ومعقد من الإجراءات لأدوات، أو ما يمكن أن يطلق عليه مسمى "الوكيل الأدبي" أو وكيل المؤلف، فمن هو الوكيل الأدبي؟ وهل هناك ما يعرف باسم "الوكيل الأدبي" في صناعة الكتاب؟ وهل من وظائفه العمل على اكتشاف المواهب وتقديم نصي إبداعي جديد ورصين؟ ما هي مواصفاته أو حدود دوره؟ وكيف تكون طبيعة علاقته بالكتاب؟ هل سيأخذ دور مؤسسات النشر، أم سيقتصر على دور الوساطة بين الناشر والكاتب؟ أم أن علاقته ستقتصر على الكاتب نفسه؟ هل ستكون له علاقة بالجوانب التسويقية والإدارية والفنية في إطار نشر الكتاب؟ ما علاقته ب "حقوق الملكية الثقافية"؟
إن تجربة الوكيل الأدبي هي جديدة بكل المقاييس في الواقع العربي والإماراتي بشكل خاص، رغم أنها شائعة ومعروفة منذ زمن طويل في الغرب سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا وتعمل على رفع المستوى الفني للمحتوى الأدبي أو الفكري أو الثقافي، ورفع الذائقة لدى القارئ والكاتب وتقوم بترشيد عملية النشر في اتجاهات تمثل حاجات المجتمع أو التي تنعكس في الجوائز الأدبية أو الأكثر مبيعاً أو ما يسمى "بالبست سليرز" .
قدمت حركة النشر الإماراتية في فن الرواية على سبيل المثال ما يتجاوز المئة إصدار، ولا تحضر معظم هذه الإصدارات لأكثر من عام على أرفف المعارض والمكتبات إلا قليلاً، وبعض هذه المئة لو عرضت على اختصاصيين في اللغة والنقد لكان خيرا لها وللقارئ، ومن هنا فإن الحاجة -والسبق ممكن في هذا الأمر على المستوى العربي -إلى ما يسمى بالوكيل الأدبي ليسعى إلى رفد الساحة بالمواهب الجديدة مع توفير الدربة والتكوين لها ويعمل على صناعة أسماء إبداعية حقيقية في التأليف، والوكيل بهذا المعنى ليس ممثلاً للكاتب في المجال الإبداعي فحسب، وإنما ممثل للناشر أيضاً ومسعف له عند شح المواهب واختفائها، وهو ليس مدققاً لغوياً أو مصححاً للنص يعمل على وضع علامات الترقيم واكتشاف الأخطاء المطبعية والاملائية، كما أنه ليس ناشراً أو موزعاً، هو استشاري أو أقرب إلى أن يكون التعبير "دكتوراً للنص"، إن جاز التعبير، بالمفهوم الاستشاري، لأنه سيقدم خبرة استشارية تعنى بجميع مراحل النشر، وقد يستعين بخبراء ومتخصصين في كل مجال من مجالات الكتاب المنشور شكلاً ومضموناً، سواء على مستوى اللغة أو السرد والبنية الروائية والقصصية .
للوكيل الأدبي دور مباشر في الإطار الحقوقي أو القانوني، سواء عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على حقوق الملكية الفكرية للمؤلف أو لغيره وقاية له، أو بما يتعلق باستخدام النصوص وإنتاجها في الأعمال الدرامية المسرحية والتلفزيونية والسينمائية، دون تجاوز قضايا عادة ما يكون الناشر معنياً ومهموماً بها كالإخراج الفني وتصميم الغلاف والتنسيق والعناوين، ولا يفهم من ذلك أنه منافس للناشر بل يقف على مسافة تحقق مصالح موكله من الناشر وربما يكون الناشر هو موكله ويقوم بدور الوسيط أو يكون شريكاً للطرفين المؤلف والناشر .
ليس على الوكيل الأدبي أن يعمل معاكساً للتيار الرصين فهو وكيل لمؤلف، لكنه يضع نفسه على المحك وليس عليه أن يتردد لحظة في رفض ما لا يستقر في ضميره فيما يتعلق بمحتوى الكتاب أو يطمئن إليه فلا يرتقي إلى مستوى الجدة والرصانة وتكوين الرصيد الثقافي المتميز، الذي يغني سوق الكتاب ويُثري الساحة الثقافية .
الساحة الثقافية العربية تسودها الفوضى بسبب افتقادها الى سياسة نشر ملزمة تحفظ حق الأطراف وتمنع تسرب المنتج الثقافي واستثماره في الوسائط المختلفة سواء من خلال إعادة نشره إلكترونياً أو استثماره في التلفزيون أو الإذاعة دون الرجوع للمؤلف أو صاحب الحق إن كان غيره، للوكيل التمثيل القانوني لهذا المنتج على اعتبار ان له من الحقوق ما سيهدرها هذا التجاوز فالنسبة التي تقتطع لصالحه من 10 إلى 15 في المئة من المتحقق من مبيعات المنتج الفكري أو حقوق استلهامه في وسائط أخرى والوكيل الأدبي ليس مالكاً للحق الأدبي ولن يكون وسيبقى المؤلف صاحب الحق في عمله .
ليس في العادة ان تكون شروط النشر لصالح المؤلف وثمة من المؤلفين من يدفع لقاء نشره لكتابه وكان الأجدر له أن يتقاضى مقابلاً للنشر والتسويق وقضايا أخرى تتعلق بالرعاية والاستثمار التسويقي في الإعلان واللقاءات وخلافه فيوفر على الكاتب مشقة الصراع مع دور النشر على حقه هذا إن لم يكن يجهله في الأصل، فيتفرغ لشأنه وبحثه دون أن يشغل نفسه بمتابعة قضايا النشر وخيارات الناشرين وأفضل ما يمكن أن يحصل عليه من شروط للنشر، عدا عن الترجمة والمعارض وإعادة النشر الإلكتروني وغيره، ويبقى أمر مهم علينا أن ندركه فالوكيل الأدبي فكرة اقتصادية ثقافية لذا فإن متطلبات النشر وتراخيصه قد لا تندرج تحت تصنيف الطباعة والنشر، لكنها عمل استشاري ثقافي يحتاج إلى ترخيص لمزاولة المهنة وفق أصول معينة لم يكن هذا التعريف متوفراً حتى فترة قريبة ضمن إدارات الترخيص بشكل محدد، وربما أدمج الآن تحت باب الاستشارات الثقافية .