القليلون أدركوا بالطبع آنذاك ما يعنيه هذا الاتهام، وفي أي سياق جاء، ولخدمة من، أو التفتوا إليه. ربما عادت الذاكرة ببعضهم إلى عقد من الزمن كانت فيه المعركة سجالا بين هذين المنبرين الثقافيين ؛ الآداب وشعر، وربما اعتبر بعضهم هذا الاتهام ورقة متأخرة أضافها صاحب الآداب وشاعره الجديد إلى ملف قضية كانت ساخنة منذ أواخر الخمسينات (أي منذ صدور أول عدد من أعداد مجلة شعر في شتاء العام 1957) وحتى أواخر الستينات ثم لم تعد قائمة بعد أن ترسخ اتجاه كتاب مجلة الآداب، ودعمته موجة حماسية لما بدأ يطلق عليه أدب المقاومة انتشرت في كل الصحف، وغابت شكوك مجلة شعر في أسس الحياة الثقافية العربية ونقدها لضيق الأفق الشعري عند غالبية الشعراء العرب. ولكن الأغلبية، شأنها في ذلك شأن الذاكرة الثقافية العربية التي لا تعتني بالذاكرة، لم تكن تعرف أن عدد مجلة شعر الذي أشار إليه محمود درويش (عدد رقم ،38 ربيع 1968) تضمن قصائد لشعراء بدأت الصحافة العربية تطلق عليهم لقب شعراء المقاومة، وأن هذا العدد تضمن 10 قصائد لدرويش نفسه، بالإضافة إلى قصائد لسميح القاسم و توفيق زياد وراشد حسين ومحمد القيسي وآخرين، وكان درويش الأكثر حظا من زملائه في هذا العدد، وفي عدد آخر سبقه تضمن 4 قصائد له وحده (عدد رقم ،35صيف 1967). فهل كان مانشرته بالفعل أسوأ ما كتب في تاريخ الأدب العربي؟
***
لم يكن هذا الاتهام المجاني منصفا بالتأكيد، وأعتقد أن درويش لم يكن يعرف أنه بين الذين نشرت مجلة شعر شعرهم، وإلا هل يعقل أن يصف شاعر شعره بأنه أقسى هجاء لحركتنا الشعرية في ظهيرة ظهوره على سطح الحياة الشعرية محاطا بالرعاية السياسية والأدبية وكل ما يلزم لصناعة الشاعر النجم؟ لم يكن هذا الاتهام سوى نموذج دال على خلل يعتري الحياة الثقافية، وقد تواصل هذا الخلل، بما في ذلك خلل ومجانية الاتهامات التي أحاطت بمجلة شعر طوال التاريخ الذي شغلته. فما هي هذه المجلة أو هذه التجربة المتهمة الغائبة من دون حيثيات إلا من ذكر لها نصادفه هنا وهناك؟ وهل كانت سيئة النية وحادة الذكاء إلى درجة إقدامها على نشر ما اعتبره الشاعر، نجم المستقبل، أقسى هجاء لشعر أحاطت به هالة التقديس منذ البداية؟.
إذا كان لنا أن نأتي بعد كل هذه السنوات، ونحكم على نوعية الشعر الذي كرست له هذه المجلة نفسها، تواجهنا واقعة جوهرية، وهي أنها ومنذ أعدادها الأولى بدأت بنشر قصائد مجموعة مميزة من الشعراء العرب من أمثال سعدي يوسف وأدونيس ويوسف الخال ونازك الملائكة والسياب وأنسي الحاج وخليل حاوي والماغوط وسركون بولص.. إلخ، بالإضافة إلى مجموعة أخرى التقت بالشعر مصادفة ثم فارقته من دون أدنى مسؤولية من المجلة نفسها.
وعلى صعيد التنظير النقدي لم تكن المجلة مسبوقة حين نشرت دراسات ذات عمق لا يخفى في مجال الشعر ونقده. فعلى صفحاتها نشرت دراسات لمفكرين منفتحين على تيارات الفكر الغربي المعاصر، وأدارت نقاشات ومتابعات ما زال إيقاعها مبثوثا حتى الآن بين الشعراء والنقاد العرب من الأجيال التي كانت على مقاعد الدراسة الإبتدائية حين ظهرت شعر.
وعلى صعيد التجمع الأدبي، اشتقت المجلة لها لقاء اسبوعيا تحت اسم خميس شعر، بدأ مفتوحا ثم اقتصر على المعنيِّين جديا بالشعر والحركة الشعرية. وفي هذا الملتقى تحادث وتناقش السياب والماغوط وسلمى الجيوسي وجورج شحادة وادونيس وجملة متنوعة الإتجاهات من المثقفين العرب.
أما على صعيد الترجمة، فقد قدمت المجلة في الخمسينات نماذج من اشعار شعراء غربيين وأمريكيين لاتينيين ودراسات في شعرهم، وهم شعراء لم يتعرف إليهم المثقفون العرب ويبدأوا بالتأثر بهم إلا في وقت متأخر من أواخر القرن الماضي.
لقد كانت مجلة حركة شعرية فعلا، بكل ما تتصف به الحركة من تنوع وتجاذب وانعطافات وتناقضات، فجّرت شيئا مهما في الجو الثقافي، سواء كان ضدها أو معها، وسواء كان متفقا مع وجهة نظر رئيس تحريرها أو لم يكن. واجتمعت في سياق هذه الحركة منذ البداية مجموعة من الشعراء والكتاب، واختلف رئيس تحريرها، هذا إذا اعتبرناه الأب الروحي لها، مع الكثيرين في هذه المجموعة، اختلف مع نظريات نازك الملائكة النقدية في العام ،1959 ثم في العام 1962 بمناسبة صدور كتابها قضايا الشعر المعاصر، وتصادم مع سلمى الجيوسي في العام 1960 حول تقييم الوضعية العربية سياسيا واجتماعيا وثقافيا، ثم امتد الخلاف وشمل آخرين مثل أدونيس وغيره.
وعلى صعيد الجو الثقافي، اتخذت المجلة موقفا بارزا من المجموعات الشعرية التي كان يتوالى صدورها، ومن الآراء التي تقال في هذا السياق، سواء كانت تطرح في بيروت أو القاهرة أو بغداد.فميزت بين حداثة سطحية تقليدية في العمق وحداثة جادة شكلا ومضمونا منذ وقت مبكر لدى الشعراء. وهي وإن تحمست لعدد معين من الشعراء، ولعبت دور المعلن لهم، فقد نجح بعضهم في إعطاء مصداقية للإعلان، وفشل بعضهم فشلا ذريعا.
كانت مجلة ضد التيار بمعنى من المعاني، تيار التضخيم والمبالغة في قيم الأشياء، ووقعت أيضا ضحية رد الفعل، فبالغت في قيمة أشيائها وضخمت أحجام بعض شعرائها. وحين يحكم عليها الآن يحكم على تجربة ألقت نفسها في خضم مغامرة كانت ضرورية في وقتها وفي كل وقت أيضا، سقطت بعض فرضياتها، ونجح بعضها الآخر وأثبت صحته وجدواه. ورائد التجربة لا يكون عادة واثقا من شيء، إلا أن ثقة من نوع ما لابد منها لتبرير الاندفاع، والنزاهة ربما. هؤلاء المتخارجون عن الوضعية العامة، اكتسبوا بداهة التساؤل والشك في الرائج، وقادهم هذا إلى أحكام نقدية كانت أشبه بالتنبؤات. وكانت الثقة تصدر عن قدرة البداهة على هتك أستار المصطنع والزائف.