خلافا لكل معارك التجديد الشعري في تاريخ العربية، كان على شعراء قصيدة النثر في مصر أن يفتحوا النار على أكثر من جبهة، وأن يواجهوا حركة واسعة لإقصائهم من خريطة الشعرية العربية، وظل أغلب هذه المناوشات بعيدا عن تقييم المنجز الشعري، متوقفاً عند: هل ما يكتب هنا شعر أم لا؟ وهي الإشكالية التي تجاوزتها شعريات عربية عديدة، حتى في كثير من البلدان التي تنحاز إلى الذائقة التقليدية، بحكم التركيبة الاجتماعية المهيمنة على أنساق العلاقات فيها.

أحد النقّاد الكبار عزا هذا الجمود في مواجهة الحركات التجريدية إلى وجود مؤسسة الأزهر، وهي الذريعة التي لا تصمد أمام الاختبار، فتلك المؤسسة العريقة لم تحل دون التطورات التي لحقت بالشعر على أيدي أنصار المدرسة الرومانسية، وأصحاب مدرسة الديوان، وحتى حركة التفعيلة، التي كانت تواجه خصوما من الكلاسيكيين الذين ينتمون إلى الشكل التاريخي في كتابة الشعر، ومع ذلك كان حضورها طاغيا لظروف تاريخية مساعدة في ذلك الوقت من منتصف القرن العشرين.

قصيدة النثر المصرية في اللحظة الراهنة لا تزال تقف في خندق الدفاع عن النفس، ضد كبار الشعراء والنقاد المحافظين، وضد كثير من الشعراء الذين يتخذونها مطية سهلة الركوب، وهو ما أصابها في مقتل، حيث يستشهد أولئك النقاد المسنون بنماذج رديئة من هؤلاء الشعراء كمبرر لرفضهم قصيدة النثر كاصطلاح وتاريخ، فهي حتى لدى روادها أمثال محمد الماغوط وأنسي الحاج شعر ناقص. وهو التعبير عن ابتداعه أحمد عبدالمعطي حجازي في مقالاته التي جمعها في كتاب القصيدة الخرساء.

وبعيداً عن تقييم المنجز نفسه لدى شعراء قصيدة النثر المجيدين، وأكثرهم أصدر ما يزيد على خمسة دواوين، جرى البحث عن شرعية لهذه القصيدة، فعاد البعض إلى مأثورات فرعونية، وتقدم البعض إلى الأمام قليلا فنسبها إلى كتابات الصوفية، وعلى وجه الخصوص لدى النفري، من دون أن يلتفت هؤلاء إلى المنجز الذي تركه حسين عفيف، بموازاة أساطير الحركة الرومانسية.

هذا الضجيج عطل تطور قصيدة النثر المصرية، لأنه جر الشعراء إلى الانشغال بمعارك جانبية، لا تفيد بقدر ما تضر، فبدا عدد كبير منهم يبحث عن شرعيته كشاعر من خلال المؤسسة الثقافية الرسمية، التي تناصب هذا الشكل العداء، فبرغم إصرارها على حرمان الشعراء من جوائز الدولة التشجيعية إلا أنك تجد من يصر على التقدم لهذه الجائزة، وعندما يجانب الحظ أحدهم نراه يبكي ذلك في قصيدة تتحدث عن إهدار المال العام في مثل هذه الجوائز التي تذهب لغيره طبعا، فإذا كنت شاعرا تنعم بالهامش الذي تقدم له في قصيدتك.. فلماذا تسعى لاعتراف المتن بك، من خلال الجوائز والمشاركة في المهرجانات التي تنظمها المؤسسة الثقافية الرسمية.

هناك جيلان يكتبان قصيدة النثر الآن في مصر، ويطلق عليهما جيلا الثمانينات والتسعينات، كان الجيل الأول يكتب قصائد التفعيلة، إلى أن جرى هذا التحول في كتابتهم.

الشاعر علي منصور يكاد يكون حالة نموذجية لهذا التحول، لدى أبناء جيله، فبعد أن أصدر أكثر من ديوان تفعيلي اتجه تماما إلى قصيدة النثر. وهو يرصد معنا أسباب هذا التحول قائلاً: في الثاني من أغسطس/آب 1990 تعرضتْ مسلّمات كثيرة لامتحان قاسٍ، لم تحتمله في قليل أو كثير، تخلخلت قناعات كثيرة، واستيقظت شكوك أكثر، وانسحب ذلك على عديد من التصورات السابقة، أدركت أن ثمة انفصاما بين القول والفعل، وشعرت بهوة صارخة تفصل بين ما هو طاغٍ في الذهن وما هو منحسر في الواقع، لم أدر إلا وأنا أكتب قصائد نثرية، لا تعول على شيء، لا على ما أكتب ولا على رد الفعل لما أكتب، فقط كنت في حاجة إلى العثور على ما يجعلني أتماسك من جديد، كنت في حاجة إلى قناعات جديدة، ولم يكن ثمة تعمد في التخلص من تأثيرات السابقين، ولا كانت ثمة قصدية في الانتقال إلى كتابة قصيدة النثر، فقط كان محض انتقال للذائقة من طور إلى آخر، ومحض ظرف تاريخي أدّى إلى زحزحة قناعات لمصلحة قناعات أخرى.

تلك اللحظة التنويرية وما أدت إليه من تحولات ستجدها لدى أكثر من شاعر، فقد كانت آثار حرب الخليج الأولى طاحنة بصورة لم تحتملها أحلام هذا الجيل فانهار تحت وقعها، وخرج ليكتب قصيدة النثر، كتعبير عن تلك اللحظة القاسية، وامتدادا لتلك الإحباطات التي تواجه بنكران المؤسسة الثقافية الرسمية يصرخ علي منصور قائلا: أنا أكثر شاعر مصري تناسل فيمن جاء بعده من شعراء وعشرات النصوص التي تكتب الآن يمكنك ردها بسهولة إلى مجموعتي الشعرية ثمة موسيقا تنزل إلى السلالم.. هذه اللغة المتعالية من علي منصور كان دافعها ذلك الصراع القائم بين الأشكال الشعرية، وبين البحث عن نافذة اعتراف صغيرة، تأتي من أي مكان.

ويمكننا أن نتوقف أمام رؤية الشاعر فتحي عبدالله التي تضع تلك الصراعات في حدودها، فهي، في نظره، لا تعكس أهمية قصيدة النثر كشكل في الأداء، ولا تعكس أيضا انفصالا عن الواقع، كما يردد المحافظون، وإنما تعكس بالدرجة الأولى عدم تحقق شعراء هذا النمط في سياق الثقافة المصرية، ما يدفعهم جميعا إلى ممارسات عدوانية عنيفة، تجاه الأشكال الأخرى، وتمثيلاتها في السلطة أو خارجها، وبهذا المعنى فليس هناك استقرار لقصيدة النثر، وإن هيمنت على الأداء الشعري بكامله، وهذه الصراعات لا تخلو من دوافع غير شعرية، أهمها الرغبة في الوجود من خلال هذا الاستعراض الاحتفالي الذي يمارسه أنصاف الشعراء وأرباعهم كلما سنحت الفرصة.

يقول فتحي عبدالله: أظن أن معظم هذه المعارك مفتعلة وزائفة وتحدث باستمرار للتغطية على إشكاليات حقيقية لدى الجماعة الثقافية، مثل عدم وجود مجلة ثقافية واحدة، تهتم بأشكال الأداء الحديث في مصر سواء أكانت أهلية أم رسمية، كما أن الجماعة الثقافية، كقوة ضغط في المجتمع، أصبحت تابعة إما لقوى خارجية ترى في المجال الثقافي أهمية خاصة للسيطرة وتوزيع الأفكار والتيارات التي تخدم أغراضها السياسية، وإما داخلية تدعو إلى تخفيف حدة العنف بين الشرائح والطبقات الفاعلة، ولكي يتم ذلك كان لابد من اختلاق صراعات صغيرة من هذا النوع للتضليل.

وتنفيذا لتلك الأجندة يرى فتحي عبدالله، وكلماته هنا تصيب أبناء هذا الشكل الشعري، الذي يعد أحد أبرز من يكتبونه، فهو يؤكد أن الشعر العربي الحديث كله لم يقرأ قراءة واعية تضعه في السياق الاجتماعي الذي أنتجه.

هذا الصراع تراه الشاعرة فاطمة ناعوت أمرا طبيعيا ملازما للحظات المخاض، فقد حدث مثل ذلك النكران من قبل التأثيريين في أواسط القرن التاسع عشر تجاه المدرسة التكعيبية لدرجة أن رينوار لم يعتبر ماتيس مصوراً، لأنه كسر قانون التشكيل، فهو لم يحترم النسب الطبيعية للموجودات المحيطة، كان مقياس الفن هو المحاكاة والتقليد، ثم فرضت الفردانية نفسها مع القرن العشرين كانعكاس للثورات والحروب، لينتج الفنان رؤاه الخاصة، والشعر فن لا ينفصل عن تلك الرؤى.

ويشير الشاعر محمود خير الله إلى أن أغلب رافضي هذه القصيدة ليسوا فقط هم أصحاب الذائقة التقليدية، موضحا أن قصيدة التفعيلة تم تدجينها واعتمادها من قبل المؤسسة الرسمية.

ويؤكد خير الله أن المعارك حول قصيدة النثر، أشد عنفا لأن الخلاف حولها معركة وجود لدى عدد كبير من الشعراء، وكل قصيدة جديدة تحتاج إلى هزة عنيفة في الثقافة السائدة، لابد من خلخلة البيان السائد، لتنفذ القصيدة الجديدة إلى قرائها.

الكلام يدور حول صورة النقد المتعاطي مع قصيدة النثر، يدور عن المؤسسة الثقافية الرسمية التي تتجاهل تلك القصيدة، أما عن صورة الأول النقد فالشاعر فتحي عبدالله يراه عملا حضاريا، يرتبط بتطور المجتمع ومؤسساته الفاعلة، وبهذا المعنى ليس لدينا في الثقافة العربية الحديثة إلا عدد قليل من النقاد، تم تهميشهم وحذفهم.

وعلى نحو أكثر قسوة يوضح محمود خير الله بداخل كل منا مثقف ومعلم ذاتي، لأن نقادنا إما شيوخ عجزة أو شيوخ مراهقون يصبغون شعورهم باللون الأسود ويصنعون الظواهر المزيفة، إن الممارسة النقدية في بلادنا وصلت إلى طريق مسدود وأصبحت مثل عمليات السمسرة، وعلى الشاعر اليوم أن ينسى شيئا اسمه النقد، إلا إذا كان يراهن على سراب.

وعن أسباب القطيعة بين النقد وقصيدة النثر يشير علي منصور إلى أنه لا توجد حركة نقدية جادة مواكبة لقصيدة النثر، لأسباب منها التفاوت الكبير في النصوص التي تنتمي إلى هذا الشكل، الأمر الذي قد يدفع الناقد الجاد إلى التراجع عن دراسة النماذج العالية حينما يواجه بطوفان من النماذج الركيكة والمتواضعة.

ويقول منصور: قد يتراجع الناقد الجاد عن تناول هذه القصيدة حينما يرى الساحة النقدية تعج بأشباه النقاد، فيؤثر الصمت على ألا يتورط في الولوج لساحة الشبهات، وربما يغفل الناقد عن بحث وتحليل هذا الشكل الشعري على إثر المعارك التي تنشب على صفحات الجرائد بين الحين والآخر، حول مدى مشروعية قصيدة النثر.

علي منصور، من ناحية أخرى، يرى أن حكاية الشكوى من المؤسسة الثقافية حكاية عجيبة ومضحكة، فبعض الكتّاب الكبار يهاجمون المؤسسة ويعلنون أنهم ضدها، ولو تأملت الأمر جيدا لوجدت أن الواحد منهم مؤسسة بكاملها، بل يمارس على الآخرين ممارسات أقسى مما يشكو منه.

أما عن شكاوى شعراء قصيدة النثر، كما يرى منصور، فكلٌ يغني على ليلاه، وليلى هذه قد تكون منحة تفرغ أو جائزة أو مكافأة نشر أو المشاركة في مؤتمر شعري، وأكثر الأصوات شكوى من المؤسسة هم أكثر المستفيدين منها، قليلون هم الذين لم يتورطوا في تلك اللعبة، فلم يجأروا بالشكوى ولم يعوّلوا على شيء، لأنهم لا يريدون من المؤسسة شيئا.

مر أكثر من ربع قرن على تلك اللحظة المفصلية التي مثّلت انقلابا فنيا في حياة العديد من الشعراء المصريين الذين يكتبون قصيدة النثر، وظلوا طوال هذه السنوات يكتبون القصيدة ويشتبكون -في الوقت ذاته- في معارك جانبية أشبه بمحاربة طواحين الهواء، دون أن تدفع هذه الحروب الصغيرة بدماء جديدة في شرايين القصيدة، ربما كانت المرة الأولى التي عكفوا فيها على فعل ثقافي حقيقي، حين التفوا حول مجلة الكتابة الأخرى التي سيعود محررها العام هشام قشطة إلى إعادة إصدارها بعد توقف طال كثيرا، وكانت المرة الثانية التي عكفوا فيها على فعل ثقافي حقيقي حين نظموا الملتقى الأول لقصيدة النثر في مارس الماضي وحقق نجاحا كبيرا، إلا أن هذا النجاح مهدد بالتراجع، إذ يتراشق أطراف في اللجنة التحضيرية للملتقى الأول بالاتهامات على نحو ينذر بانقسام خطير يجعل نجاح هذا الملتقى الأول مصادفة لن تتكرر.

رفض دائم

قصيدة النثر المصرية في اللحظة الراهنة لا تزال تقف في خندق الدفاع عن النفس، ضد كبار الشعراء والنقاد المحافظين، وضد كثير من الشعراء الذين يتخذونها مطية سهلة الركوب، وهو ما أصابها في مقتل، حيث يستشهد أولئك النقاد المسنون بنماذج رديئة من هؤلاء الشعراء كمبرر لرفضهم قصيدة النثر كاصطلاح وتاريخ، فهي حتى لدى روادها أمثال محمد الماغوط وأنسي الحاج شعر ناقص. وهو التعبير عن ابتداعه أحمد عبدالمعطي حجازي في مقالاته التي جمعها في كتاب القصيدة الخرساء.

تحول سريع

هناك جيلان يكتبان قصيدة النثر الآن في مصر، ويطلق عليهما جيلا الثمانينات والتسعينات، كان الجيل الأول يكتب قصائد التفعيلة، إلى أن جرى هذا التحول في كتابتهم.

الشاعر علي منصور يكاد يكون حالة نموذجية لهذا التحول، لدى أبناء جيله، فبعد أن أصدر أكثر من ديوان تفعيلي اتجه تماما إلى قصيدة النثر. وهو يرصد معنا أسباب هذا التحول قائلاً: في الثاني من أغسطس/آب 1990 تعرضتْ مسلّمات كثيرة لامتحان قاسٍ، لم تحتمله في قليل أو كثير، تخلخلت قناعات كثيرة، واستيقظت شكوك أكثر، وانسحب ذلك على عديد من التصورات السابقة، أدركت أن ثمة انفصاما بين القول والفعل، وشعرت بهوة صارخة تفصل بين ما هو طاغٍ في الذهن وما هو منحسر في الواقع.