استفادت الرواية العربية عبر فترات تطورها في العقود الخمسة الماضية، من التطور الكبير الحاصل في الرواية الغربية، من حيث الشكل والمضمون، وهو الذي ألقى بتبعات كثيرة على فن الرواية بوصفها رواية مدينية معنية برصد تحولات المجتمع والنقلات السريعة في البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بشكل عام.

وفي الوقت الذي استطاعت فيه الرواية الغربية، أن تنجز حضوراً لافتاً في المشهد الأدبي العالمي، كانت الرواية العربية، تشق طريقها بصعوبة بالغة، في مجتمعات عربية غير مستقرة، تشكو من تفاقم المشكلات السياسية والاجتماعية، وهو الذي تنبه إليه الروائيون العرب، بوصفه موضوعا حيويا، يمكن استثارته من خلال الأدب، بل يمكن محاكاته والتعبير عنه، كون الرواية في نهاية المطاف تعتبر فناً زمنياً، والزمن في الرواية مرتبط ارتباطا عضويا بالمكان، هذا المكان الذي يمثل مساحة جغرافية كبيرة، ويعج بأحداث وصور، ومشاهدات ارتمت في أحضانها، مجموعة من المتناقضات، شكلت موضوعات حيوية للرواية العربية على رأسها موضوع الحرية، سواء كانت الحرية السياسية أو الاجتماعية، وهو الذي أصبح موضوعا راسخا، يجذب القراء إليه، ويؤمن للرواة فسحة معقولة من الرواج، في الوقت الذي كانت فيه معظم هذه الأعمال تعاني من مشكلات أساسية، سواء من حيث الحبكة الروائية، أو في ما له صلة بعناصر الدهشة أو التخييل، وفي الوقت الذي بلغت فيه الرواية الغربية مستوى رفيعا من النجاح، على صعيد الموضوع والاشتغال الروائي الفني، الذي تجاوز الواقع إلى نموذج آخر من الواقعية التخييلية أو الواقعية الغرائبية، كما برع فيه الكاتب العالمي ماركيز، ظلت الرواية العربية مشغولة بمشاكلة القضايا العامة، من دون أن تؤسس لخطاب سردي مقنع، على الرغم من النجاحات الخجولة، هنا وهناك، وعلى الرغم من الجوائز واللقاءات والندوات التي صارت تعقد باسم الرواية العربية وتحتفي بها، على غرار ما هو معمول في الأوساط الثقافية الغربية، وفي محافل النقد وأوساط الأكاديميين والجامعات.

الواقع هو البطل، وهو الموضوع، وهو الأطروحة، نقل الرواية العربية، إلى كماشة الواقع نفسه، وهو واقع سوداوي مرير، في تفصيلاته السياسية والثقافية والفكرية، وهو الذي بدا باهتا في التناول الأدبي، في عدد كبير من الأعمال التي ظلت تراوح مكانها، وتسرد لسان حال شخصيات متخفية في الضمائر، تضيع حبكتها الفنية بين تأويلات واقع مفترض، ونموذج حكائي متنقل، على هيئة سيرة ذاتية أو شخصية، وموضوعات وتفاصيل تلامس الواقع، ولا تقترب منه، وتشاكل القضية أو تدغدغها ولا تتجرأ على البوح أو التقدم خطوة إلى الأمام.

محاكاة الرواية العربية للواقع، وهو الموضوع الذي لعبت عليه الرواية الإماراتية، حتى مع الموجة الجديدة للرواة الجدد، وما يندرج تحت هذا الموضوع من تفاصيل لها علاقة سواء بحرية الفرد أو الحرية الاجتماعية والسياسية، حتى ذلك الذي يتصل بالقضايا المصيرية الكبرى، لعب في معظم الأحيان على عنصر الوهم والإيحاء، وهو ما أشارت إليه الناقدة فاطمة المحسن، التي سلطت الضوء على الرواية العربية الواقعية، بوصف الواقع، وما يدور فيه من قضايا راهنة، كان محفزاً لعدد من الروايات اللافتة التي حظيت بجوائز وبقراءات متنوعة من قبل النقاد العرب، وتساءلت: «كيف حدث هذا؟ وهل تبقى الرواية العربية أسيرة»واقعيتها أو أسيرة «واقعها» وفرق بين الاثنين مصطلحاً، ولكنهما يؤديان في النهاية إلى دائرة ضيقة تدور فيها الرواية العربية حول نفسها».

كثير من الصبر والجلد، هو ما تحتاجه الرواية العربية، وكثير من المثابرة، هو من التحديات التي تواجه الكتاب العرب، لا سيما أنها -أي الرواية - ما زالت غير قادرة على سبر أعماق المشكلات التي يعاني منها الوطن العربي، الذي يعاني في بعض البلدان من صور شتى من أشكال قمع ومصادرة الحريات، وفي ظل هذا الواقع سوف تظل الرواية تواجه تحديات جمة، لتثبت قدرتها على التفاعل والإقناع واللحاق بركب الرواية الناجحة في العالم، لا سيما أن الشعبية التي تحظى بها الرواية في الساحة العربية، هي شعبية لافتة تجاوزت الأجناس الأدبية الأخرى من قصة وشعر، وهي من الموضوعات المرغوبة من القراء الشباب، حتى في مواقع التواصل الاجتماعي وهي كثيرة ومتنوعة.

عثمان حسن