قال زيد بن ثابت رضي الله عنه في بعض الروايات عنه: فلما فرغت عرضته عرضة فلم أجد فيه هذه الآية: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدلُوا تَبْدِيلا قال: فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها، فلم أجدها عند أحد منهم، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدتها عند خزيمة، يعني ابن ثابت فكتبتها ثم عرضته عرضة أخرى فلم أجد فيه هاتين الآيتين: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكلْتُ وَهُوَ رَب الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) إلى آخر السورة فاستعرضت المهاجرين فلم أجدها عند أحد منهم، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدتها مع رجل آخر يدعى خزيمة أيضاً، فأثبتها في آخر براءة ولو تمت ثلاث آيات لجعلها سورة على حدة، ثم عرضته عرضة أخرى فلم أجد فيه شيئاً، ثم أرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة، وحلف لها ليردنها إليها فأعطته فعرض المصحف عليها فلم يختلف في شيء، فردها إليها وطابت نفسه، وأمر الناس أن يكتبوا مصاحف، فلما ماتت حفصة أرسل إلى عبد الله بن عمر في الصحيفة بعزمه فأعطاهم إياها فغسلت غسلاً .

وكلام زيد نص قاطع في أنه كان يحفظ القرآن كله، ولم يذهب عنه شيء منه، إذ كان يعرض ما في الصحف على ما ربط في صدره وثبت في حفظه، ثم هو نص كذلك على أن زيداً كان لا يكتفي بنفسه بل يذهب يستعرض الناس حتى يجد من يؤدي إليه، كيلا ينفرد هو بالحفظ خشية أن يكون موضع ظنة وإن كان الصحابة رضي الله عنهم قد أجمعوا على الثقة به، فلم يثبت ما أثبته إلا بشاهدين: أحدهما من حفظ غيره . والآخر من حفظه .

المصاحف السبعة

ثم بعث في كل أفق بمصحف من تلك المصاحف، وكانت سبعة في قول مشهور فأرسل منها إلى مكة، والشام، واليمن، والبحرين، والبصرة، والكوفة . وحبس بالمدينة واحداً، وهو مصحفه الذي يسمى الإمام ثم أمر بما عدا ذلك من صحيفة أو مصحف أن يحرق، ولم يجعل في عزيمته تلك رخصة سائغة لأحد . وكان جمع عثمان في سنة 25 للهجرة .

وإنما أراد عثمان بذلك حسم مادة الاختلاف، لأنه أمر يمد مع الزمن وتنشعب الأيام به . وهو إن أمن في عصره لم يدر ما يكون بعد عصره، وقد أدرك أن العرب لا يستمرون عرباً على الاختلاف والفتوح، وأن الألسنة تنتقل، واللغات تختلف . ثم هو رأى ما وقع في الشعر وروايته، وأن الاختلاف كان باباً إلى الزيادة والابتداع، فلم يفعل شيئاً أكثر من أنه حصن القرآن وأحكم الأسوار حوله، ومنع الزمن أن يتطرق إليه بشيء، وجعله بذلك فوق الزمن .

ولم تكن المصاحف التي كتبت قبل مصحف عثمان على هذا الترتيب المعروف في السور إلى اليوم . فإنما هو ترتيب عثمان أما فيما وراء ذلك فقد رووا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت سورة دعا بعض من يكتب فقال: ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا، فكان القرآن مرتب الآيات، غير أنه لم يكن مجموعاً بين دفتين، فلا يؤمن أن يضطرب نسق مجموعه في أيدي الناس باضطراب القطع التي كتب فيها تقديماً وتأخيراً: ولم يلزم الناس القراءة يومئذ بتوالي السور، وذلك أن الواحد منهم إذا حفظ سورة أو كتبها ثم خرج في سرية فنزلت سورة أخرى فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته، ويتبع ما فاته على حسب ما تسهل له أكثره أو أقله، فمن ثم يقع فيما يكتبه تأخير المقدم وتقديم المؤخر، فلما جمعه أبو بكر برأي عمر كتبوه على ما وقفهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كانوا في أيام عمر يكتبون بعض المصاحف متسقة السور على ترتيب ابن مسعود، وترتيب أبي بن كعب، وكلاهما قد سرده ابن النديم في كتابه (الفهرست)، وقال ابن فارس: ان السور في مصحف علي كانت مرتبة على النزول، فكان أوله سورة اقرأ باسم ربك، ثم المدثر، ثم المزمل، ثم تبت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني، ولا حاجة بنا أن نتسع في استقصاء هذا الخلاف .

أما ترتيب مصحف عثمان فهو نسق زيد بن ثابت . وهو صاحب العرضة الأخيرة ولعله كان ترتيب مصحف أبي بكر أيضاً .