على مدى الأربعة عقود الماضية، كان كثير من الناس لا يفكرون، عندما يسمعون كلمة بنغلاديش (ثالث أكبر البلدان الإسلامية سكاناً)، سوى في المصائب: الفقر والجوع والأعاصير والفيضانات والانقلابات العسكرية وأخيراً حرائق المصانع، لكن العالم اليوم بدأ يصيخ السمع أكثر إلى أصوات الاحتجاجات والمظاهرات المتصاعدة في البلاد على مدى الأشهر الستة الماضية، فبمجرد أن أصدرت محكمة جرائم الحرب حكم الإعدام بحق الشيخ حسين سعيدي، نائب رئيس الجماعة الإسلامية في 28 فبراير/شباط الماضي اندلعت في ربوع بنغلاديش مظاهرات احتجاجية كبيرة، واندفع مئات الآلاف من عامة الناس إلى الشوارع مرددين شعارات منددة بالمحكمة وبقرارها وكذلك بالحكومة . وقام المتظاهرون بإحراق مراكز للشرطة ومحطة سكة حديد ومرافق حكومية أخرى في مدينة شاهجهانبور بمنطقة بوجرا الشمالية، وهاجم آلاف الناشطين من حزب الجماعة الإسلامية في بنغلاديش الممتلكات العامة والمكاتب التابعة للحزب الحاكم رابطة عوامي، وجابهت الحكومة هذه الاحتجاجات بإطلاق النار الحي على الجماهير، الأمر الذي أدى إلى قتل 170 شخصاً وجرح الآلاف في خلال أسبوع واحد، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الحياة اليومية في بنغلاديش شبه مشلولة .
سرعان ما تفاقم الغضب الشعبي عندما عُثر على أحد المتظاهرين البارزين المدون أحمد رجب حيدر (26عاما) الذي كان يكتب في مدونات إلكترونية منتقداً الجماعة الإسلامية، مذبوحاً أمام منزله . ولم يمضِ وقت طويل حتى نزل الآلاف للتظاهر في ميدان شاهباج للتنفيس عن غضبهم الشديد تجاه كل من حادثة القتل، والأنشطة التي ترتكبها الجماعة، وأطلق المتظاهرون حملة توقيعات جماعية تعهدوا خلالها بمواصلة الضغط من أجل تحقيق مطالبهم، وتحديد 26 مارس/آذار الماضي (يوم الاستقلال)، موعداً نهائياً لحظر حزب الجماعة الإسلامية وتأميم أصوله . وفي المقابل تظاهر أنصار الجماعة الإسلامية في الشارع، ثم انضم إليهم حزب ديني أكثر تطرفاً هو حفظة الإسلام الذي خرج إلى الشوارع لمواجهة حركة شاهباج العلمانية وبقية الناشطين الذين نشروا مقالات اعتبرت إلحادية، هذا الحزب الإسلامي ركز في مطالبه التي رفعها للحكومة على عدد من القضايا على رأسها سن قوانين تجرم الإلحاد والتجديف، ومنع الاختلاط بين الجنسين . وعندما رفضت الحكومة الاستجابة للمطالب، خرج عشرات الآلاف من أنصار حفظة الإسلام إلى شوارع العاصمة دكا، لتندلع المواجهات مع الشرطة، وشهد شهر مارس/آذار الماضي فقط خمسة عشر يوماً من الإضرابات على المستوى الوطني والإقليمي .
وفي 6 أبريل/ نيسان الماضي كانت أكبر وأضخم مظاهرة في تاريخ بنغلاديش، إذ اجتمع أكثر من مليوني متظاهر في العاصمة دكا، قادمين من جميع أقاليم البلاد . وفي 6 مايو/ أيار الماضي، ثار الإسلاميون في شوارع العاصمة البنغالية ملوحين بالعصي والحجارة، إضافة إلى القنابل التقليدية، احتجاجاً على رفض الحكومة الاستجابة لمطالبهم بإقرار قانون مناهض للإلحاد والتجديف . وفي 10 يونيو/ حزيران الجاري، وقعت مواجهات بين الشرطة ومتظاهرين في عدد من بلدات بنغلاديش، فيما شل إضراب عام دعا إليه أكبر الأحزاب الدينية معظم مناطق البلاد، وأُغلقت المتاجر والمدارس في دكا وبدت الشوارع الرئيسية فيها مقفرة بعد دعوة حزب (الجماعة الإسلامية) إلى إضراب عام استنكارا لصدور حكمين بالسجن بحق قياديَيَن متشددَين (حميد الرحمن آزاد ونائب رئيس الحزب رفيق الإسلام خان) في محكمة جرائم الحرب الدولية، وتوقفت خدمة الحافلات الداخلية والشاحنات في أنحاء بنغلاديش بسبب الإضراب، وقد دعت أحزاب المعارضة، ومنها الجماعة الإسلامية، إلى أكثر من 300 إضراب خلال العام الجاري احتجاجا على ما تقول إنها محاكمات استعراضية لقياديين متشددين وللمطالبة بانتخابات في ظل حكومة بالوكالة . وأصبحت المظاهرات والإضرابات التي كانت ضد المحاكمات وضد أحكام الإعدام أو لتأييدها تحول العديد منها إلى المطالبة بإسقاط حكومة حسينة واجد، الأمر الذي يهدد باندلاع حرب أهلية، في ظل تحذير الحكومة باتخاذ إجراءات صارمة حال وقوع أي أعمال عنف .
وتعود جذور هذا العنف وتلك الاحتجاجات إلى عوامل واعتبارات عدة:
1- الاعتبارات التاريخية وهي تعود إلى المخاض المؤلم لانفصال بنغلاديش عن باكستان عام ،1971 في حرب ضروس أسفرت عن مقتل حوالي 3 ملايين شخص، واغتصاب أكثر من ربع مليون امرأة، وإجبار 10 ملايين آخرين على الفرار إلى الهند، تلك المآسي والجروح لم تندمل بعد، ولم تتمكن الدولة حتى الآن من التعامل مع ماضيها وتاريخها والروايات والتفسيرات المتناقضة بشأنه، وهو ما أصاب سياساتها الحالية بالخلل والشلل . وكانت بنغلاديش قد أقرت عام 1973 قانوناً يقضي بمحاكمة مجرمي الحرب، ولم يكد يمضي عامان على صدور ذلك القانون حتى تم اغتيال الأب المؤسس لبنغلاديش الشيخ مجيب الرحمن في انقلاب دموي، وقام الحكام العسكريون بتقنين وضع حزب الجماعة الإسلامية، وأجروا تعديلاً في الدستور لتغيير السياسة العلمانية في بنغلاديش .
وبعد عودة حزب رابطة عوامي بزعامة الشيخة حسينة واجد (ابنة مجيب الرحمن) إلى الحكم بانتصار كاسح في الانتخابات البرلمانية التي جرت في ديسمبر/كانون الأول ،2008 قامت حكومتها بتشكيل محكمة جرائم الحرب الدولية التي أصدرت أحكاماً قضائية بسرعة قياسية، في الفترة بين عامي 2010 و،2012 وأدين خلالها حتى الآن 11 شخصاً، من بينهم 8 في حزب الجماعة الإسلامية التي عارضت حرب بنغلاديش للاستقلال عن باكستان، وأدت المحاكمات إلى فتح جروح قديمة، وقسمت البلاد، إذ استمرت المعارضة في احتجاجاتها طوال هذه الفترة، ووصفت خالدة ضياء، رئيسة الوزراء السابقة وزعيمة حزب بنغلاديش القومي، المحكمة بأنها ذات دوافع سياسية، إذ شُكلت المحكمة من دون أي مشاركة أو إشراف للأمم المتحدة عليها .
2- تعد هذه الاضطرابات والاحتجاجات معركة واضحة بين الأيديولوجيات الدينية والعلمانية في بنغلاديش . فهي تأتي كرد فعل من قبل الأحزاب الإسلامية في البلاد على حركة جماهيرية بميول علمانية كانت قد انطلقت مطلع العام الجاري بتأييد من الحكومة، منزعجة من نفوذ المحافظين والإسلام السياسي، وتسعى إلى تسليط الضوء على دور الجماعة الإسلامية في أحداث عام ،1971 وإلى تقليص دور الإسلاميين في الحياة العامة، وإعادة بنغلاديش إلى جذورها العلمانية .
وفي 20 فبراير/ شباط الماضي، قال وزير القانون والعدل البنغالي شفيق أحمد: إن بلاده قررت العودة إلى العلمانية باعتبارها مبدأ دستورياً لفلسفة الدولة، وذلك في أعقاب حكم للمحكمة العليا أسقط تعديلاً دستورياً أدخل بعد انقلاب عسكري عام 1975 من القرن الماضي، مشيراً إلى أنه لا مانع الآن من العودة إلى مبادئ الدولة الأربعة، وهي الديمقراطية والقومية، والعلمانية، والاشتراكية، كما نادى بها النظام الأساسي للدولة عام 1972، وأن الشعب ستترك له حرية ممارسة العقيدة لكن لن يسمح له باستخدام الدين لأغراض سياسية .
3- هناك الاستقطاب والصراع السياسي بين الحزب الحاكم الذي ينتمي إلى يسار الوسط ذي الميول العلمانية الواضحة المسمى رابطة عوامي، فيما يقود المعارضة الحزب القومي من يمين الوسط الذي يركز على الهوية الإسلامية، هذا الاستقطاب يشكل جانباً من منافسة مريرة وطويلة بين رئيسة الوزراء حسينة واجد وزعيمة المعارضة خالدة ضياء، المتحالفة مع حزب الجماعة الإسلامية .
وقد تناوبت كل من حسينة وخالدة على منصب رئيس وزراء بنغلاديش منذ عام ،1991 وعداءاتهما الدائمة قد أكسبتهما لقب صراع البيجوم، ويتوقع أن تتواجه السيدتان مرة أخرى في الانتخابات المقبلة في يناير/ كانون الثاني 2014 .
4- هذا الاستقطاب الداخلي تغذيه تطورات إقليمية ودولية متباينة، فالقوى العلمانية (خاصة الشباب) التي تحاول مواجهة القوى الدينية المتشددة تستلهم ثورات الربيع العربي، في حين أن نشاط القوى الدينية يستمد نشاطه من مصائب الحرب الأفغانية ومأساة مسلمي الروهينجا في ميانمار المجاورة، وتطورات الوضع في كشمير وباكستان، فضلاً عن نشاط حزب التحرير (تأسس في القدس عام ،1953 وافتتح فرعاً في بنغلاديش عام 2000)، الداعي إلى إعادة دولة الخلافة الإسلامية، وإعادة توحيد بنغلاديش مع باكستان، بل صار في السنوات الأخيرة يمارس العنف لتحقيق أهدافه، الأمر الذي دفع السلطات البنغلاديشية إلى حظره رسميّاً في عام ،2010 ومطاردة واعتقال أبرز رموزه بتهم الإرهاب والإخلال بالأمن والسلم الأهلي .
* نائب مدير تحرير مجلة الديمقراطية في الأهرام