خلفت عاصفة الاحتجاجات التي يشهدها اليمن منذ أسابيع مشهداً محتقناً وخارطة انقسامات وتحالفات أثارت المخاوف من انزلاق وشيك نحو العنف عوض مبادرات التغيير السلمي التي برزت كضوء في نهاية النفق بدعوة المعارضة الرئيس علي عبدالله صالح تحديد إجراءات تتيح انتقالاً سلمياً للسلطة بحلول نهاية العام الجاري في المبادرة التي حظيت بتأييد واسع النطاق قبل أن يطاح بها في أكبر مناورة سياسية للحزب الحاكم الذي حولها من مبادرة انفراج سياسي إلى مخطط للانقلاب على الشرعية الدستورية .
كاد اليمنيون الذين تمترسوا خلال الأسابيع الماضية في خندقي المولاة والمعارضة أن يتنفسوا الصعداء مع إعلان هيئة علماء اليمن تبني مبادرات للخروج من الأزمة، غير أن الشارع تفاجأ بأن هذه المحاولة لم تتنقل كغيرها إلى مربع المبادرات الفاشلة بل تأسس عليها حال انقسام لا سابق له انخرط فيه المؤيدون والمعارضون في أكبر ماراثون سياسي وتعبوي يشهده اليمن في تاريخه الحديث .
تداعيات هذا المشهد الدراماتيكي بدأت مع تقديم هيئة علماء اليمن مبادرة من سبعة بنود قضت بتأليف حكومة وحدة وطنية من الحكم والمعارضة وإلغاء التعديلات المقرة على قانون الانتخابات وإعادته إلى المداولة على قاعدة التوافق، وإلغاء مشروع تعديل الدستور المقدم من الحزب الحاكم، وتأليف لجنة وطنية من الحكم والمعارضة للبحث في صيغة التعديلات، ومحاكمة المتورطين بقضايا الفساد، وإطلاق سراح المعتقلين، واختيار لجنة من خمسة قضاة كهيئة مرجعية للفصل في النزاعات، ووقف الحملات الإعلامية والتهيئة للحوار، فيما أضاف الرئيس صالح بنداً ثامناً يقضي بوقف المعارضة التظاهرات والاعتصامات بما يكفل إزالة أعمال الفوضى والتخريب والاحتقان الحاصلة في الشارع .
وبعد يومين من مداولات خلف الكواليس السياسية أضافت أحزاب المعارضة في تكتل اللقاء المشترك (ستة أحزاب من اليسار والإسلاميين) خمسة بنود إضافية طلبت من الحاكم ضمان استمرار حرية التظاهر والاعتصام بشكل سلمي، وتأليف لجنة تحقيق بشأن الاعتداءات التي تعرض لها المحتجون ومحاسبة المسؤولين عنها وتعويض أسر الشهداء، ومعالجة الجرحى والبدء بإجراءات الانتقال السلمي والسلس للسلطة، استناداً إلى التزامات الرئيس بعدم التمديد أو التوريث أو الترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة وفق خطة يقدمها الرئيس وتناقش مع سائر القوى السياسية في الداخل والخارج لتنفيذها في إطار برنامج زمني محدد .
واستغرقت محاولة علماء الدين إيجاد صيغة توافقيه بين الأفرقاء في الحكم والمعارضة نحو أسبوع وأنتجت في الأيام الأولى مبادرة النقاط السبع التي اقترحها رئيس هيئة علماء اليمن الشيخ عبدالمجيد الزنداني وآلت بعد جلسات حوار ومباحثات مع الرئيس صالح وقيادات الحزب الحاكم إلى اتفاق الطرفين على مبادرة من ثمانية بنود، لكن هذه المبادرة لم تختلف كثيراً عن المبادرات التي كان الرئيس صالح أعلنها في اجتماع مشترك لمجلسي النواب والشورى والتي أعلن فيها إلغاء التعديلات المقرة سابقاً على قانون الانتخابات خارج دائرة التوافق وتجميد النقاش في مشروع تعديل الدستور الذي تبناه حزب المؤتمر الحاكم، وتأليف لجنة وطنية لإجراء التعديلات الدستورية بالتوافق بين المولاة والمعارضة ثم تأليف حكومة وحدة وطنية بالتوافق تشرف على الانتخابات .
وبحسب قادة في المعارضة فإن مبادرة النقاط الثماني لم تقدم جديداً عدا في البند الذي نص على اختيار الحكم والمعارضة خمسة قضاة للفصل في النزاعات بين أطراف المعادلة السياسية، خصوصاً أن قضايا إحالة الفاسدين إلى القضاء وإطلاق سراح المعتقلين والحملات الإعلامية والتهيئة للحوار من طريق وقف التظاهرات والاعتصامات كانت مطروحة في جولات الحوار السياسي السابقة بين الحكم والمعارضة واللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني .
والحال نفسه مع مبادرة المعارضة التي لم تضف جديداً على مطالبها السابقة بحوار وطني يتجه نحو تغيير النظام عدا أنها أعطت الرئيس صالح مساحة للحركة لمدة سنة يضع فيها إجراءات للتنحي والانتقال السلمي للسلطة بحلول نهاية العام الجاري بصورة مشرفة مقابل ضمان استمرار حرية التظاهر والاعتصام بشكل سلمي .
انقلاب على الشرعية
لكن بعض المسؤولين في الحكومة اليمنية رأوا أن المبادرة الكلية المؤلفة من مقترحات الحكم والمعارضة وهيئة العلماء والرئيس صالح وضعت صنعاء أمام خيارات ضيقة وهو ما عبّر عنه بيان رئاسة الجمهورية الذي حسم الجدل بشأن موقف الحكم من مبادرة المعارضة وأعلن تمسك السلطة بمبادرة الرئيس وعلماء الدين التي تضمنت ثمانية بنود .
وحتى هذا البيان الذي صدر بعد أيام من التكهنات والتسريبات التي أربكت المتابعين للشأن اليمني كان غامضاً إذ لم يرفض صراحة مبادرة المعارضة، بل تحدث عن رفض صنعاء تفسيرات المعارضة للبند الرابع الخاص بتحديد آليات انتقال سلمي وسلس للسلطة بحلول نهاية العام الجاري واعتبرها بناء على ذلك محاولة انقلابية مكشوفة على إرادة الناخبين وعلى الدستور والشرعية الدستورية .
تزامن ذلك مع بيان مقتضب لهيئة علماء اليمن عرضه التلفزيون اليمني وأعلنت فيه الهيئة تأييدها لمبادرة النقاط الثماني، معللة ذلك بعدم تقديم المعارضة رداً على المبادرة المتفق عليها بين الرئيس صالح وعلماء اليمن، ما أثار موجة اتهامات للسلطة بإفشال جهود الحل السلمي وممارسة التدليس على الرأي العام .
وعلى الرغم من أن الشارع اليمني ومعه أحزاب المعارضة بدوا مطمئنين حيال جهود هيئة علماء اليمن لا سيما بعدما تعهد الرئيس اليمني أمام وسائل الإعلام أنه سيقول سمعاً وطاعة لأي مبادرات يقترحها علماء الدين للخروج من الأزمة الراهنة، إلا أن هذه التعهدات لم تصمد كثيراً بعدما غابت في سلسلة تناقضات اكتنفت المواقف التي أعلنتها هيئة علماء اليمن والحزب الحاكم حيال مبادرات الحل السياسي، فالشارع اليمني الذي كان ينتظر بصبر نافذ موقفاً رسمياً من الرئيس صالح حيال مبادرة المعارضة وعلماء الدين تفاجأ بهيئة العلماء تعقد مؤتمراً صحافياً نقله التلفزيون اليمني وأعلنت فيه تأييدها لمبادرة النقاط الثماني وقطع الطريق أمام أي مبادرات أخرى بعدما أعلنت أن من خرج عنها يعتبر داعياً إلى الفتنة .
وكان هذا الموقف موضع انتقادات واسعة كون موافقة العلماء شملت المبادرة بنقاطها الثماني بما تضمنته من توجهات بوقف التظاهرات والاعتصامات في المحافظات وإزالة مظاهر التوتر الحاصلة في اليمن ما أثار ردود فعل واسعة حيال تبني علماء الدين دعوات لقمع التظاهرات السلمية المكفولة بموجب الدستور والقوانين النافذة .
ولم تكن ردود الفعل الغاضبة من هذه التوجهات محصورة في الشارع المنضوي في حركة الاحتجاجات والدوائر السياسية بل طاولت كذلك علماء الدين، ومنهم رئيس هيئة علماء اليمن الشيخ عبدالمجيد الزنداني الذي أصدر تالياً بياناً أكد فيه أن العلماء قدموا تصوراً لحل الأزمة من سبعة بنود وأن الرئيس علي عبدالله صالح أضاف النقطة الثامنة المتعلقة بمنع التظاهرات والاعتصامات وأصر على إدراجها في المبادرة باعتبارها طلباً شخصياً رغم تأكيد العلماء له بتعارضها مع الدستور الذي يكفل للمواطنين حق التظاهرات السلمية .
الشيخ الزنداني استنكر كذلك ممارسة الحزب الحاكم ووسائل الإعلام الرسمية ما أسماه التدليس على الرأي العام بالزعم بأن العلماء قدموا مبادرة من ثماني نقاط كما أوضح أن لجنة من علماء الدين والوجهاء التقوا قيادات في أحزاب المعارضة في تكتل اللقاء المشترك الذين قدموا خمس نقاط تضاف إلى مبادرة العلماء ونقلت إلى رئيس الجمهورية .
ولم يدل الشيخ الزنداني بأي تفاصيل بشأن موقف الرئيس صالح من مبادرة أحزاب المعارضة واكتفى بتأكيد أن علماء الدين أعلنوا مراراً أن المظاهرات والاعتصامات السلمية حق دستوري وتعد من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن واجب الحكومة توفير الحماية لها وأن الاعتداء عليها يعد جريمة يحاسب مقترفوها ولا تسقط بالتقادم .
وعلى الرغم من أن بيان الشيخ الزنداني أزال الغموض بشأن موقف هيئة علماء اليمن الذي لم يكن مقبولاً من الشارع خصوصاً وهو حول الشباب المعتصمين في ساحات التغيير والحرية بالمحافظات إلى خارجين عن الجماعة ودعاة للفتنة إلا أنه أعاد الجميع إلى المربع الأول في غياب مبادرات الحل النهائي للأزمة .
مناورات سياسية
بعض السياسيين المعتدلين في الحزب الحاكم عزوا حال الانسداد الحاصل في المعادلة اليمنية إلى أن الرئيس صالح كان يطمح إلى حل توافقي عبر هيئة علماء اليمن يخرج البلد من نفق الأزمة بصيغة توافقية تلبي مطالب جميع الأطراف، لكنه تفاجأ بطلب المعارضة منه التنحي سلمياً بحلول نهاية العام، ما اعتبر استغلالاً سيئاً للأوضاع التي يمر بها الوطن اليمني، خصوصاً أن الرئيس كان تعهد أكثر من مرة بأنه لن يمدد لنفسه ولن يورث الحكم لنجله كما لن يعدل الدستور والقانون الانتخابي إلا بتوافق سياسي مع المعارضة فضلاً عن تعهده بالتنحي بنهاية فترة ولايته الرئاسية التي تنتهي منتصف عام 2013 .
ويؤكد قياديون في الحزب الحاكم أن الرئيس صالح أبدى حرصاً كبيراً للخروج من الأزمة من دون أعمال عنف وفوضى عندما دعا إلى تأليف حكومة وحدة وطنية تشرف على الانتخابات النيابية المقبلة، وكان يمكن أن يقبل بمبادرة المعارضة وهو ما أفصحت عنه تصريحات مقربين منه ونقلتها وكالات الأنباء العالمية التي أكدت أنه سيعلن موقفاً إيجابياً من مبادرة علماء اليمن وأحزاب المعارضة كما أعلنه نصاً الشيخ عبدالمجيد الزنداني أمام هيئة العلماء لكن أجواء التحدي التي باشرتها المعارضة في قيادة الشارع فرضت عليه والحزب الحاكم اتباع وسائل جديدة لتجنيب البلاد حالة انهيار للمؤسسات الدستورية .
وعوضاً عن ذلك اتجه الحزب الحاكم إلى تحكيم الدستور النافذ في أي مبادرات للحل السياسي بعيداً عن المشروعات المنفردة في إدارة الانتخابات، خصوصاً أن الدستور يعطي الرئيس صالح الحق في البقاء بمنصبه لحين انتهاء فترة ولايته الرئاسية .
لكن محللين سياسيين يلفتون إلى أن إعلان الشيخ الزنداني لدى اجتماعه بهيئة علماء اليمن الذي أكد فيه موافقة الرئيس صالح على مبادرة المعارضة بالتنحي السلمي ووضع خطوات تتيح انتقالاً سلمياً للسلطة واستعداده تنفيذ ما جاء في مبادرة هيئة العلماء لم يكن سوى مناورة سياسية لإبداء حسن النية أمام هيئة علماء الدين سعياً إلى كسب تأييدهم وهو ما جنى الرئيس صالح مكاسبه سريعاً عندما أعلن العلماء إجماعهم على مبادرة النقاط الثماني وإشارتهم إلى أن أحزاب المعارضة بتجاهل طلبهم الرد على المبادرة لمدة يومين .
أما المسؤول الإعلامي لهيئة علماء اليمن الشيخ محمد الحزمي فقد فسر التناقضات التي بدت في موقف هيئة علماء اليمن بالإشارة إلى وجود لوبي يسعى لإفشال التوافق أو أي مخرج مشرف لكل الإطراف، وهذا اللوبي لديه مصالح ويخشى أن تنهار تلك المصالح عند رحيل النظام وهو ما يفسر استخدامه لكل وسائلة المشروعة وغير المشروعة من أجل إبقاء اليمن في حال أزمات خصوصاً أن المليارات تتدفق إلى جيوبهم خلال هذه الأزمة .
ويلفت الشيخ الحزمي إلى أن ما صدر من هيئة علماء اليمن ينافي الحقيقة، فالجميع يعلم أن المبادرة التي اتفق عليها العلماء مكونة من سبعة بنود ومختلفة على البند الثامن الذي يمنع حق التظاهر والاعتصامات الذي هو حق دستوري ولذلك كان التدليس في بيان هيئة علماء اليمن أنهم جعلوا البند الثامن محل إجماع وهذا منافٍ للحقيقة ولا يليق بالعلماء أن يقولوا ذلك .
مشهد انقسامي
حيال تفاعلات الاعتصامات والتظاهرات التي حظيت بتأييد شعبي واسع النطاق لم تلتفت السلطات اليمنية كثيراً إلى الحركة الشعبية التي كانت تتوسع يوماً بعد يوم وتنتقل من محافظة إلى أخرى بمبادرات ذاتية بالتوازي مع ارتفاع سقف مطالب المحتجين ومعهم أحزاب المعارضة، حيث اتجهت السلطات سريعاً إلى تنفيذ أكبر عملية تعبوية إعلامية مستفيدة من طغيان الإعلام الرسمي على وسائل الإعلام المعارضة والمستقلة في اليمن، كما شرعت بحملة استقطاب للمؤيدين في المحافظات وصلت إلى حد الإطاحة بعدد كبير من المسؤولين ومحافظي المحافظات الذين أبدوا تحفظات على أعمال العنف التي تواجه بها السلطات المشاركين في حركة الاحتجاجات .
تزامن ذلك مع اتجاه المعارضة والثوار الشباب إلى حشد المزيد من المؤيدين حيث كانت الساحات العامة التي اتخذها المحتجون ميادين للاعتصام السلمي تتكاثر يوماً بعد يوم، فيما لعبت أحزاب المعارضة دوراً كبيراً في حشد الأنصار وتوسيع دائرة الاحتجاجات المطالبة بتغيير النظام لتفضي هذه التحركات إلى حالة انقسامية ذات خصائص نادرة لم يعرفها اليمن في تاريخه الحديث .
وامتد حال الانقسام إلى وجهاء القبائل وعلماء الدين ومجلس النواب وشهدت الساحة اليمنية أيام تظاهرات امتدت إلى مناطق القبائل وحرب بيانات ضجت بها وسائل الإعلام المحلية الموالية والمعارضة بشأن انضمام القبائل والعشائر إلى هذا الطرف أو ذاك، كما شهدت فرزاً سياسياً واسعاً لدى قيادات في الحكومة والحزب الحاكم أنتج تالياً موجة استقالات للعديد من المسؤولين وقيادات الحزب الحكام ونوابه من مناصبهم بما في ذلك مسؤولون كبار في الوزارات وقادة عسكريون من حملة الرتب العالية .
ويزيد المشهد قتامة ما تذيعه وسائل الإعلام الرسمية الأكثر تأثيراً في اتجاهات الشارع اليمني التي توجه خطابها السياسي لتفسير ما يحدث في الشارع الحديث عما ما تسميه مكايدات سياسية من أحزاب المعارضة، واتهامها برفض الحوار ومبادرات الحل التي تبنتها السلطات ومحاولة استغلال مناخ الديمقراطية في التآمر على اليمن والانقلاب على الشرعية، ما فاقم من حال الاحتقان لدى الشارع الذي لم يعد يرى أي ضوء في نهاية النفق .