تحقيق: راندا جرجس

تعتبر بطانة الرحم المهاجرة من المشكلات الطبية النسائية الأكثر شيوعاً بين الإناث بنسب وأعراض مختلفة، وفي أغلب الأحيان تنتج عنها آلام مزمنة ومزعجة ما يؤثر سلباً في المرأة المصابة جسدياً ونفسياً، ورغم ذلك لم يتوصل العلم حتى الآن إلى سبب الإصابة بها، وحول أعراض مرض بطانة الرحم المهاجر وكيفية العلاج ناقشت «الصحة والطب» الموضوع من خلال استشارة بعض الأطباء الأخصائيين في طب النساء والتوليد.
توضح الدكتورة أطياف إسماعيل أخصائية نساء وولادة، أن هذا المرض شائع حيث يصيب نحو 5 ــ 10% من النساء وأكثر عمر يظهر فيه 25 ــ 40 سنة، ويسبب المرض مشكلات مختلفة بنسب متفاوتة منها 25 ــ 40% يؤدي إلى صعوبة الإنجاب، و40 ــ 60% يسبب معاناة النساء من آلام الدورة، و75% تشتكين من آلام الحوض المزمن، فمرض بطانة الرحم المهاجرة يعني وجود خلايا مشابهة لبطانة الرحم تنمو في مناطق أخرى في الجسم، ومن الأماكن الأكثر شيوعاً لهذا المرض المبايض وفي الحوض وتوجد في الغشاء المساريقي وفي بعض الأحيان توجد في الأمعاء الغليظة والمثانة المجاورة للرحم، أو تظهر في المهبل، في منطقة الجرح في السرة، أو الرئة.. إلخ.
وتبين: «حتى الآن نجهل السبب الرئيسي ولكن هناك بعض النظريات التي توصلت إليها بعض الدراسات ومن أكثرها شيوعاً أن خلايا في بطانة الرحم تذهب بطريقة عكسية للمجرى من خلال أنابيب فالوب إلى الحوض أثناء الدورة وتسمى بالدورة العكسية، أو وجود خلل في مناعة الجسم يمنع إزالة الخلايا المبطنة للرحم من النمو في مناطق أخرى مثل المبيض ومنطقة الحوض... إلخ، وتأتي النظرية الثالثة موضحة أنه أثناء تكوين الجنين في المراحل الأولى بعض الخلايا من بطانة الرحم كذلك تتكون في أعضاء أخرى من الحوض عند تكون أعضاء الجنين أو أن الخلايا الطبيعية تتحول إلى خلايا بطانة الرحم عند البلوغ، كما أن هناك نظرية أخرى أوضحت أن قسماً من خلايا بطانة الرحم ترحل مع الدم أو اللمف وتنتقل إلى الأعضاء الأخرى أوهناك احتمالية أن قسماً من النساء تكون عندهم متوارثة، وتظهر كلما زادت ثقافة المرأة وتأخر حملها.
وتستكمل الدكتورة أن الأعراض تعتمد على مكان وانتشار المرض، فهناك قطاع من المصابات لا يعانين أي أعراض أو لديهم شيء بسيط منها، وأما الذين يعانون فتكون الأعراض عبارة عن شعور قليل بعدم الراحة إلى آلام الحوض الشديدة ممكن أن تؤدي إلى عدم الاستمتاع بالحياة، مع آلام عند نزول الدورة تبدأ قبلها ويبقى الألم أثناءها ويكون قويا مختلفاً عن ألم الدورة الاعتيادي، وكذلك يمكن أن تأتي الآلام عند الجماع ويبقى لعدة ساعات بعده، وهناك حالات تكون الآلام بالحوض، ويأتي أكثر قبل وخلال نزول الدورة إلى أن تنتهي، وكذلك صعوبة الخصوبة وذلك بسبب انسداد قناة فالوب نتيجة المرض وتأثيره في المبايض، مع وجود أكياس دموية على المبيض أو آلام عند استخدام دورة المياه.
وعن كيفية حدوث الألم تقول: «خلايا بطانة الرحم عندما تكون في غير محلها أثناء الدورة تستجيب للهرمونات وتفرز نفس الدم المفرز أثناء الدورة في داخل الجسم وهذا يسبب التهاب الأغشية وبالتالي تكوين الندب والالتصاقات ما يسبب قلة حركة الأعضاء فعند تحريك هذه الأعضاء يحدث الألم، مع إن انتشار المرض في المبايض يؤدي إلى حدوث أكياس المبيض التي تحتوي على دم بني غامق تسمى كيس الشوكوليت هذا الانتفاخ في الكيس أثناء كل دورة يؤدي إلى الألم، وتستطرد قائلة: إن بطانة الرحم المهاجرة ليست هي السبب الوحيد في هذا الألم الذي تشعر به المريضة فهناك حالات التهاب الرحم وملحقاته أو إجراء عمليات في منطقة الحوض يؤديان إلى الالتصاقات والشعور بنفس الألم، وأيضاً أمراض في المثانة أو القولون أو المستقيم«.
وحول آليات ما قبل العلاج تنصح الدكتورة قائلة: «نأتي أولاً إلى تشخيص الحالة ثم نفحص الحالة النفسية للمريضة وكيفية الاستجابة للألم، ثم أخذ نبذة عن تاريخ المريضة وتاريخ الإنجاب ومتى يحدث الألم أثناء الدورة أو بعدها، ومتى يكون أشد قوة ثم ننتقل إلى عدة فحوص طبية منها:
1- إجراء فحص سريري للحوض وأعضائه
2- إجراء أشعة السونار للأعضاء التناسلية
3- فحص بالمنظار واستخراج عينة للفحص النسيجي
4- مسحة من عنق الرحم للزرع.
5- فحص بجهاز الرنين المغناطيسي
6- تحري ارتفاع بسيط في Serum CA -125
وتؤكد أن العلاج لا يؤدي إلى الشفاء التام، وليست هناك طريقة محددة للعلاج للجميع، ولكن كل مريضة حسب حالتها وعمرها وخصوبتها والهدف الرئيسي من العلاج هو تخفيف الألم وتنظيم الدورة وكذلك تحسين الخصوبة، وهناك العلاج بالأدوية فهو يؤدي إلى تخفيف الآلام ويحسن عملية الخصوبة، أو وضع اللولب الهرموني داخل الرحم لمدة خمس سنوات في حالة أكملت العدد الكافي من الأطفال،أو العلاج بواسطة التدخل الجراحي ويكون في الغالب بواسطة الناظور، لفك الالتصاقات ورفع كيس المبيض..إلخ.
ومن جهتها تقول الدكتورة ندى الصادق أخصائية نساء وتوليد عن أعراض بطانة الرحم المهاجرة: «تبدأ المريضة بالشعور بآلام شديدة مصاحبة للدورة الشهرية لم تكن موجودة من قبل مع تزايد مستمر من شهر لآخر مسببة إزعاجاً شديداً لها، وعند مراجعة الطبيب النسائي يكون السبب في الغالب هو بطانة الرحم المهاجرة التي ترجع أسبابها إلى ارتجاع الدورة من مسارها الطبيعي إلى الأنابيب لخارج منطقة الحوض أو حول منطقة الرحم والمبايض، وهناك تفاوت في الحالات والأعراض فمنها الحالات البسيطة وتكون عبارة عن آلام شديدة فقط، ومنها الحالات الأكثر تفاقماً والتي يصاحبها وجود تكتلات وتكيسات دموية والتصاقات حول الأنابيب والمبايض ينتج عنها تأخر الإنجاب.
وتضيف: ليس للإصابة ببطانة الرحم المهاجرة سبب معلوم حتى الآن، فهي تنشأ فجأة وفي بعض الأحيان تتشابه الأعراض مع بعض من الأمراض الأخرى، ولذلك يكون التشخيص الفيصل الأول والأخير ومن بعده يأتي العلاج وعلى حسب المريضة متزوجة أم لا، وحسب الأعراض الموجودة هل هي بسيطة أم متطورة، فهناك درجات متفاوتة منها حالات بسيطة يمكن علاجها بالأدوية العادية فقد تم اكتشاف أدوية حديثة مخصصة لعلاج بطانة الرحم المهاجرة، وهناك حالات متفاقمة نضطر وقتها للتدخل الجراحي لفك الالتصاقات وإزالة التكيسات، باستخدام الأجهزة الحديثة مثل المناظير التي تساعدنا على تحديد نوع المرض ومن ثم استئصال وإزالة التكتلات والتكيسات أو النقاط التي تنتشر على بطانة الرحم. وتنصح الصادق بضرورة العلاج مبكراً ومراجعة الطبيب النسائي عند الشعور بآلام في منطقة الرحم أو الحوض ليتم تحجيم الألم لأنه من الأمراض التي تحتاج فترة طويلة في علاجها، بدلاً من تطور الحالة والدخول في أعراض أكثر إزعاجاً للمريضة، والوقاية من تطور الأمر الذي يعرض المرأة إلى أذى نفسي مستمر وضغوط تؤثر في حياتها وأسرتها وعلاقاتها الاجتماعية وتؤدي في النهاية بها إلى التقصير في كل ما يخصها.
وتضيف الدكتورة منى عزمي: «حالة الإصابة ببطانة الرحم المهاجرة تعكس وجود بطانة الرحم بعيداً عن مكانها الطبيعي، فمثلاً يمكن تواجدها في الحوض أو فوق مكان العملية القيصرية أو على المبايض ولذلك تسمى بطانة الرحم المهاجرة وفي الغالب تأتي بآلام وقت قدوم الدورة وتزيد أكثر مع نزولها وبعدها ونسميها آلام الدورة الشديدة الثنائية، وأعراضها الأساسية تختلف حسب كل حالة ولكن أهمها وأبرزها آلام الدورة وتأخر الحمل مع وجود تكيسات على المبايض أو وجود كيس دم والذي نسميه كيس الشيكولاتة، ومن بعد التشخيص نتأكد من أن الحالة تندرج تحت التشخيص كبطانة رحم مهاجرة، حيث نبدأ بتوقيف عملية التبويض ونتدخل جراحياً بالمنظار لاستئصال جميع التكيسات والنقط الموجودة فوق بطانة الرحم للتخفيف من الألم ومنع الارتجاع».
وتضيف:»لم يتوصل العلماء حتى وقتنا هذا للسبب الرئيسي في الإصابة ببطانة الرحم المهاجر، ولكن أغلبها نظريات أثبتت أن بطانة الرحم المهاجرة ارتجاع الدورة الشهرية داخل الأنابيب قبل نزولها، وكذلك تختلف طرق العلاج ما بين الحالات المرضية، فإذا كانت المرأة تريد الإنجاب يكون استخدام المنظار هو الحل الأفضل لإزالة واستئصال جميع التكيسات الموجودة ومن بعدها نبدأ بتنظيم عمليه تنشيط التبويض مع المتابعة بالعلاج لعدم تكوين تكيسات جديدة وفي حالات معينة تصل إلى ضرورة أطفال الأنابيب، وأما إذا كانت الحالة مصابة بآلام بسيطة فيكون العلاج بالأدوية هو الأنسب ومنها أدوية منع الحمل لتوقيف الدورة الشهرية بعض الوقت ومن ثم حدوث ضمور لبطانة الرحم.