اهتم الإسلام كثيرًا بتعليم المرأة وتثقيفها ولم يحرمها من تعلم كل ما ترغب فيه وتتطلع إليه من علوم الدين والدنيا، وجعل التعليم حقاً راسخاً لها لا يجوز لأحد، سواء أكان والدها أو زوجها، أن يحرمها منه أو حتى يضع المعوقات في طريقها . ففي ظل الاهتداء بهدي الإسلام تعلمت المرأة المسلمة ونبغت وساهمت مساهمة فعالة في الحركة العلمية، خاصة في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية، وبرزت أسماء نساء عالمات وفقيهات ومحدثات ومفتيات وأديبات وشاعرات، وأيضاً في مجالات الطب والصيدلة والعمل الخيري والكتابة والدعوة والتعليم وبناء المداس ودور العلم ووقف الكتب والمصاحف وغيرها .
لذلك من العار أن ترتفع نسبة الأمية بين النساء المسلمات في عالمنا العربي عنها بين الرجال، ومن العار أن يعتقد بعض الرجال في بلادنا العربية والإسلامية أن المرأة خلقت لتحبس في بيت أسرتها حتى تتزوج، وبعد الزواج تقتصر مهمتها على خدمة زوجها وتلبية رغباته وإنجاب الأطفال تعكف على تربيتهم في منزل الزوجية من دون أن تنال قسطاً من التعليم يساعدها على إحسان تربية أولادها والتوافق مع زوجها والمساعدة على خدمة ورقي وتنمية مجتمعها .
الإحصاءات تؤكد أن نسبة الأمية بين النساء في معظم الدول العربية والإسلامية مرتفعة، والتقارير الاجتماعية تنقل واقعاً مؤلماً عن النساء اللاتي ينتقلن من جهل إلى جهل عن قناعة ورضا بذلك، مع أن تعاليم الإسلام وتوجيهاته تخبرنا أن تعليم المرأة واجب مثل تعليم الرجل تماماً، وأن التخلي عن هذا الواجب يدخل المرأة دائرة الإثم، ويلحق من حرمها من حقها في التعليم بقوائم المهدرين لحقوق المرأة الذين يستحقون العقاب الرادع .
علماء الإسلام من جانبهم يرون أن حرمان المرأة من "حق التعليم" جريمة ينبغي أن تختفي من حياتنا، وبعضهم يصف ذلك الحرمان ب"السلوك الجاهلي" الذي يعود بمجتمعاتنا إلى عصر الجاهلية الثانية، ويطالبون باتخاذ كل الوسائل الكفيلة بمنح المرأة حقها في التعليم المتنوع الذي يحقق طموحاتها، حيث لم يحظر الإسلام على المرأة العمل والعطاء في أي مجال من المجالات المناسبة لإمكاناتها .
ولذلك يرفض علماؤنا حتى مجرد الرد على الأصوات النشاز التي تزعم ظلماً وعدواناً تحميل الإسلام مسؤولية انتشار الأمية في محيط النساء في عالمنا العربي ويؤكدون أن تعاليم وتوجيهات الدين الحنيف تصب جميعها في ضرورة تعليم البنات وتثقيفهن مثل الرجال تماماً، فحق التعليم يشمل كل مسلم ذكراً كان أم أنثى والذين يحرمون بناتهم من التعليم آثمون مخالفون لتعاليم وأحكام دينهم الإسلامي الذي جاء ثورة حقيقية على كل أشكال الجهل بين الرجال والنساء معاً .

مفاهيم خاطئة

الفقيهة الأزهرية د .سعاد صالح أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر تؤكد أن شريعة الإسلام قررت حقوقاً مثالية للمرأة لم تحظ بها النساء في أي شريعة أخرى ولا في أنظمة الدول التي تدعي الحضارة والتقدم ولا في مواثيق المنظمات الدولية، وفي مقدمة هذه الحقوق حق التعليم، فالأب ملزم شرعاً بتعليم ابنته كل العلوم التي تؤهلها لتحمل المسؤولية في المستقبل، ولذلك فإن كل أب يحرم ابنته من التعليم هو آثم شرعاً ويجوز لولي الأمر أن يوقع عليه عقوبة تعزيرية، كما يجوز له أي ولي الأمر أن يجبره على تعليم ابنته لو كانت ظروفه المادية تسمح بذلك، وكذلك يجوز لولي الأمر أن ينفق على تعليم الفتيات المتسربات من التعليم لأي سبب من الأسباب من بيت المال .
وعندما تنتقل الفتاة من بيت أسرتها إلى بيت زوجها لا يجوز له أن يحرمها من استكمال تعليمها إذا ما كانت تتعلم وتدرس، ولو فعل ذلك أثم وأجبر على السماح لزوجته باستكمال تعليمها . كما أنه مطالب بتعليمها أمور دينها لو كانت تجهلها وقيامه بذلك الواجب يجلب له رضا الله عز وجل .
وترى د .سعاد أن حق المرأة في التعليم ضائع في بعض البيئات العربية بسبب العادات والتقاليد المتوارثة، وبسبب المفاهيم الخاطئة التي تسيطر على عقول الرجال والثقافة الذكورية السائدة في عالمنا العربي، والتي تستند إلى فهم عقيم لبعض التشريعات الإسلامية المتعلقة بالمرأة .
وتضيف: يجب على كل الرجال أن يعلموا أن حق التعليم يأتي في مقدمة الحقوق التي كفلتها الشريعة الإسلامية للمرأة، وهذا الحق يتساوى فيه الرجال مع النساء، وهناك العديد من النصوص والتشريعات الإسلامية التي تنص على أحقية المرأة المسلمة في التعليم والتثقيف، لكن من المؤسف أن بعض المسلمين يتجاهلون هذه التعاليم والتوجيهات الإسلامية ويهملون تعليم بناتهم مما يؤدي إلى زيادة نسب الأمية بينهن، ومن المؤسف أن يحمل البعض الإسلام مسؤولية ذلك، استناداً إلى مفاهيم دينية خاطئة، أو فتاوى غير دقيقة مثل فتوى "تزويج البنت أهم وأولى من تعليمها"، وهي فتوى تتجاهل تماماً حق المرأة في التعليم، وتداعيات هذا الكلام دينياً واجتماعياً واقتصادياً وتربوياً خطر جداً على واقعنا الاجتماعي في الدول العربية، إذ ليس هناك ما يمنع من تفرغ المرأة لرعاية زوجها وتربية أولادها؛ لكن على الجميع أن يدرك أن عطاء الزوجة والأم المتعلمة لزوجها وأولادها وبيتها أفضل كثيراً من عطاء الزوجة الأمية .

فريضة واجبة

المؤرخ الإسلامي د .عبد المقصود باشا أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر يؤكد من جانبه أن تعليم البنات من الواجبات الدينية والضرورات الحضارية التي لا ينبغي أبداً التخلي عنها، ويقول: الإسلام لم يعط المرأة الحق في طلب العلم فقط، بل جعله فريضة واجبة عليها، وعلى مجتمع المسلمين، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، والإسلام يدفع المرأة كما يدفع الرجل إلى الوصول إلى أعلى المستويات العلمية . فالأمر الإلهي في قوله تعالى: "وقل رب زدني علما"، وفي قوله تعالى: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" . وفي قول الرسول الكريم: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد"، وفي قوله: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً يسر الله له طريقاً إلى الجنة"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "اطلبوا العلم ولو في الصين"، هو للرجال والنساء معاً، وكل محاولة لإقصاء المرأة من هذا التكليف الإلهي هي خروج واضح على منهج الله وعدوان صارخ على شريعة الإسلام التي اعتنت بتعليم المرأة وتثقيفها وتسليحها بكل العلوم والمعارف والخبرات كما فعلت مع الرجل .
ويشير أستاذ التاريخ والحضارة بالجامعة الأزهرية إلى أن حرمان البنت من التعليم بهدف التبكير بتزويجها أو تحت ستار الخوف عليها من الاختلاط بالرجال سلوك لا علاقة له بالإسلام، فالمرأة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم خرجت إلى مجالس العلم واختلطت بالرجال وتعلمت منهم، ولم يحدث ما يخل بالآداب والأخلاقيات الإسلامية التي تحكم العلاقة بين الرجال والنساء، وسيرة أمهات المؤمنين خير مثال على ذلك، فقد كن يعلمن المؤمنين ذكوراً وإناثاً، وكان الرجال يأتون إليهن ويستفتونهن ويتلقون منهن أحكام الله ومكارم الأخلاق . وقد قامت السيدة عائشة رضي الله عنها بدور كبير في هذا المجال، حيث كان المسلمون يلجأون إليها في القضايا العلمية والمسائل الفقهية فتذكرهم بالحق فيما اختلفوا فيه . واشتهرت السيدة عائشة بالرواية والفقه والفتوى ورواية الشعر وبعض خبرات الطب وعلم النجوم . حتى قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: "خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء"، أي ذات الشعر الأحمر . وكذلك أختها أسماء بنت أبي بكر أم عبد الله بن الزبير التي اشتهرت برواية الحديث .

دور حضاري فعال

ولم يقف دور المرأة المسلمة عند حد النبوغ في علوم الدين والشعر واللغة، وإنما أخذت بنصيب وافر من النهضة التي استحدثها المسلمون . نذكر في مجال الطب والتمريض منهن: (أم أيمن أم سنان الأسلمية أم عطية الأنصارية ختمة نسيبة بنت كعب المازنية زينب طبيبة بني أود رفيدة الأسلمية ابنة شهاب الدين بن الضائع) . وكذلك مارست مهنة القضاء حيث يذكر لنا التاريخ أن أم الخليفة المقتدر العباسي تولت رئاسة محكمة الاستئناف ببغداد، وأن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قلد "الشفاء" قضاء الحسبة في المدينة .
وينتهي د . باشا إلى أن النساء شاركن الرجال في صنع الحضارة الإسلامية، وذلك بفضل وعي الرجال والنساء معاً بدور المرأة ورسالتها، فالعلوم والفنون كانت صناعة إسلامية للجنسين معاً، ومستند ذلك نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، حيث حث القرآن على التعلم وطلب العلم وحرص الرسول الكريم الذي حمل هذا القرآن على تعليم أمته وتربيتها فالعلم له في الإسلام أهداف كثيرة؛ فبه يطاع الله عز وجل وبه تعمر الأرض وبه يسعد الإنسان ويحقق الخلافة والبناء الحضاري والتقدم لنفسه ولأمته .
وهكذا أسهمت المرأة المسلمة كما يؤكد د . باشا بدور فعال في تاريخ العلوم وبناء الحضارة وخدمة الإنسانية بأمومتها وعلمها وتعلمها وأوقافها، وحققت سبقاً تاريخياً كبيراً عن غيرها من النساء في الحضارات الأخرى وخاصة الحضارة الغربية، وقد تراجع هذا الدور وتلاشت تلك الرسالة نتيجة الكبوات الحضارية التي أصابت العالم الإسلامي، وكانت المرأة جزءا منها، حيث اعتراها ما اعترى مجتمع المسلمين من تخلف وجهل، بل كانت أكثر تضرراً من الرجال لأنها عوملت زيادة على هذا التخلف السائد بالأعراف والعادات والأمزجة الفاسدة في أكثر الأحوال فازداد ضعفها وزالت هويتها وفعاليتها، وأصبحت تلهث هنا وهناك، لعلها تلقى حلاً أو مخرجاً لما هي فيه فهناك من استسلمت لوضعها وهناك من طالبت بحقوقها من خارج حضارتها، وهناك من لم تلق مخرجاً إلا تقليد غيرها في القشور والمظاهر .

واقع مؤسف

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما موقف الإسلام من الأمية التي تنتشر في محيط النساء في عالمنا العربي والإسلامي؟
يقول الفقيه الأزهري د .سعد الهلالي أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر: هذه الأمية يرفضها الإسلام ويدينها، ولا ينبغي تحميل هذا الدين العظيم مسؤولية الجهل الذي فرضه بعض العرب والمسلمين على نسائهم، فشريعتنا الإسلامية تؤكد ضرورة رفع المستوى العلمي والديني للرجل والمرأة على السواء، ولا تعطي للرجل أباً كان أو زوجاً حق أن يحول بين المرأة والثقافة الدينية والعلمية والاجتماعية، والإسلام هنا لا يمنح المرأة حقاً لتفتخر وتتباهى به، بل يحصنها بما يعينها على أداء رسالتها في الحياة أكمل أداء، ويحميها من الانحراف الفكري أو السلوكي فالمرأة المتعلمة أوعى وأكثر حرصاً على ذاتها وحقوقها .
ويؤكد د . الهلالي أن الإسلام منح المرأة حق مطالبة زوجها بتعليمها أحكام الصلاة وأحكام الحيض، وتلقينها ما يذهب عن قلبها البدع والمنكرات بأن يبين لها سلامة الاعتقاد، وإلا خرجت لسؤال العلماء، إن لم يسأل لها أو يوفر لها الحماية الدينية، وليس له منعها من الخروج إن أرادت معرفة ضروريات الدين وأساسياته، وعليه أن يخرج معها لتتعلم أمور دينها لو أراد وخشي عليها من الخروج وحدها، فإن رفض خروجها بمفردها ومانع في صحبتها كان آثماً .
ويرفض أستاذ الشريعة الإسلامية منع فتاة من استكمال تعليمها لتزويجها، ويؤكد أن شريعتنا الإسلامية توفر للبنت سبل تلقي العلم وبعد انتهائها منه تتزوج، وهي لا تحظر على الفتاة الزواج قبل استكمال تعليمها، لكنها تحث على مواصلة المرأة للعلم وهي في منزل زوجها .