والاستفاء قانون أسسه اتفاق السلام الشامل في نيفاشا، على أن يتفق عليه الطرفان، الحركة الشعبية لتحرير السودان والحكومة الممثلة في حزب المؤتمر الوطني، وهما الشريكان الأكبر في حكم السودان لاحقاً عبر المفوضية القومية للمراجعة الدستورية. وقد قفز قانون الاستفتاء على كل خلافات الشريكين خلال السنوات الماضية وحدث فيه خلاف كبير، وبعد مناقشات مطولة اعتمد الشريكان مسودة قانون الاستفتاء المقدمة من المفوضية، كأساس للحوار، بينما قررا النظر في النقاط المختلف حولها بالتشاور مع القوى السياسية.
يرى مراقبون أن دعوة برلمان الجنوب استعجال الانفصال والتي أثارت جدلاً كبيراً وسرعان ما قللت الحركة الشعبية نفسها من الدعوة واعتبرتها آراء شخصية، تماشياً مع إحالة كل حديث عن الانفصال من مسؤول رسمي الى قالب الآراء الشخصية والفردية، دفعت تلك الدعوة الى تحريك ملف قانون الاستفتاء، ويقول عضو مفوضية الدستور وأمين التعبئة بحزب المؤتمر الوطني إبراهيم غندور إن المفوضية ستبحث استكمال المسودة لعرضها على القوى السياسية، ويؤكد اقتراب التوصل إلى اتفاق بين الجانبين حول القانون، لكنه يشير الى نقاط خلافية ما زالت قائمة. ويوضح غندور أن النقاط التي ظلت محل خلاف تمثلت في أهلية الناخب، وكيفية إدارة الاستفتاء، إلى جانب تشكيل المفوضية وأعضائها، بالإضافة إلى الولايات التي سيجرى فيها الاستفتاء، ويؤكد أن المؤتمر الوطني حريص على الوصول لاتفاق حول النقاط المختلف عليها لتنفيذ الاستفتاء في موعده حسب اتفاقية السلام.
ويرى آخرون أن دعوة برلمان الجنوب جاءت رداً على تصريحات أطلقها رئيس المجلس الوطني البرلمان أحمد إبراهيم الطاهر وقوله إن الشمال سيفعل كل ما من شأنه تعطيل الاستفتاء تمسكاً بالوحدة، وهو الأمر الذي دفع بالذين تبنوا الدعوة من داخل برلمان الجنوب الى إشهار حقهم في ممارسة حريتهم في الاختيار بين الوحدة أو الانفصال، وحذرت الحركة الشعبية المؤتمر الوطني من تقويض حقوق شعب الجنوب وحرمانه من ممارسة حق تقرير المصير، وقالت إن ذلك سيجعل الجنوبيين يستخدمون الوسائل كافة التي تمكنهم من التعبير عن آرائهم في الاختيار بين الوحدة والانفصال، ووصفت تصريحات رئيس البرلمان بأنها تنم عن عقلية توسعية.
الانفصال واقع ملموس
لكن تقارير متتابعة خلال السنتين الماضتين تكشف أن الانفصال واقع لا محالة وكل ما يدور الآن حتى موعد الاستفتاء، هو تجميل للمواقف السياسية، وحفظ لماء الوجه وتهذيب لرغبة الطرفين الشمال والجنوب في الانفصال. بل يذهب البعض الى القول إن الانفصال ربما يقع بالفعل كما طالب برلمان الجنوب حتى قبل موعد الاستفتاء. فالقيادات الجنوبية التي تجاهر برغبتها في الانفصال تسعى حسب المراقبين الى دحض اعتقاد شمالي بأن الجنوبيين لن يستغنوا عن الشمال، أو على الأقل مجموعات قبلية تعتبر نفسها مهمشة من قبل حكومة الجنوب، ولا تشعر بالأمان حالياً، ناهيك مستقبلاً إذا وقع الانفصال عن الشمال. وفي المقابل تحرص قيادات شمالية على عدم إفشاء رغبتها الحقيقة في الانفصال وإغلاق ملف الجنوب، بتكرار الحديث عن وحدة جاذبة وسودان موحد.
غير أن أياً من القيادات السياسية سواء في الشمال أو الجنوب، وعلى رأسهم الرئيس عمر البشير ورئيس الجنوب سلفاكير ميارديت، لم يحرم نفسه من الجهر بالانفصال في خطبهم وتصريحاتهم، وإن اختلفت الصياغة، أو غلّفت بورق خيار الاستفتاء إن أرادوا انفصالاً فإخوان متجاورون، وإن أرادوا وحدة فسودان موحد. وحتى القيادات المعارضة مثل الصادق المهدي، لا تترك محفلاً إلا ودعت لجوار هادئ أي الانفصال أو وحدة مؤسسة، ويرى قيادي في حزب المؤتمر الوطني أن لا وحدة مؤسسة مع الجنوب بعد الآن، ويقول لن نهنأ ببعضنا بعضاً في حال الوحدة أو الانفصال، لكن الانفصال أهون حالاً وأوضح في الحقوق والواجبات.
موقف ليبيا؟
ورمت زيارة قصيرة قام بها الفريق سلفاكير ميادريت رئيس حكومة الجنوب الأسبوع الماضي الى ليبيا، زيتاً على نار الانفصال الهادئة، عندما نقل عن لسان الرئيس الليبي معمر القذافي وعداً قاطعاً بدعم الجنوب في حال الانفصال عن الشمال، وهو تصريح أثار لغطاً وجدلاً كبيرين، واضطرت الخارجية الليبية الى تخفيف التصريح بالقول إن سلفاكير أورده في غير سياقه الذي قيل به، وعبر مكتب الأخوة الليبي بالخرطوم ببيان جاء فيه نؤكد أن ما ورد إذا ما كان صحيحاً يعبر عن سوء فهم كبير ومغالطة لا يمكن القبول بها، وإن القذافي مع وحدة السودان الترابية وأمنه واستقراره وازدهاره، وهو يقود الآن حراكاً سياسياً وتاريخياً لوحدة القارة الإفريقية برمتها. بينما ترى قيادات حزب المؤتمر الوطني أن توقيت التصريح وعباراته مساندة أن يكون الجنوب وطناً لذاته لا تصب في خانة البراءة السياسية، بل تدخل مباشرة في الرغبة السياسية للرجلين، القذافي الذي يتسرب ما في قلبه الى لسانه دون حذر، وسلفاكير الذي يعتبر كتوماً وهادئاً، ولا يمكن أن يطلق مثل هذا التصريح في هذا التوقيت لإضفاء المرح على المصلين في كنيسة جوبا. وحسب المراقبين فإن سلفاكير أراد أن يرسل إشارة تهديد مبطنة الى شريكه المؤتمر الوطني بأن هناك من غير الجنوبيين من العرب من يؤيد انفصال الجنوب، وبالتالي لا قلق على مستقبله إذا وقع الانفصال.
الجنوب يجمح نحو الانفصال
ومما يؤكد أن الشريكين يحومان حول الانفصال من دون الدخول في دائرة أضوائه، أن كل الخلافات بينهما تستند الى توقعات الانفصال، فالاتجاه الى الوحدة كما يرى البعض لا يدفع للحديث المستمر والخلاف المتواصل حول السلطة والثروة والحدود والتدخل الاستخباراتي في الصراعات القبلية وعمليات الاستقطاب التي تجري هنا وهناك. وقبل نحو شهر من الآن شن الرئيس عمر البشير هجوماً غير مسبوق على حكومة الجنوب واستخباراتها وجيشها، بتهديدهم لأمن المواطنين وحرمان الشماليين من ممارسة حياتهم هناك وعمليات الاختراق المستمرة للموالين لحزب المؤتمر الوطني في الجنوب، وردت الحركة بهجوم مماثل على لسان أمينها العام باقان اموم، واستمر تبادل الاتهامات حتى في واشنطن عندما دعت الولايات المتحدة الشريكين الى ملتقى يبحث معوقات إنفاذ اتفاق سلام نيفاشا، وعاد الوفدان من هناك وهما أشد خلافاً وتباعداً، وظلت القضايا الخلافية ترواح مكانها، ولم تتمكن واشنطن بتأثيرها في الطرفين من إحداث أي نوع من الاختراق فيهما.
وتغلب مواقف الجنوب، في أكثر الأحيان، تمسكاً بالانفصال على مواقف الشمال، التي تأتي في أغلبها على استحياء، فالجنوب لا يزال يتمسك بحقه في تعداد سكاني جديد، حيث إنه لا يعترف بالتعداد الحالي، ويؤكد أن نتائج التعداد السكاني جاءت أقل ب9% مما اتفق عليه في نيفاشا، حيث أعطت اتفاقية السلام الشامل الجنوب 30%، وأوضحت نتائج التعداد السكاني أن نسبة الجنوبيين 21% فقط، وهذا الأمر سيؤدي إلى تقليص الدوائر الجغرافية، وهذا يعني أن الانتخابات إذا جرت على ضوء هذه النتائج ستواجه بمشاكل كبيرة في الجنوب، وستفقد الحركة الشعبية كثيراً في الانتخابات.
أما القضية الأخرى فهي ترسيم الحدود، وأبيي، والأخيرة تعمل مطامع أجنبية ومصالح جوار استراتيجية على تعطيل حلها، على الرغم من تحكيم الخبراء في لاهاي قبل شهر من الآن وإصدار تقرير بهذا الشأن، لكن قضية أبيي تظل خاصرة العلاقة بين الشمال والجنوب، وقد لا ترقى خلافات كثيرة الى مستواها، فحسب المراقبين فإن قضية أبيي قد تعيد الجميع الى مربع الحرب مرة أخرى، خلافاً لخلافات أخرى مثل التعداد والانتخابات والصراعات السياسية، التي ربما تعالج وفقا لظروفها الآنية، لكن أبيي تظل العظم المكسور لأي طرف إذا ما تخلى عنها، لأنها غنية بالنفط، وقبل ذلك تشكل تداخلاً قبلياً بين الشمال والجنوب، ولن يرضى طرف للآخر أن يحكم أهله وشعبه من دون الطرف الآخر.
تراجع الأمن والحريات
وعلى الأرض تتواصل تحرشات قوات الجيش الشعبي بالمواطنين غير المنتمين للحركة الشعبية، وغياب الحريات السياسية والديمقراطية وارتفاع درجات التوتر الأمني وانتشار السلاح وتراجع ثقافة السلام التي سادت نسبياً عقب توقيع اتفاق نيفاشا، واستفحال الصراع الجنوبي الجنوبي، وضخامة التحدي في الاستمرار باتفاقية السلام ببروتوكولاتها الستة السلطة، الثروة الانتخابات، الاستفتاء، الترتيبات الأمنية والمناطق الثلاثة التي لم تنفذ كما يجب. ويشير تقرير لمجموعة الأزمات الدولية الى أن النوبة من أبرز ضحايا الحرب بين الشمال والجنوب، ويشعر قادتها بأن الحركة الشعبية تسخرهم كأداة في المساومة، وينتاب قادة جبال النوبة شعور بالغربة يعزى إلى الانفصال بين قيادة الحركة الشعبية القائمة في الجنوب ونظرائها في كادوقلى وكاودا. ويشير التقرير الى أنه وبدلاً من التركيز على الأهداف التي عبرت عنها الحركة الشعبية مثل التنمية الريفية والمصالحة وتحقيق الأمن، ركزت قيادات الحركة الشعبية بعد اتفاقية السلام على مجابهة سياسات المؤتمر الوطني ما زاد التوتر بين المجتمع المحلي وأوجد انشقاقاً في داخل قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان.
ويشير قيادي في ندوة حول الأوضاع في الجنوب الى أن الاحتكاكات القبلية بلغت 17 صراعاً كان من بين مسبباتها الاعتقادات السائدة بأن الثروة ملك لقبائل بعينها ما خلق عداءات راسخة بالإضافة إلى التداخل القبلي مع دول الجوار التي بدورها تعاني من صراعات داخلية. ويقول ابراهيم غندور القيادي في المؤتمر الوطني إن تقريراً لمنظمة هيومان رايتس وتش أثبت أن عدد القتلى خلال العام الماضي فاق عدد القتلى بدارفور خلال العامين السابقين، ويشير الى أن الحركة الشعبية تعمل في الجنوب على أساس الهيمنة، مشيراً إلى أن عليها مسؤولية كبيرة بعد تحولها من حركة محاربة إلى كيان سياسي ينبغي عليها الخروج من فكرة الكيان الوحيد المسيطر، فهناك عدد كبير من القوى السياسية تشكو من الحركة الشعبية والمضايقات التي تسببها لها.
ومن جانبه يقول القيادي الجنوبي أتيم قرنق إن الوعي السياسي للمواطن بالجنوب يختلف عنه لدى المواطن بالشمال، ويؤكد أن الصراع القبلي ليس بجديد على الجنوب كما هو الحال في دارفور وكردفان وغيرها فهناك ثلاثة عناصر تتسبب في الصراعات هي البحث عن الكلأ والماء، وضعف الإدارة الأهلية لحل القضايا والصراعات والناس كان لديهم ثقة بالإدارة الأهلية، أما الآن فأصبحت الإدارة الأهلية ليس لديها دور لغياب الثقة فيها فالصراعات أصبحت دائمة، والوضع السياسي يحتاج إلى إزالة المرارات وهي تحتاج إلى ندوات لنشر ثقافة السلام والخروج من دوامة المشاكل.
ويعبر أحد غلاة دعاة الانفصال عن رؤية الشمال لقضية الانفصال بقوله ليت المؤتمر الوطني يُجري استطلاعاً حراً وسط قواعده، بل وبين قياداته ليعلم حقيقة مشاعر الشماليين من قضية الوحدة والانفصال، وليته يرصد تصريحات قيادات الحركة الشعبية ليعلم حقيقة مشاعرهم اليوم حول خياري الانفصال والوحدة ليعلموا أن خيار الانفصال هو السيناريو الأخير.
ويضيف الطيب مصطفى رئيس تحرير صحيفة الانتباهة، قيادات الحركة والجيش الشعبي لا تؤمن بخيار الوحدة، إذاً لماذا لا تعلن الاستقلال وتريح شعب السودان الشمالي الذي ابتُلي بجحيم الوحدة لأكثر من نصف قرن من الزمان؟. ويضيف مصطفى لقد ظل الجنوب عالة على الشمال قبل البترول وظل شوكة تُدمي خاصرته منذ ما قبل الاستقلال ثم إن الثمن الذي ندفعه مقابل الوحدة خصم على هويتنا واستقرارنا السياسي وسلامنا الاجتماعي.
لكن يبقى الأمل في وحدة بين الشمال والجنوب متسرباً من تصريحات مسؤولين وسكان محليين في الجنوب مثل إن الأحوال أيام الحرب قبل الحركة الشعبية كانت أفضل مما هي عليه الآن من حيث انفراط عقد الأمن وتصاعُد وتيرة الصراع والاقتتال القبلي الذي يحصد آلاف الأرواح، ويراهن البعض على أن عدداً كبيراً من الجنوبيين لا يريدون الانفصال عن الشمال على الأقل حتى يعم السلام والأمن والتنمية، بل إن كبار قيادات الحركة والجيش الشعبي اعترفوا بأن جنوب السودان يعاني من مجاعة طاحنة وأزمة خانقة تكاد تعصف به. كما يبقى الأمل في اجتماع تأجل أكثر من مرة، تداعت له القوى السياسية في جوبا لمناقشة قضايا التحول الديمقراطي، وإبرام الحركة الشعبية مع حزب الأمة القومي بزعامة الصادق المهدي لاتفاق حول بعض القضايا الوطنية، والسعي لتكوين تحالف عريض في الانتخابات القادمة ربما لعب دوراً في الإبقاء على الانفصال داخل الصدور وتأجيله الى زمن آخر.