بني جامع الأمير منذر المعروف ايضا باسم جامع النوفرة انطلاقا من وجود نافورة مياه في صدر صحن المسجد، على عهد الأمير منذر بن سليمان بن علم الدين بن محمد التنوخي عام 1620م ايام كان والياً على بيروت زمن السلطان مراد الرابع العثماني في سياق جملة المساجد العثمانية التي قامت في بيروت في تلك المرحلة التاريخية تعزيزاً للوجود الاسلامي في المدينة باعتبارها مدينة رباط واهلها وسكانها، والواردون اليها من المدافعين عن ثغور المسلمين، والمأثور عن البيارتة حتى اليوم اعتبار انفسهم من المرابطين على هذا الثغر المدافعين عنه إلى يوم القيامة .
ولعله انطلاقا من هذا الايمان العميق كانت بيروت دوماً مدينة الزوايا والتكايا والمساجد والطرق الصوفية وموضع استقطاب المجاهدين المرابطين للدفاع عن العمق الاسلامي الواسع انطلاقا من بيروت وهذا ما جعل احد قيادات الحرب اللبنانية الراحلين يقول في خطاب له بقواته لتشجيعها على اقتحام بيروت قلعة الاسلام والمسلمين اننا نواصل مسيرة فرنسوا دي بويون والمعروف ان المذكور كان قائداً للحروب الصليبية على لبنان .
أضرحة مندثرة
ويقع مسجد الأمير منذر في الوسط التجاري لمدينة بيروت غربي الجامع العمري الكبير، ويروى انه دفن في شمالي بابه الأمير منذر التنوخي، والأميران ملحم ومنصور حيدر الشهابي الا ان تلك الأضرحة زالت واندثرت ولم يبق منها الا ذكرها بعد مرور 390 عاماً على بناء هذا المسجد الذي جاوره يوماً مقر السكن الشتوي للأمير منذر وإلى بيروت وبانيه، وكان يتكون من طابقين ملاصقين للجانب الجنوبي الشرقي للجامع، مشابهاً في ذلك لعادات امراء بيروت في الاقامة بقرب المساجد للتبرك بسماع صوت الأذان منها .
كان لجامع الأمير منذر الكثير من الاوقاف من الدور والمحال والاراضي الزراعية لينفق ريعها على الجامع، ويذكر خليل البرهومي الباحث في تاريخ مساجد بيروت ان متولي اوقاف جامع الامير منذر كان الحاج سعيد ابن الشيخ حسن الداعوق فيما كان إمامه وخطيبه الشيخ محيي الدين ابن الشيخ احمد طبارة ومن بعده ابنه الشيخ عبد الله طبارة وعائلتا الداعوق وطبارة من عائلات بيروت المعروفة اليوم الا انه لا يذكر تاريخ التولية او الإمامة والملاحظ أن العلامة التي استخدمها الأمير منذر كشعار لحكمه ما زالت موجودة على منبر جامع النوفرة وهي الله حق ما في شك وهي عبارة تستعمل اليوم في بيروت كحكمة شعبية يرددها الكبار في السن عند حصول امر خير أو سيئ لشخص اشتهر عنه انه من اهل الخير او من أهل السوء ليدللوا على انه كما تجازي تجازى وكما تدين تدان، والكلمة نفسها تردد في اوساط طائفة الموحدين وفيهم الكثير من العائلات التنوخية الانتساب، والمميزة ببعض اقوالها كقولهم في ايام التعازي تعيش قد ما العمر يليق أي لتعش بقدر ما تليق لك الحياة .
المحراب والمئذنة
يشغل مسجد الأمير منذر مسطحاً قدره 25،28 * 80،22 متر وينقسم المسقط إلى جزئين، صالة الصلاة أي الحرم والصحن المحاط برواق من جميع الاتجاهات تتوسطه بركة الماء، والحرم مستطيل الشكل بعرض 20،7 متر وطول 20،18 متر ويرتفع عن منسوب ارضية الرواق المحيط بالصحن باربع درجات اي ما يقارب 90،0 من المتر، وعند اعلى باب المدخل السدة الخشبية، فيما ينتظم المحراب في وسط الحائط الجنوبي تقريباً وهو مغطى بألواح من الرخام الابيض المائل إلى اللون الرصاصي والرخام الاصفر الفاتح وقد وضع المحراب في قوصرة معقودة بعقد مدبب كسيت واجهته واطرافه بالرخام الابيض والاصفر على التوالي بصورة عمودية، ويكتنفه عمودان من الرخام الابيض إلى الجانبين قطرهما السفلي اكبر من العلوي ويعلو كل واحد منهما تاج مقرنص .
اما المنبر فهو من الرخام الابيض وذو مدخل معقود بعقد يشكل جزءا من دائرة، فيما أرضية بيت الصلاة من البلاط الحجري وكذلك الصحن، اما المئذنة فترتفع 31 مترا، بعضها مختلف الارتفاع عن حائط المسجد فيما بعضها الآخر يرتبط به في الصفوف العلوية وينتهي الجزء الاوسط من جسم المئذنة بشرفة محمولة بواسطة ستة مقرنصات يتم الخروج اليها عن طريق باب معقود بعقد شبه دائري، فيما المئذنة المسدسة الاضلاع تنتهي بمسقط مثمن قليل الارتفاع ينتهي بمخروط يحمل الهلال .
ومسجد الامير منذر او جامع النوفرة تمت عملية تجديده وترميمه عام 2002 بعدما كان طوال سنوات الحرب اللبنانية في اخطر مناطق الصراع حول الاسواق التجارية الرئيسية في بيروت ما قبل الحرب وعلى مقربة من المجلس النيابي اللبناني .
يبقى ان نقول، ان قلب بيروت بصورة كاملة يعتبر في ابنيته ومساجده وزواياه السابقة والتي ازيلت في عهد الانتداب هو على الطرازين المملوكي والعثماني في ابنيته وان الجديد من الأبنية العصرية التي قامت في بيروت بعد الحرب لا توازي فخامة البناء المملوكي والعثماني ولا دقته ولا تقنيته على الرغم من ان كبار المهندسين وضعوا هندستها وهي من وجهة نظر ابناء جيلنا كانت هندسة بلا روح وجمالاً مصطنعا بلا قلب نابض بالحياة .