لا أحد يشك في أن المال عصب الحياة الدنيا، وعليه تتوقف نجاحات الفرد والمجتمع، فما من مشروع إلا والمال هو المحرك الأول له، وما من سعادة مرسومة على وجه الصغير والكبير إلا والمال هو سبب تلك السعادة في الظاهر .
- لذلك فإن الله تعالى قال عن المال: المال والبنون زينة الحياة الدنيا (الكهف: 26) . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء (رواه مسلم) .
ويقول الشاعر:
إن الغني إذا تكلم بالخطا
قالوا: صدقت وما نطقت محالا
وإذا الفقير أصاب قالوا كلهم:
أخطأت يا هذا وقلت ضلالا
إن الدراهم في الأماكن كلها
تكسو الرجال مهابة وجمالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة
وهي السلاح لمن أراد قتالا
- نعم، هكذا يفعل المال بالرجال، فيرفع الأدنى إلى الأعلى، ويخفض الأعلى إلى الأدنى متى لم يكن ذا مال، ألم يقل الشاعر:
حتى الكلاب إذا رأت ذا ثروة
خضعت لديه وحركت أذنابها
وإذا رأت يوماً فقيراً عابراً
نبحت عليه وكشرت أنيابها
- والمال أنعم به وأكرم إذا استطاع الإنسان أن يؤمن به آخرته، ويكسب به محامد الناس في الدنيا، ويجبر به قلوب الفقراء والمحرومين من حوله، لكنني أرى ناساً استعبدهم المال، فلم يقدروا أن يعيشوا في الدنيا بمالهم حياة السعداء، ولم يقدروا أن يقدموا لآخرتهم ما يكسبون به رضا رب العالمين .
- ذلك أن الله سبحانه وتعالى مدح المال والذي يملك المال، بشرط أن ينفقه في سبيل الله، قال تعالى: ويتجنبها الأتقى، الذي يؤتي ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى (الليل) .
- والرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: اللهم أعط ممسكاً تلفاً وأعط منفقاً خلفا أراد بذلك الحديث أن يحث الناس على الكرم والبذل والانفاق في سبيل الله وترك الجشع، لكن رغم هذه الترغيبات وتلك الترهيبات، نجد من يتكالب على الدنيا، ويتصف بالجشع والشراهة، فيمد عينه ويده إلى كل درهم في يد كل فقير .
- إن أمثال هؤلاء الجشعين لم يستفيدوا من مالهم، لأنهم من بخلهم لم ينفقوا على أنفسهم ولا على أولادهم، ولم يؤدوا حق الله، ومع ذلك لم يكتفوا بالحلال الطيب، فخانوا الله ورسوله وأنفسهم والمجتمع .
- هؤلاء هم المنتحرون حقاً، وإلا فإن الإنسان يجمع المال ليسعد به في الدنيا، وينعم به في الآخرة، ولن يتحقق ذلك إلا إذا طلبه بالحلال .