بعث العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطابه الافتتاحي أمام البرلمان المغربي، نهاية الأسبوع الماضي، رسائل قوية إلى النواب والمستشارين في الغرفتين . لقد كان خطاباً واضحاً وصريحاً، وفيه مسحة من عدم الرضا عن أداء هاتين المؤسستين المنوط بهما مهمة التشريع في البلاد .
هذه ليست هي المرة الأولى التي يتوجه فيها الملك إلى نواب #187;القبة#171; داعياً إياهم إلى تحسين صورة المؤسسة البرلمانية، والدفع قدماً في اتجاه تنشيط أدوارها في مجالات التشريع والتمثيل الدبلوماسي الجيد للمغرب في المحفل البرلماني في الخارج، فقد بينت الوقائع محدودية هذا الدور والنتائج المترتبة عليه . في وقت تجتاز فيه الدبلوماسية المغربية بوجه عام والدبلوماسية البرلمانية بوجه خاص مأزقاً، بسبب المنافسة الشرسة من أطراف النزاع في قضية الصحراء، التي تتحرك مدعومة بطيف واسع من الدول والمنظمات والجمعيات والبرلمانات الدولية، وعلى رأسها ترويكا برلمان الاتحاد الأوروبي، التي تتنقل في مواقفها من قضايا المغرب وفقاً لمصالحها الاقتصادية ولموازين القوى التي تفرزها هذه البرلمانات، وهي في الغالب الأعم مرتبطة باللوبي المصالحي وليس بالقناعات في القضايا المصيرية للمغرب .
ولذلك جاء الخطاب الملكي في افتتاح البرلمان، مؤكداً ضرورة أن يتحمل نواب الأمة مسؤولياتهم التاريخية، في هذه الظرفية التي تتميز على المستوى السياسي الوطني بحدين اثنين: الحد الأول تشريعي، فهذه السنة هي السنة التشريعية الثانية في عهد حكومة بنكيران، وينتظر أن تكون سنة حافلة على مستوى تنفيذ القوانين الشارحة للدستور والمتممة له، وهي قوانين مهمة، تحدد مجالات اختصاصات كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية، إضافة إلى السلطات الموكولة للملك التي يعود إليه فصل المقال فيها .
وسن هذه القوانين الشارحة، كما ألمح إلى ذلك الخطاب الملكي، يتطلب تجاوز النظرة الضيقة للعمل البرلماني وعدم السقوط في التحزب أو في مغالطات الأغلبية والمعارضة .
الحد الثاني أن يصوغ البرلمانيون في إطار حوار شفاف، مدونة أخلاقية، تكون ملزمة للجميع بعيداً عن المزايدات السياسية، وأن تكون هذه المدونة تتضمن التزامات من جميع الأطراف، أغلبية ومعارضة، بالارتقاء بالعمل البرلماني، وتجاوز الوضعية الراهنة، التي تتميز عموماً بظاهرة التغيب عن الجلسات العمومية، وتسيد السجالات الشعبوية، وتحول الغرفتين إلى مجرد أداة لتسجيل القوانين، في حين تتحكم الأمانة العامة في وتيرة صياغة هذه القوانين وتقديمها إلى البرلمان وتصحيحها قانونياً .
والنتيجة أن حال المؤسسة البرلمانية في المغرب لا يسر، وليست قوة تشريعية في مستوى الرهانات المطروحة عليها اليوم، في ظل مغرب الدستور الجديد، فهي تعاني وهناً موروثاً عن السياسات التشريعية السابقة، وفقدان الثقة بها على المستوى الشعبي، وتحولها في أغلب جلساتها المباشرة إلى ساحة للمبارزة السياسوية الضيقة، وشد الحبل بين أطراف الأغلبية والمعارضة، وسقوط النقاش السياسي في نوع من الإسفاف السياسي الذي انحط في مراحل إلى فرجة هزلية وسيرك لتصفية الحسابات الشخصية ذات الطبيعة الانتخابية أو التي تختزن مساراً من #187;الضغينة السياسية#171;، لا مكان فيها للعمل البرلماني ولا لمصالح المواطنين .
تحدي تطوير العمل البرلماني
الملك محمد السادس أكد أن تجديد البرلمان ارتبط بالتطور السياسي والاجتماعي والثقافي الذي عرفه المغرب، وهو ما مكن المجتمع المغربي، بما هو معهود فيه من رصانة وثقة بالذات، من إعطاء دفعة جديدة لمسلسل التحديث الذي يعرفه المغرب، مع تحسين تمثيلية النساء والشباب، في انتظار أن يجري العمل على تمثيل أوسع .
لقد تحقق هذا التجديد على وجه الخصوص بإصلاح دستوري إرادي كما يشير إلى ذلك الملك محمد السادس، تم إنضاجه عبر مسار طويل، كما تعزز بتأسيس برلمان جديد، إن في مستوى مكانته أو في نظامه أو في سلطاته .
وعلاوة على المنزلة الرفيعة التي يحظى بها في الصرح المؤسسي الدستوري، فإنه أضحى مصدراً وحيداً للتشريع الذي اتسع مجاله، فضلاً عما أصبح له من اختصاص في إقرار عدد كبير من القوانين التنظيمية، الهادفة إلى تفعيل مقتضيات الدستور الجديد، خصوصاً ما يتعلق بمواده الأكثر حساسية واستراتيجية، حتى إنه في بعض الحالات، وبتوجيه من الملك، فإن البرلمان يكون مؤهلاً للقيام بمراجعة دستورية من دون المرور عبر الاستفتاء .
وفي السياق نفسه، تم تعزيز دور المعارضة البرلمانية سلطةً نافذة، مع تخويلها وسائل عمل جديدة، تمكنها من مشاركة أقوى وأكثر مسؤولية في العمل البرلماني .
وتعميقاً لدور البرلمان في مجال مراقبة الحكومة، فقد تم تدعيمه دستورياً، ليتولى مهمة تقويم السياسات العمومية، من حيث اعتماد آليات للرقابة، وهو ما يفتح آفاقاً واعدة أمام إمكانية إدخال التعديلات الملائمة والضرورية على البرامج، في الوقت المناسب، وذلك من أجل ضمان حسن سيرها وإنجاحها .
الملك ربط تحقيق هذه الأهداف وترجمتها على أرض الواقع وتحقيق الجدوى منها، ولن يتسنى ذلك من دون المزيد من البذل والعطاء والتحلي بقدر عال من الوعي والتعبئة وإنكار الذات، وهو ما يقتضي القطيعة مع الممارسات المتجاوزة والتطوير الجذري للممارسة البرلمانية .
ولن يتم الإقدام على مساءلة الذات، في سياق هذا التطور المؤسسي، إلا من لدن البرلمانيين أنفسهم، والتحلي بالحزم والشجاعة، في انتهاج هذه الممارسة، في تجاوب مع انتظارات المغاربة ومتطلبات الدستور الجديد .
والمدخل الأساسي لتحقيق هذه الأهداف هو صياغة مدونة أخلاقية ذات بعد قانوني، تقوم على ترسيخ قيم الوطنية وإيثار المصلحة العامة، والمسؤولية والنزاهة، والالتزام بالمشاركة الكاملة والفعلية، في جميع أشغال البرلمان، واحترام الوضع القانوني للمعارضة البرلمانية ولحقوقها الدستورية، على أن يكون الباعث هو جعل البرلمان فضاء للحوار البنّاء، ومدرسة للنخب السياسية بامتياز، فضاء أكثر مصداقية وجاذبية، من شأنه أن يحقق المصالحة مع كل من أصيب بخيبة الأمل في العمل السياسي وجدواه في تدبير الشأن العام .
وفي هذا السياق، فإن أعضاء البرلمان يستمدون ولايتهم من الناخبين بغض النظر عن انتمائهم السياسي والترابي، وهم طبقاً لذلك مطالبون بأن يكونوا خارج كل حسابات سياسية ضيقة، في احترام تام للحوار الدائم والتعاون الوثيق والمتوازن بين الحكومة والبرلمان، كإطار راسخ، قوامه الاحترام التام لخصوصية كل منهما ومجال اختصاصه .
مع الاعتبار أن البرلمان أصبح يشتمل على كل الوسائل من أجل قيام أعضائه بإعطاء دفعة جديدة لعمله الدبلوماسي والتعاون الدولي، من خلال إغناء علاقات الشراكة التي تربطه بالبرلمانات الأخرى، معززاً بذلك حضور المغرب في المحافل الدولية لخدمة مصالحه العليا، وفي طليعتها قضية الصحراء .
مدونة جديدة
يقع على عاتق البرلمانيين تدشين منعطف تاريخي جديد من خلال تحمل مسؤولية ولاية تشريعية مؤسسة ورائدة، بإمكانها أن تجعل منها أكثر الولايات التشريعية إبداعاً وعطاء، لتكون هذه الولاية التشريعية من أكثر الولايات التشريعية مسؤولية عن بلورة قوانين تنظيمية جديدة وأخرى عادية، ينتظر منها استكمال مقتضيات الدستور الجديد، على الوجه الأمثل، في القطاعات المنصوص عليها .
وستكون هذه الأولويات طبقاً للترتيب التالي، فهناك إصلاح التنظيم الترابي الذي يعد من أهم المجالات المهيكلة، ويتعين توفير الشروط القانونية والتنظيمية لإقامة مجلس المستشارين في صيغته الدستورية الجديدة، وذلك بهدف تمكين المغرب من الجهوية المتقدمة .
وهناك الإصلاح القضائي، ونظراً لبعده الاستراتيجي، فإنه يتعين، في ما يرجع إلى مهمة البرلمان، اعتماد القوانين التنظيمية الخاصة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والنظام الأساسي للقضاة، مع الالتزام الدقيق بروح ومنطوق مقتضيات الدستور المتعلقة بالسلطة القضائية، وأن تجعل الهيئة العليا للحوار حول إصلاح المنظومة القضائية، من استقلاليته الحجر الأساس ضمن توصياتها .
وفي هذا الصدد، دعا الملك إلى اعتماد القوانين التنظيمية المتعلقة بتفعيل المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وكذا تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، بعيداً عن الأحكام الجاهزة والحسابات الضيقة، مع تطوير دور هيئات الحكامة الجيدة، والارتقاء بها إلى مستوى المؤسسات الدستورية، بمراجعة النصوص المنظمة لها، ووضع الإطار القانوني للمؤسسات الجديدة، وجعلها جميعاً في مستوى القيم والأهداف التي أنشئت من أجلها، وذلك طبقاً لمقتضيات النصوص الدستورية .
حصيلة غير مرضية
لكن الحصيلة التشريعية لبرلمان حكومة بنكيران لم تكن مرضية تماماً، فقد تميزت على العموم ببطء تشريعي كبير، جعل مجموعة من القوانين التي كان من المفروض أن يجري الحسم فيها في الدورة التشريعية الأولى، يجري تأجيلها إلى الدورة التشريعية الجديدة، التي لا شك أنها ستعاني الكثير من الضغط في أعمالها، وستكون سنة الحسم في الذهاب بالمغرب إلى مناخ سياسي ودستوري جديد .
الدستور الجديد يمنح للوزير الأول الحق في أن يربط لدى مجلس النواب مواصلة الحكومة مسؤوليتها بتصويت يمنح الثقة بشأن تصريح يفضي به الوزير الأول في موضوع السياسة العامة أو بشأن نص يطلب الموافقة عليه ولا يمكن سحب الثقة من الحكومة أو رفض النص إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب، كما لا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على اليوم الذي طرحت فيه مسألة الثقة، ويؤدي سحب الثقة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية .
وفي الفصل 76 من الدستور، يمكن لمجلس النواب أن يعارض مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها، وذلك بالموافقة على ملتمس الرقابة، ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه على الأقل ربع الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، ولا تصح الموافقة على ملتمس الرقابة من لدن مجلس النواب إلا بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، ولا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس، وتؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية، وإذا وقعت موافقة مجلس النواب على ملتمس الرقابة فلا يقبل بعد ذلك تقديم أي ملتمس رقابة أمامه طيلة سنة .
وفي الفصل 77 فإنه لمجلس المستشارين أن يصوت على ملتمس توجيه تنبيه للحكومة أو على ملتمس رقابة ضدها، ولا يكون ملتمس توجيه التنبيه للحكومة مقبولاً إلا إذا وقعه على الأقل ثلث أعضاء مجلس المستشارين، ولا تتم الموافقة عليه إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم هذا المجلس، ولا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس، ويبعث رئيس مجلس المستشارين على الفور بنص التنبيه إلى الوزير الأول، وتتاح لهذا الأخير مهلة ستة أيام ليعرض أمام مجلس المستشارين موقف الحكومة من الأسباب التي أدت إلى توجيه التنبيه إليها بعد إلقاء البيان الحكومي، ويجري نقاش لا يعقبه تصويت ولا يكون ملتمس الرقابة مقبولاً أمام مجلس المستشارين إلا إذا وقعه على الأقل ثلث أعضائه، ولا تتم الموافقة عليه إلا بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم، ولا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس، وتؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية، أما إذا وافق مجلس المستشارين على ملتمس رقابة فلا يقبل بعد ذلك تقديم أي ملتمس رقابة أمامه طيلة سنة .
لكن هذا الإجراء الدستوري الجيد، بعيد كل البعد عن التحقق، في ظل حياة سياسية مغربية قائمة على التوافقات، حتى إن كانت النصوص الدستورية تفتح الباب أمام إجراءات من هذا القبيل.