قال باحثون بريطانيون ان الشرطة ربما تتمكن يوماً ما من التكهن بلقب العائلة للمشتبه فيهم أو الضحايا الذكور بالاستعانة بالحمض النووي وحده.
وقال علماء في جامعة ليكستر حيث اكتشفت بصمة الحمض النووي (دي ان ايه) في 1984 انهم اثبتوا ان الرجال الذين يشتركون في لقب العائلة تربطهم في الغالب صلة جينية.
قالوا ان اكتشافهم يمكن ان يساعد الباحثين في علم الانساب وايضا المحققين في الجرائم بالاستعانة بآثار الحمض النووي الموجودة في الدم أو الشعر أو اللعاب أو السائل المنوي.
ويعتمد النظام الجديد على تحليل الحمض النووي من الكروموسوم (واي) الذي يجعل الجنين ذكرا والذي ينتقل مثل لقب العائلة من الاب إلى الابن. وليس من قبيل المفاجأة ان احتمالات صلة جينية قوية تعتمد على ندرة الاسم حيث وجدت أقوى الروابط الجينية بين المشتركين في الاسماء النادرة.
وكشفت دراسة اجراها الفريق على 2500 شخص انه كانت هناك فرصة بنسبة 42 في المائة في المتوسط في أن يشترك رجلان في لقب العائلة لجد مشترك لكن النسبة زادت إلى حوالي 50 في المائة عندما اصبح اللقب نادراً. وقالت توري كينج التي شاركت في الدراسة حقيقة وجود مثل هذه العلاقة القوية بين اللقب والكروموسوم من نوع (واي) يمكن ان يكون لها استخدام في الطب الجنائي. يشار إلى ان اختبار الحمض النووي ليس حديثا، ولكن التطور الذي حدث هو أن تكلفته أصبحت في متناول الفرد العادي، حيث بات بالامكان الحصول على صفحة الجينات العائلية بما لا يزيد على 300 دولار.
كما صار بالامكان طلب أدوات الاختبار بالهاتف أو عبر الإنترنت، حيث ترسل فرشاة لأخذ عينة من الخلايا الداخلية للوجنة، ثم ترسل العينة مرة أخرى ومعها المبلغ، وبعد شهر أو شهرين تصل النتائج، وهي مجموعة من الأرقام تمثل القيم الكيميائية الأساسية للحمض النووي، على ورقة قيمة تصلح أن توضع في برواز وتعلق على الحائط.
ويتبع أحد أنواع الاختبارات جينات الأم، عن طريق متابعة التغيرات الطفيفة في الأحماض النووية لجهاز إنتاج الطاقة بالخلايا، وهذا النوع من الأحماض النووية يتغير ببطء شديد، مما يعني أنه ذو فائدة محدودة بالنسبة للأغراض الوراثية، ولكنه يحدد نوع الجنس البشري الذي أتيت منه.
وهناك اختبار آخر يتتبع اتجاه الأب عن طريق كروموزوم واي للحمض النووي، والذي ينتقل مباشرة من الأب للابن، ويصلح هذا الاختبار للذكور فقط، وبمقارنة نتائج شخصين مختلفين يمكن أن تعرف هل هناك علاقة نسب بينهما خلال مئات السنوات الماضية، ويوضح ذلك الرسم البياني المسمى البصمة الوراثية.
ويشار في هذا الصدد إلى باحث ايرلندي سعى في منتصف الثمانينات للبحث عن جذوره الممتدة إلى مدينة ساحلية تسمى كويلتي، حيث عاش نصف سكان الإقليم الذي كان يقطنه بويل وهو اسم عائلة الباحث. وقد قاده البحث إلى إحدى العائلات هناك كانت تحمل اسم بويل وتسمى عائلة أوستين، وهو اسم مشهور في عائلته أيضا. وبعد اتصالات مكثفة مع هذه العائلة في إيرلندا، وبعد زيارته لها في ،1999 تعمقت علاقته معهم، وكان لهم أقارب متفرقون في أنحاء العالم، فأوستين بويل يعيش في إنجلترا، ومارتين بويل يعيش في استراليا. فاتصل بأوستين الإنجليزي وأوستين الأسترالي الذي أرسل إليه تاريخ مدينة كويلتي.
في شهر يوليو/تموز وافق أوستين ومارتين على إجراء اختبار الحمض النووي، وقد أجراه مارتين في معمل شجرة العائلة بمدينة هيوستون، وأجراه أوستين في معمل أكسفورد للأصول بإنجلترا، وقد حصل الباحث على الاختبارين لعمل المقارنات.
وفي عام واحد قام المعملان بعمل أكثر من 2000 عينة اختبار حمض نووي.
وقال ديفيد آشورث المدير التنفيذي لمعمل أكسفورد للأصول إن الرجل العادي يريد إجابة قاطعة إما نعم أو لا، لنا أصل مشترك أم لا، ولكن الأمر أعقد من ذلك بكثير، فاختبارات الحمض النووي تعطيك جداول وأرقاماً كثيرة، ويقوم المعمل بعمل مقارنة لاثني عشر اختبارا، فإذا كانت الأرقام متطابقة فمن المؤكد أن الاثنين متصلان ولديهم أصل مشترك، ولكن هناك احتمال 50% أن يكون اشتراكهم في الأصل حدث قبل 600 عام. أما إذا كان هناك اختلاف في قيمة واحدة فذلك يعني أن الأصل المشترك قد ظهر في مدة أبعد، وعلق دوغ موما وهو أخصائي جينات أجرى أكثر من 30 اختبار حمض نووي لعائلته: من الممكن حدوث اختلاف في رقم واحد، أما رقمان فالشك يزداد، فإذا وصل الاختلاف إلى ثلاثة أرقام فمن المؤكد أن الشخصين غير مرتبطين، وهذا الأمر يجعل الوضع صعبا، وخاصة مع افتراض وجود احتمال تبني أو خيانة زوجية.
ويضيف موما: الأمر يبدو وكأنهم يدخلون في صدرك ويطلعون على أدق أسرارك، حيث نتمنى جميعا الكتمان وخاصة في وجود الآباء أو الأجداد على قيد الحياة. وتوضح فيكي ميشيل أستاذة القانون وخبيرة الأخلاقيات البيولوجية، أن هذا إحدى مخاطر علوم الجينات، وطرحت استفهاماً عميقاً: افرض أنكم أنت وأوستين ومارتين توطدت علاقتكم العائلية وأصبحتم عائلة، فهل إذا اكتشفتم أنكم جينيا غير مرتبطين، ستختفي هذه العلاقة؟ أم أن العلاقات الاجتماعية مرتبطة بالتاريخ والتجارب المشتركة؟ اختبار الجينات استكشاف للمجهول في العلاقات العائلية، ويجب علينا حين نتوجه إليه أن نعلم أن طبيعة الخطو نحو المجهول أن تحدث أشياء تفرحنا وأحيانا تحدث أشياء لا تسعدنا.
وكان تعليق ميشيل حكيما ولكن الباحث كان متشوقا إلى معرفة النتائج.
وفي أوائل سبتمبر/أيلول ،2001 وصل إلى الباحث خطاب من معمل أكسفورد للأصول، وبعد أن درس الأرقام اتصل بأوستين في لندن، فلم يجده ووجد زوجته، فراجعت معه أرقام زوجها، فتطابق الرقمان الأولان.. أما الثالث فكان مختلفا، وجاء الرابع متطابقا فتنفس الصعداء، وجاء الخامس مختلفا ثم السادس أيضا، وجاءت بقية الأرقام متطابقة، وشعر حينها أنه خسر الرهان، ثم قال قد يكون بيننا علاقة بعيدة، ووعدها بالاتصال بأوستين مرة أخرى. وعندما حدثت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لم يستطع الباحث الاتصال بأوستين، ثم جاءه الرد من معمل هيوستن أنه بعد مقارنة النتائج بينه وبين مارتين لم يحدث تطابق، فهناك اختلاف في خمسة أرقام، وكان واضحا أن أوستين ومارتين جاءا من فرع آخر بخلاف الذي جاء منه، وبالرغم من أن علاقة بهما تكونت من خلال الهاتف والإنترنت، إلا أنه شعر بحدوث طلاق أو وفاة في عائلته.
ثم عاد الباحث وتحدث إلى أوستين في العطلة عن النتائج فكان تعليقه: هل أنت واثق في اختبار الحمض النووي؟، وأخبره أن جدته وكذلك جده من نفس عائلة بويل، وربما يكون الفرع الذي جاء منه هو عن طريق جدته، وكان أحد أبناء عمومتها متطوعاً لعمل اختبار الحمض النووي. وإذا لم يتطابق فهناك آخرون في العائلة وفروعها على استعداد ليكملوا البحث، وقال: عندما نشأت كان هناك ست أو سبع عائلات في مدينة كويلتي وكانت غير متصلة ببعضها.
وسأله أوستين عن مارتين بالتفصيل وعن مكان سكنه وهل له اخوة يعيشون معه؟
وعندما اتصل بمارتين في الجانب الآخر من العالم، سأله عن خرائط لمدينة كويلتي وعنوان أوستين الإلكتروني، وجد نفسه غارقا في دوامة من الشك في اختبارات الحمض النووي، وكل ما فعله هو أنه ساعد على وصل أوستين بمارتين وإيجاد علاقة طيبة بين أبناء العمومة على طرفي العالم.
كما يذكر في هذا الصدد ان البصمة الوراثية حسمت في يوليو/تموز الماضي جدلا دار حول ادعاء عائلة سعودية بانتمائها لسلالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وكان أفراد من أسرة النمر التي تنتمي للمذهب الشيعي قد أقاموا حفلا قبل عدة أسابيع أعلنوا فيه ثبوت انتمائهم لسلالة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن عبدالمحسن النمر ومعه مجموعة قليلة من علماء الشيعة وضعوا إعلاناً مدفوعاً في جريدة اليوم السعودية ينفون هذا الانتماء لسلالة النبي (صلى الله عليه وسلم). وانتهى الجدل باتفاق على اجراء تحليل للحمض النووي في الولايات المتحدة والذي أثبت عدم انتمائها.