في زمن التخمة في كل شيء، هل لبرامج الهواة أي ضرورة في المجتمع العربي؟ هذا السؤال يراودنا منذ سنوات وليس وليد اللحظة، وسيصلح لسنوات مقبلة طالما أننا نعاني تدفقاً غزيراً في وجود البرامج المتشابهة على مختلف الشاشات العربية.

قد يقول البعض إننا نحتاج إلى هذه النوعية الترفيهية كي تسلينا فنخرج من قوالب الأحزان والنشرات القاتمة والقلق الذي نغرق فيه. صحيح، لكن هل على فئة من الناس أن تدفع ثمن هذا الخروج أو الهروب؟ هل يجب أن تكون التسلية من خلال استعراض كل هذا الكم من هواة الغناء والرقص والتمثيل ومختلف ألوان الفن على الشاشة، وفي النهاية لا يفوز إلا واحد عن كل برنامج، ويكون مصيره «التجاهل» في الأغلب، مثله مثل باقي المتنافسين الذين لم يحالفهم الحظ؟
«الحظ» ليس أمل المتنافسين فقط، بل الجمهور أيضاً، فلو حالفه وجد برنامجاً جيداً، ولجنة تحكيم تفهم مهمتها وتأخذها على محمل الجد، وتعي أنها جسر عبور يمر من خلاله المتباري إلى الأضواء. لأننا في الأغلب نقع في فخ أعضاء لجان يعتبرون البرنامج «شو» يلمعون من خلاله صورتهم أكثر، ويتباهون بأستاذيتهم على زملائهم والمتنافسين والجمهور في آن، ويتبجحون ويستظرفون أكثر من اللزوم.
«للعرب مواهب»، «اكس فاكتور»، «أراب آيدول»، «ذا فويس أو أحلى صوت»، وهناك أيضاً «ذا فويس للأطفال»، و«سمعنا صوتك».. والجديد اليوم «محمد عبده وفنان العرب» على قناتي «دبي» و«سما دبي». أما خارج إطار الغناء فشاهدنا سابقاً «مذيع العرب»، وتقدم قناة «أبوظبي» حالياً «أراب كاستينغ» لاختيار أفضل ممثل. نعم نحب أن نشاهد البرامج الترفيهية، وأكثر منها تلك التي تتضمن لوحات استعراضية حيث المجهود الكبير في الإخراج. لكن، هل على الترفيه أن يكون استنساخاً باستنساخ؟ من يميز بين لقب هذا وذاك من المتخرجين من برامج الهواة الغنائية؟
الشيء المؤكد أننا نتذكر أعضاء لجان التحكيم لأنهم نجوم بالأساس، ولا شك أن الجمهور يحب رؤيتهم على الشاشة، وهو ما تراهن عليه القنوات وشركات الإنتاج لتضمن نسبة عالية من المشاهدة، ونسبة أكبر من الإعلانات. لا ندري لماذا تعتبر إدارة كل قناة أنها لو جاءت بمخرج له باع طويل في المهنة وقدم أشهر المسلسلات أو الأفلام، وكاتب مشهور، ومنتج يملك شركة ضخمة، وملحن يسعى خلفه المطربون، وأستاذ من الكونسرفاتوار.. وأوكلت إليهم مهمة الحكم على الهواة إلى جانب نجم أو أكثر ممن يحبهم الجمهور، لا ندري لماذا تعتقد تلك القنوات أنها لن تضمن نجاح البرنامج؟
يخطئون في حساباتهم، فكل من وقف أمام الشاشة ومن جلس خلفها، يتعطش لسماع آراء الخبراء الحقيقيين، كل وفق مجاله، ولتقديم نخبة الهواة وتأهيلهم للانطلاق فعلياً وبشكل سليم في الوسط الفني الذي يحتاج إلى غربلة.

مواقع التواصل الاجتماعي تنشغل بخلافات أحلام وزملائها (ليس فقط الذين يشاركونها برنامجها بل تطال بتعليقاتها لجان تحكيم برامج أخرى)، ومناوشات نجوى كرم وعلي جابر، وما حصل بين عاصي الحلاني وشيرين عبد الوهاب، وفستان نانسي عجرم، وإطلالة إليسا، ونظرات وائل كفوري، وظرف دنيا سمير غانم.. النجوم يطغون على المتنافسين أحياناً كثيرة، والأضواء تبقى مسلطة عليهم وعلى تعليقاتهم.. أشخاص يحلمون بالنجاح والشهرة وتطوير موهبتهم، ويعانون ويجتهدون وفي النهاية لا يفوز منهم إلا شخص واحد من كل برنامج؟ ماذا عن المجتهدين الآخرين؟ فلتكن البرامج أكثر احترافية، لنعد بالذاكرة مثلاً إلى «استوديو الفن»، الذي كان أول برنامج عربي للمواهب، فميزته أنه كان يفتح باب الأمل واسعاً أمام المتبارين ويتخرج منه مجموعة من المتألقين في مختلف المجالات. كان هناك 3 جوائز، ذهبية وفضية وبرونزية عن كل فئة، والفئات متعددة منها الغناء والتقليد والتقديم والعزف.. والأغنية مقسمة أيضاً إلى فئات كي لا يظلم من يغني الأغنية الخفيفة بتنافسه مع صاحب الصوت الأوبرالي. حتى أذكر أنه كان هناك فئة تم تخصيصها باسم الفنان «وديع الصافي». أما لجنة التحكيم، فكانت تضم مجموعة من نخبة أساتذة الموسيقى والغناء والأدب والشعر والإعلام.. لجنة يعتبر كلامها شهادة ودرساً.

لو فاز أكثر من متبار، ولو ضمت لجان التحكيم أعضاء متخصصين، سنضمن على الأقل نوعية جيدة من النجوم الشباب يستطيعون إزاحة المتطفلين والدخلاء، فنلمس فائدة حقيقية من برامج الهواة، التي ستغربل نفسها بنفسها.


مارلين سلوم

[email protected]