ليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها الكلام عن تداخل الأجناس الأدبية وصلة القربى بينها أو معاينة المشتركات الجمالية الداخلة في تأليف نسيج العمل الأدبي، ومن المعروف أن التداخل بين الأجناس الأدبية قاد إلى ما يسمى النص المفتوح، أي النص الذي يستوعب في بناءاته الفنية الشعر، والسرد، والحوار، والقص، ولكن بعض المتحمسين لهذا النوع من الكتابة ذهب إلى ما هو أبعد من انفتاح النص على أكثر من نوع أدبي، فقالوا بدخول المفردة التشكيلية إلى العمل الأدبي، ودخول الموسيقى، ودخول بعض المفاهيم الفنية السينمائية إلى النص.. وهكذا يجد القارئ نفسه في ما يشبه «القطيعة» مع نصه الأدبي في شكله التقليدي الذي تعود عليه، فالقصة القصيرة لم تعد قصة قصيرة صافية، والرواية لم تعد رواية مغلقة على ما هو متعارف عليه في فنيات الرواية، والقصيدة لم تعد أسيرة العمود الشعري، والتفعيلة، والوزن، والقافية.. وبكلمة ثانية زحف المسرح نحو الشعر، وزحفت السينما نحو الرواية، وزحف الحوار إلى القصة، بل وصل التداخل بين الأجناس الأدبية إلى تمدد الشعر إلى الرواية، وانتقال السرد إلى القصيدة، وبكلمة ثانية، إن مفهوم التداخل هذا نقلنا إلى شكل أدبي واحد فيه مجموعة أشكال، ومع ذلك فإن هذا النوع من الكتابة (المركبة) إن جازت العبارة لم يتموضع بوصفه جنساً أدبياً مستقلاً، ولم يشكل حتى الآن (ظاهرة) كتابية في حد ذاتها. صحيح هناك «نثريات» شعرية سردية حوارية، ولكنها مجرد «متفرقات» مكتوبة بلا هاجس مهم في الكتابة وهو «المشروع».. إنها محاولات، ولكنها ليست مشاريع.. ولكن السؤال المهم هنا.. هل يمكن إدراج هذا النوع من الكتابة في إطار التجريب؟

قبل ذلك.. هل هناك مصطلح ثقافي يحدد، بالضبط، مفهوم التجريب؟ وهل التجريب يعني الهدم؟ ومن أي أسس ينطلق مفهوم التجريب؟
هذه أسئلة نظرية، وهي أيضاً متلاحقة، ولا تستوعبها مجرد مقالة ثقافية صحفية، ولكن باختصار شديد.. إن كل تجريب هو انتقال من حالة أدبية أو فنية أو إبداعية ثابتة أو راكدة أو جامدة إلى حالة متحركة، متنقلة، متحولة.
يعكس التجريب في الأدب والفن، أيضاً، حالة من التشبع وصل إليها جنس أدبي معين، بحيث يتطلب من الكاتب أن يتخلص من هذا التشبع، وينتقل إلى حالة إبداعية حيوية وجديدة.
بكلمة ثانية.. هل وصل بعض الشعراء إلى حالة التشبع هذه على مستوى الايقاع، واللغة، والصور.. حيث أصبح الايقاع مثلاً مكرراً، جامداً، لا جديد فيه، وكذلك الصور واللغة والأشكال والمضامين.. الأمر الذي يدفع الشاعر إلى عبارتنا المستخدمة في مطلع هذه المقالة: «تداخل الأجناس».
أكثر من سبب يدفع الشاعر أو الروائي أو المسرحي أو الفنان التشكيلي إلى التجريب، وأكثر من بيئة له، لكن الأغلب أن وراء كل تجريب حتى في العلوم وليس في الآداب فقط، ثمة ثقافة عميقة يمتلكها «مغامر» التجريب، مع أن التجريب ليس مغامرة، بل هو فكر متدرج، واستجابة موضوعية للبيئة الثقافية المحيطة بالأجناس الأدبية والمكونة لها من مرحلة ثقافية إلى مرحلة أخرى.
هذا الموضوع لا ينتهي عند هذه النقطة، فهناك من يرفض أصلاً مجرد فكرة التداخل من أساسها، فالنص الشعري نص تاريخي لا يقبل التهجين، ولا يعرف التشبع، وهناك، بالطبع، من يدافع بشراسة عن استقلالية الشكل الفني للرواية وعدم استقبالها لأي نوع أدبي مجاور.
إذاً.. هناك تداخل.. ولكن في مقابله تنافر، وهذا له قصة أخرى.

يوسف أبولوز