أحوال العرب والمسلمين الآن وما بينهم من خلافات وصراعات وما يعانونه من أزمات وضعف اقتصادي وعسكري وعلمي أطمع فيهم كل أمم الأرض، يؤكد مصداقية وإعجاز ما نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما حذر منه في العديد من توجيهاته النبوية الكريمة .
توجيهات ووصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته عن الوحدة والتضامن والعمل المشترك كثيرة ومتنوعة وتستهدف جميعها مصلحة المسلمين، فالأمم المتنافرة المتناحرة لا تعرف الاستقرار ولا النهضة وتضيع كل جهودها هباء . . وهذا ما يكشف عن الواقع الذي يعيشه المسلمون الآن .
ومن التوجيهات النبوية الكريمة التي تحث المسلمين على التضامن والوحدة والعمل المشترك على كل المستويات قوله صلى الله عليه وسلم:
مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى .
ففي هذا الحديث الشريف يوضح لنا رسول الله التضامن الإسلامي بأجلى معانيه، ويصوره لنا في صورة محسوسة ملموسة، فكما أن الجسد إذا أصيب منه عضو بألم يتداعى لهذا الألم كل عضو من أعضاء الجسم، ويتألم الجسم كله، فلا يقر له قرار، ولا يذوق النوم، بل يظل في ألم وسهر . . فكذلك الحال بالنسبة للمؤمنين إذا أصيب أحدهم فردا كان أو جماعة في الداخل أو الخارج يتألم له كل مؤمن في كل الأرض ويهب لنجدته، ويبذل له من أسباب المودة والرحمة والعطف ما هو في حاجة إليه . . وهذه المودة مشتركة بين المؤمنين يتمثل فيها العطاء المشترك بين الطرفين، ولذا جاء التعبير النبوي بتلك الصيغة التي يسميها العلماء: صيغة المفاعلة، التي تفيد اشتراك الطرفين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم .
ويوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم قيمة التعاون والتضامن بين المسلمين في حديث نبوي كريم، حيث يؤكد أن كمال الإيمان لا يكون إلا إذا أحب المؤمن لأخيه ما يحبه لنفسه . . فيقول: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه .
والتعاون والتضامن اللذان يحثنا عليهما رسولنا الكريم ويوصينا بهما لا يشملان الجانب المادي فقط، وإنما يشملان جميع المستويات المعنوية التي من شأنها الوصول بالإنسان إلى استكمال شخصيته الإنسانية، وقد اهتم الإسلام اهتماما كبيرا بالتعاون بين المسلمين في الأمور المعنوية، لأنها تشكل الأساس للتعاون في الأمور المادية الأخرى، ولذلك يقول القرآن الكريم: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبر وَالتقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .
مفهوم البر
* ما البر؟
- والبر الذي أوصانا به الرسول يشمل كل أنواع الخير . . وقد فسر القرآن معنى البر بالتفصيل في آية أخرى بقوله: ليْسَ الْبِر أَن تُوَلواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِن الْبِر مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنبِيينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السبِيلِ وَالسائِلِينَ وَفِي الرقَابِ وَأَقَامَ الصلاةَ وَآتَى الزكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضراء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتقُونَ .
فهذه الآية الكريمة توضح كما يقول العلماء أن البر يشمل كل أنواع الخير التي يتصورها الإنسان، والتي يتسع معناها ليشمل عناصر العقيدة والعمل والأخلاق، وتبين لنا أيضا أن مفهوم البر الذي يعنيه القرآن الكريم ينصب على حقائق الأمور وجوهرها، ولا يتعلق بالأشكال والمظهريات، وهذا البر بهذا المفهوم الشامل يتساوى مع مفهوم التقوى، ولذلك نجد ختام الآية يقول: أُولَئِكَ الذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتقُونَ .
ومن هنا يتضح لنا أن البر الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نتعاون عليه يشمل كل عمل يقوم به الإنسان في هذه الحياة سواء أكان هذا العمل دينيا أم دنيويا، طالما قصد به الإنسان وجه الله، ونفع الناس ودفع الأذى عنهم، وذلك يعد أيضا تقوى لله سبحانه وتعالى، فالتقوى والبر والعمل الصالح تتعانق معانيها، وتتلاحم مراميها، وتنصهر في بوتقة القرب من الله تعالى .
وبالنظر إلى هذا المعنى الشامل للبر والتقوى كان الأمر القرآني بالتعاون على البر والتقوى لشمول ذلك لكل ما يتصل بصلاح الدين والدنيا للإنسان .
صلة الرحم
* كيف نتعاون ونتضامن؟
- التضامن والتعاون الذي يريده الإسلام كما يقول الدكتور عبد الفتاح الشيخ الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر- متعدد ومتنوع الصور والمستويات . . فهناك تعاون وتضامن على مستوى الأسرة، وهناك تضامن وتعاون بين الأقارب وذوي الأرحام، وهناك تعاون وتضامن حث عليه الإسلام بين الجيران، وهناك تعاون وتضامن أفراد المجتمع وجماعاته . . ثم يأتي التعاون والتضامن بين دول العالم الإسلامي، وبين هذه الدول والأقليات المسلمة في العالم لكي نوفر لهم الحماية والمناصرة الواجبة خصوصاً في هذا الوقت الذي تستهدفها كل قوى البغي والعدوان على الإسلام والمسلمين، ففي مجال الأسرة أمر الإسلام الأزواج بحسن معاشرة نسائهم، فقال تعالى: وَعَاشِرُوهُن بِالْمَعْرُوفِ، وقال صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم . . وأقام الإسلام العلاقة بين الأزواج على أساس من المودة والرحمة والتعاون والتآلف فقال سبحانه وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم منْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم موَدةً وَرَحْمَةً . . وكلما سادت روح التعاون والتآلف حياتنا الأسرية قويت الأسرة من الداخل، وتغلبت على كل أسباب الشقاق والتفسخ التي تعانيها كثير من أسرنا الآن .
وبين الأقارب وذوي الأرحام حث الإسلام على أن تسود روح التعاون والتضامن علاقات الأهل والأقارب، ووضح الرسول صلى الله عليه وسلم ثمرة صلة الرحم في الدنيا قبل الآخرة فقال في الحديث الصحيح: من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه .
وبين الجيران حث الإسلام على أن تسود روح التعاون والتضامن بينهم يستوي في ذلك القريب منهم والغريب، وأكد الإسلام الوصية بالجار، لدرجة أن جبريل عليه السلام لم ينزل بالتوصية بشأنه مرة ولا مرتين، بل ظل يكرر الوصية بشأنه حتى ظن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الجار سيصل إلى درجة يرث فيها جاره، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه .
وبين أفراد المجتمع الإسلامي وجماعاته حث الإسلام على التعاون والتكافل والتضامن . . ودعا الإسلام إلى رعاية الفئات الضعيفة في المجتمع ووجوب رحمتهم ومساعدتهم وعدم التعرض لهم بالإيذاء ومناصرة المظلوم، والشفاعة الحسنة لأصحاب الحاجات .
ثم يأتي التضامن والتعاون بين الدول الإسلامية ليكون ضرورة دينية وفريضة عصرية بعد أن نجح أعداء الإسلام في تمزيق وحدة الأمة، وتفريق صفها، وجعلها أقاليم وقوميات . . وهذا ما أضعفها على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري كما نرى الآن .