أذهل مريض بولندي من أصل بلغاري كان يعاني شللاً تاماً في نصفه الأسفل الأوساط الطبية العالمية باستعادته القدرة على الوقوف والمشي معتمداً على نفسه بفضل تقنية ثورية ابتكرها علماء بريطانيون، واعتبرت إنجازاً عملاقاً في مجال التكنولوجيا الطبية .
يعتقد أن المريض ويدعى داريك فيديكا، وهو إطفائي يبلغ من العمر 40 عاماً، والذي أصيب بقطع في الحبل الشوكي (النخاع العظمي)، هو أول شخص في العالم يتعافى من إصابة خطيرة كهذه بفضل هذا الإنجاز الطبي، والذي يعد في نظر كثير من العلماء أكثر أهمية من صعود الإنسان إلى القمر .
والمعروف أن الحبل الشوكي هو جزء من الجهاز العصبي المركزي والذي يبدأ من قاعدة الدماغ، وبالتحديد من النخاع المستطيل، ويمر خلال النفق الفقري (أو القناة الفقرية) للعمود الفقري . وهو أنبوبي الشكل ويتكون من عشرات الآلاف من الألياف العصبية على شكل حزمة من الأعصاب التي تعتبر امتداداً للجهاز العصبي المركزي من الدماغ، ويحميها مجموعة من العظام تسمى العمود الفقري .
ويعمل الحبل الشوكي بمثابة "الكابل" المستقبل والمرسل الذي ينقل الرسائل بين المخ ومختلف أعضاء الجسم . وتؤدي إصاباته إلى فقد الإحساس وتأثر حركة الأمعاء والمثانة، وقد تؤثر أيضاً في التنفس ودرجة حرارة الجسم والوظائف الجنسية .
وتحدث الإصابة بالحبل الشوكي لعدة أسباب تتضمن: توقف الإمداد الدموي، نقص الأكسجين وعند حدوث كسور في العمود الفقري .
ويتوقف مدى تأثر الحركة أو إحساس المصاب على مدى خطورة الإصابة وحدتها التي تصل إلى فقد الإحساس والحركة كلية . وغالباً ما ينتج عن هذه الإصابة شلل رباعي أو شلل نصفي .
والشلل النصفي يعني شلل أو ضعف الأرجل، ولذلك يسمى أيضاً "الشلل النصفي السفلي"، وفي مثل هذه الحالات تعتمد حركة الصدر والجذع على درجة الإصابة والأيدي لا تتأثر مطلقاً، أما الشلل الرباعي فيعني عدم القدرة على تحريك الأطراف الأربعة .
ولكن بالرغم من حادثة الطعن التي تعرض لها داريك فيديكا قبل 4 أعوام والتي أدت إلى قطع في حبله الشوكي، إلا أنه وبفضل هذه التقنية الثورية التي ابتكرها علماء كلية لندن الجامعية لعلوم الأعصاب، تمكن من استعادة اعتماده على نفسه، وصار حالياً يمشي متكئاً على مشاية طبية، بل إنه تمكن حتى من قيادة السيارة بنفسه .
وقد عانى فيديكا نتيجة تلك الحادثة تلفاً جسمانياً مماثلاً للتلف الذي أصاب الممثل الأمريكي كريستوفر ريف الذي اشتهر بقيامه بدور "سوبرمان"، والذي انشطر نخاعه من الجمجمة بعد سقوطه من على ظهر حصان في العام 1995 .
وبالرغم من تعافي بعض ضحايا الإصابات الجزئية التي يتعرض لها العمود الفقري بشكل عام، إلا أن العلماء لا زالوا يعتقدون أن الانقطاع الكامل للحبل الشوكي، مثلما هي الإصابة في حالة داريك، لا يمكن إصلاحه .
ومع ذلك، قام الجراحون البولندييو بتطبيق التقنية البريطانية الجديدة لمعالجة داريك، مستخدمين خلايا شمية من أنفه لإعادة إنماء خلايا عصب وزرعها في نخاعه، وتمكنوا بذلك من إصلاح الرابط النخاعي المقطوع .
وهذه هي المرة الأولى التي ينجح فيها استخدام هذه التقنية على البشر .
وقال البروفيسور جيفري ريسمان، الذي كان فريقه العلمي في كلية لندن الجامعية أول من ابتكر هذه التقنية:س نحن نعتقد أن نجاح هذه العملية هو الإنجاز الذي سيؤدي مع مزيد من التطور في التقنية إلى تغيير تاريخي في النظرة العلمية اليائسة للأشخاص المشلولين بسبب إصابة في الحبل الشوكي .
وأردف البروفيسور ريسمان، الذي نشر بحثه في مجلة زراعة الخلية : صار فيديكا قادراً على السير بمساعدة "مشاية" وتمكن من استعادة كثير من جوانب حياته الطبيعية بما في ذلك قيادة السيارة .
وتابع: "إنه لا يستطيع الرقص، لكنه من غير شك سعيد جداً بما تحقق" .
وأضاف: إن عدد المرضى المقعدين عن الحركة بسبب الشلل كبير للغاية، إذ يوجد ملايين منهم في العالم . وإذا تمكنا من إقناع جراحي الأعصاب في العالم بنجاعة هذه الطريقة، فانها ستتطور حتماً بسرعة .
ومن جانبه قال الدكتور بافل تاباكو، المحاضر في جامعة فيركلاف الطبية في بولندا والذي أشرف على إجراء العملية بالتقنية البريطانية: "إن نسبة مرضانا المُقْعَدين الذين يتعافون من دون استخدام هذه الطريقة العلاجية تقدر بأقل من 1%، لكننا بعد إجراء هذه العملية، لاحظنا تعافياً تدريجياً شمل وظيفتي الحركة والإحساس" .
وقد تضمنت العملية زرع خلايا شم كيسية من الأنف في الجزء المصاب من الحبل الشوكي في العمود الفقري، وهي خلايا تسهم في ترميم الأعصاب التالفة في الأنف التي تبعث إشارات الرائحة إلى الدماغ .
وبعد أسبوعين زرعت الخلايا في النخاع العظمي باستخدام 100 حقنة صغيرة جداً في موضع الإصابة . ومن ثم لجأ الجراحون إلى تطعيم النخاع العظمي بقطعة صغيرة من نسيج العصب أخذت من الكاحل، وقد كان الغرض من هذا الإجراء هو جعل النخاع العظمي يعمل كسقالة تتمدد عليها أعصاب النخاع .
وبهذا الإجراء الجراحي تمكنت نهايات أنسجة العصب المبتورة من النمو والتلاصق مع بعضها البعض حول الفجوة، وهذا أمر كان العلماء في السابق يعتقدون أنه مستحيل . وبعد ثلاثة أشهر من إجراء العملية، بدأ فيديكا يستعيد نمو عضلاته في ساقه اليسرى، ثم استرجع إحساسه في أجزاء من القسم السفلي من جسده، وبدأ يشعر بالبرودة والسخونة والوخز في ساقيه" . وبعد عام من الجراحة - وجلسات معالجة فيزيائية مكثفة في مركز إعادة التأهيل في فيركلاف ببولندا - بات فيديكا قادراً على المشي بمساعدة عارضتي اتزان و"مشاية" مزودة بمقابض تدعم كاحليه .
ويقول البروفيسور ريسمان:س كان العلماء يعتقدون أن الجهاز العصبي المركزي لا يمكنه إعادة تخليق الروابط العصبية التالفة، وأنا لم أكن أؤمن مطلقاً بصحة هذا الاعتقاد" .
وشدد على أن ما تحقق يشكل طفرة كبيرة تتخطى حتى عملية إعادة تشبيك الروابط المتبقية .
وشبه ريسمان هذه الطريقة بعثور سائق على طريق آخر يتفادى به الطريق المسدود، قال: "إن ما نقوم به هو تعبيد هذا الطريق" .
وأضاف قائلاً: "هذه العملية تمهد الطريق نحو معرفة وإدراك مقدرة الجهاز العصبي على ترميم نفسه . وهذه بداية ترميم إصابات النخاع العظمي وأنواع أخرى من الإصابات، تشمل السكتة الدماغية" .
وأضاف: أن فكرة مقدرة الجهاز العصبي على ترميم نفسه في الفئران وفي التجربة التي أجريت على رجل، تفتح الباب أمام مستقبل يتسم بآفاق علاجية واعدة للغاية، ولا يوجد سبب يدعونا لحصر هذه التقنية بالحبل الشوكي فقط . وأضاف: "لقد تسلقنا جبلين، ونحن الآن في أسفل جبل ثالث، ولكن صارت لدينا المعرفة التي ستكون لها قيمة كبيرة، ولا نستطيع التوقف الآن" .
البحث عن متطوعين
وبعد نجاح العملية، قال فريق الأطباء المشاركين إنهم يسعون إلى استقبال المزيد من المرضى ليؤكدوا أن نجاحهم في هذه التجربة لم يكن مصادفة .
وقال الأطباء إنهم سينشرون إعلانات على الإنترنت بحثاً عن متطوعين يعانون إصابات مشابهة لمريضهم داريك فيديكا .
وقال الدكتور فودزيميرش يارموندوفيتش وهو جراح من فروسلاف في غرب بولندا شارك في الفريق البولندي البريطاني الذي أجرى الجراحة "في المراحل التالية من بحثنا سنحتاج إلى مرضى يعانون إصابات في الحبل الشوكي بآلة حادة كسكين أو مدية" .
وأضاف في مؤتمر صحفي قائلاً: "أمامنا نجاح يلوح في الأفق ونحتاج إلى تكرار التجربة مع مريضين أو ثلاثة وسنرى" .
ويعتزم الأطباء إنشاء موقع إلكتروني باللغة البولندية وبلغات أخرى كالإنجليزية للبحث عن متطوعين .
وحضر داريك فيديكا المؤتمر الصحفي على مقعد متحرك في حين عرض الأطباء لقطات فيديو تبين استعادته القدرة على الحركة .
وبدا فيديكا مندهشاً من درجة الاهتمام بحالته واعتذر عن صوته الأجش قائلاً إنه نتج عن التحدث للصحفيين .
وقال "يمكنني الآن أن أحرك ساقي اليسرى، عندي مزيد من الإحساس في ساقي اليمنى، أشعر بالدفء والبرد، الوظائف الفسيولوجية تعود . يمكنني العيش في شقة بمفردي . ومع بعض التعديلات يمكنني أن أقود سيارة" .
يذكر أن "مؤسسة نيكولز لإصابات العمود الفقري" التي مولت البحث تأسست على رجل بريطاني يدعى ديفيد نيكولز بعد أن أصيب إبنه دانيال بالشلل في حادث تعرض له أثناء السباحة وهو في الثامنة عشرة من عمره .
وعلق نيكولز على نتائج هذه العملية قائلاً: "إنني أعد دانيال بأنني لن استسلم حتى يتم إيجاد علاج، والإنجاز الذي حققه البروفيسور ريسمان والدكتور تاباكو يعد أول خطوة" .
نضال ريف لإيجاد علاج لحالته
يعد الممثل كريستوفر ريف الذي أدى دور سوبرمان واحداً من أبرز ضحايا شلل النخاع، وقد أصيب بهذه الإعاقة عندما سقط من على ظهر حصان في العام 1995 . ونتيجة لهذه الحادثة، عانى ريف وهو لم يكن قد تخطى سن ال 43 من تلف شديد في خلايا العمود الفقري، أدى إلى تعطيل إرسال الإشارات من الدماغ إلى النخاع .
ونظراً لإصابته الشديدة، لم يكن ريف قادراً على المشي أو حتى التنفس بطريقة سليمة، لكنه استعاد لاحقاً بعض الحركات المحدودة بعد خضوعه لمعالجة كهربائية .
وقد توفى ريف في العام 2004 ، بعد أن جمع مبلغاً ضخماً لصالح أبحاث مقاومة الشلل السفلي الذي يقعد عن الحركة .
تقنية أهم من وصول الإنسان إلى القمر
ابتكر علماء من كلية لندن الجامعية هذه التقنية الجراحية الثورية .
كانت هذه التقنية مصممة لتمكين البولندي داريك فيديكا من المشي مرة أخرى، بعد انشطار حبله الشوكي إلى نصفين أثناء هجوم تعرض له، قبل 4 أعوام، وأصيب فيه بطعنات، وأدى إلى إصابته بشلل في نصف السفلي .
شملت العملية الجراحية، زرع خلايا شم حسية من الأنف للنخاع العظمي .
تعزز خلايا الشم ترميم الأعصاب التالفة في الأنف المسؤولة عن إرسال إشارات الرائحة للدماغ .
زرعت الخلايا في النخاع العظمي باستخدام 100 حقنة صغيرة فوق موقع الإصابة . طعم الجراحون الفجوة في النخاع العظمي بقطعة صغيرة من نسيج عصبي"أُخذت من الكاحل"، وقد لجأ الجراحون إلى هذه الطريقة لجعل القطعة النسيجية الصغيرة تعمل كسقالة تنمو عليها عصبونات النخاع .
هذه الطريقة مكنت نهايات الألياف العصبية المبتورة من النمو والانضمام لبعضها البعض .
بعد 3 أشهر من إجراء العملية، بدأ فيديكا يستعيد النمو العضلي في ساقه اليسرى واستعاد إحساسه فيها .
وبعد عام، تمكن فيديكا من المشي مرة أخرى، بمساعدة قائمتين متوازيتين .