سأبدأ بإشارة ذكرها أبو عثمان الجاحظ في بيانه تدعو إلى ضرورة توافر بعض الشروط في القاص، قال إبراهيم بن هانئ: من تمام آلة القصص أن يكون القاص أعمى، ويكون شيخاً بعيد مدى الصوت، يورد الجاحظ هذا النص وقد بدا إيمانه بما فيه، حيث ينبغي توافر شرطين في القاص الشفاهي، وهما شرطان قد يبدوان في صورة سلبية، فالعمى والشيخوخة من علامات الضعف لا القوة، ولو تجلى معهما بُعد مدى الصوت وقوته، ومع كونهما متصلتين بالقاص وتلقي إنتاجه، فإن القص الكلاسيكي قد أنتج نصوصاً مبصرة واحتفظت تلك النصوص برونق شباب لا يتوافق مع قاصها الشيخ، وما دمنا في مرحلة قد أصبح القاص فيها بصيراً، والقص موثقاً بالكتابة، فإننا سنبحث في تحولات العمى والشيخوخة في القص الحديث منذ بدايات تأسيس الكتابة القصصية وتحولات تلقيها .

مع أن الكتابة عن تشكلات الأجناس الأدبية وتحولاتها تحمل مظاهر عدة من العوائق والميل إلى رسم الحدود بين الأجناس، فإن الارتهان إلى ثقافة بدأت ترسم معالم جديدة لمفهوم النص وتشكلاته بعيداً عن توافق الأجناسية قد بدأ يظهر في ثقافات شتى، كان ذلك سعياً وراء البحث عن حرية الإبداع من دون صنع حدود له، لأن ذلك يتنافى مع أبسط القواعد للكتابة الإبداعية التي ترتكز على قانون التحولات وتتبناه، لذلك كان السعي إلى قراءة هذا الفن بداياته وتحولاته معتمدة على تأويل لمنطقة (العمى) في هذا الفن بوصفه موضوعاً لها . وحتى تتجلى هذه المنطقة فنحن أمام نوعين من العمى في القص: عمى داخلي يتمثل في ذلك النوع من القصص الذي يكتب غير مستند إلى أبسط قواعده، وغير معتمد على التجريب الواعي الذي يعتمد على كثافة التجربة وسعة الثقافة، ويفضي هذا إلى تلك المنطقة (الضبابية) التي توشك أن تفضي بهذه الكتابة إلى نوع أدبي آخر، ولكنها لا تنجح في ذلك الخلق ومحاولة الوصول إلى تخوم نص مرتجى مفتوح، ومن ثم تتشكّل تحولات شتى لأشكال القص، أما العمى الخارجي فأرى إليه متصلاً بتلقي الإبداع القصصي في ثقافتنا العربية مرتهناً إلى منظومة من المواقف الثقافية المؤسسة ومعبّراً عن صورة أعمى قد لا يهتدي إلى طريقه، ولذلك كان تجسيد القاص في التعبير المنقول .

لذلك تقوم هذه المداخلة على افتراض وقوع الفن القصصي في منطقة عمى يتصل بثقافة التلقي أولاً وبالجنس الأدبي ثانياً، إذ تراوح بين عدد من الأجناس الأدبية الأخرى، متأثرة لا مؤثرة، على مستويات التشكّل أو القراءة، فإذا كان دارسو القص قد صنفوا المنجز القصصي في اتجاهات شتى، ووصفوها بأوصاف تراوح بين القوة والضعف أو الجمال والقبح، فإن ذلك يدفعنا إلى تناول هذه الإشكالات من خلال بعدين اثنين، يتصل الأول بالتحول الثقافي المتصل بتلقي القص، والثاني بالشكل القصصي نفسه، وربما يسهم هذان البعدان في الكشف عن كنه ذلك العمى، وإزاحة الستار عن تأصله في هذا الفن .

أولاً: تحولات في ثقافة تلقي القص نشير في هذا البُعد إلى طريقة تشكّل القص في ثقافتنا، ومن ثم كيفية تلقيه، إذ كان القص مقابل الشعر هامشاً في فضاء الثقافة يندرج في حقل الآداب الشعبية مْفْمىج ْفٌُِذ، وظل يصنف عند كثير من الدارسين في هذا الإطار، ولم يكن كتاب ألف ليلة وليلة متداولاً في صورته المكتوبة في الثقافة العربية، مع أن بعض حكاياته انتقلت إلى الثقافة باعتبارها جزءاً من التقاليد الشعبية الشفاهية، ومثله كتب التراث السردي الأخرى في المنجز العربي مثل كتاب أبي الفرج الأصبهاني الأغاني أو المقامات التي ورثها العرب من بديع الزمان الهمذاني والحريري .

لقد عُد كتاب الليالي محسوباً من سقط المتاع عند بعض الدارسين القدماء والمحدثين، فقد أشار ابن النديم صاحب الفهرست إلى كتاب ألف ليلة وليلة، وحكم عليه بأنه غث بارد، بعدما قام بقراءته مرات عدة، وعدّه المؤرخ علي بن الحسين المسعودي أكاذيب وأباطيل عرض لها بالتفصيل في قوله: وقد ذكر كثير من الناس ممن له معرفة بأخبارهم أن هذه أخبار، موضوعة من خُرَافات مصنوعة، نظمها مَنْ تقرّب للملوك بروايتها، وصال على أهل عصره بحفظها والمذاكرة بها، وأن سبيلها الكتب المنقولة إلينا والمترجمة لنا من الفارسية والهندية والرومية، وسبيل تأليفها مما ذكرنا مثل كتاب هزار أفسانة، وتفسير ذلك من الفارسية إلى العربية ألف خُرَافة، والخرافة بالفارسية يُقال لها أفسانة، والناس يسمون هذا الكتاب ألف ليلة وليلة، وهو خبر الملك والوزير وابنه وجاريتيها وهما شيرزاد ودينا زاد، ومثل كتاب فرزة وسيماس وما فيه من أخبار ملوك الهند والوزراء، ومثل كتاب السندباد، وغيرها من الكتب في هذا المعنى .

أما في العصر الحديث فقد استمر هذا الاتجاه وتواتر، ونورد من مجلة المقتطف ما نشرته وهي تنتقد طبع الكتاب ونشره عام 1880م، إذ رأى الكاتب أنه أعيد طبع الكتاب في مطبعة مصر والشام، طمعاً في الحصول على فوائد مادية، على الرغم مما في الكتاب من مشكلات أخلاقية، ولقد أشاروا إلى أن هدفهم هو تطوير الثقافة العربية، وكان عليهم أن يطبعوا كتباً ضرورية في موضوعات كالفيزياء والكيمياء والزراعة لا ألف ليلة وليلة .

ثانياً: تحولات الأشكال القصصية يضم هذا البُعد مدى قابلية هذه الأشكال القصصية للتحول والتنامي في الأشكال القصصية الرئيسة كالقصة القصيرة والرواية، إذ يجسد هذا العصر ازدهار بعض الأشكال كالرواية والسيرة الذاتية وتلاشي وهج أشكال أخرى كالقصة القصيرة في ظاهرة لا تعد متصلة بالكتابة العربية فحسب، بل تتصل بالكتابة العالمية .

يمكن لنا أن نشير إلى دراسة مسحية تبدو الأكثر شمولية حول القصة القصيرة، نُشرت في إحدى الدوريات الغربية التي أكدت أن القصة القصيرة أصبحت فناً هامشياً في معظم الثقافات الغربية، رابطة ذلك بتطور البلدان الغربية، إلا أنها في البلدان النامية وشبه النامية مثل الهند وجنوب إفريقيا مازال لها حضورها وشعبيتها ومازالت قابلة للجدل حولها كبلدان تظل في إطار التخلف، وفي إشارة أخرى قد تبعث على التفاؤل المتصل بمنظور كما تشير الدراسة السابقة، ويعكس التشاؤم من حال هذا النوع الأدبي، يشير التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية الثالث الذي أصدرته مؤسسة الفكر العربي عام 2010 إلى تحولات الأشكال وبين الرواية المزدهرة والشعر الخافت بدا فن القصة القصيرة مغترباً لدرجة أن تحدث البعض عن موت القصة القصيرة . ويفتح هذان التقريران على اختلاف المرحلة وتفاوت البُعد الزمني بينهما (ما يزيد على ثلاثة عقود) الباب جلياً أمام التحولات الثقافية والاجتماعية الكبيرة التي حظيت بها هذه البلدان النامية ومن ثم فقد أصبحت قابليتها لإنتاج نصوص قصصية في اللحظة الراهنة موازية لقابلية المجتمعات المتمدنة في تلك الفترة، أي أنها تنحو منحى المجتمعات المتطورة في محاكاتها لتصل إلى الأنموذج المنشود، ولذلك كان تلاشي فن القصة القصيرة هنا أحد أنماط التطور المبتغاة لدى مجتمعات تنشد الكمال مستلهمة مثاله في الأنموذج الغربي .

وبين ظاهرة التلاشي وعدم التحديد في فن القص ذاته وانعدام التلقي الفاعل له، سنتعرف في ما يلي إلى الإشكال الأول المتمثل داخل الأشكال القصية نفسها، إذا لم تحقق القصة القصيرة أنموذج العراقة والأصالة كالشعر، ولم تنجح في تحقيق أنموذج الحداثة والمدنية كالرواية التي يمكن أن توصف بكونها النوع الأسرع انتشاراً وسرياناً في الساحة الأدبية، ولذلك بدا فن القصة القصيرة في منزلة بين المنزلتين، فتجلى متصلاً بالرواية في ظروف ولادته على الأقل في وطننا العربي، وفي تقنياته التي كثيراً ما تعقد لها المقارنات مع الرواية، فحين نشير إلى ظروف ولادتها، نلمح لها ارتباطاً غير محدود مع الرواية والموسوعات وفي كتب التاريخ الأدبي، التي تشير إلى استهلاك الكتابة الإبداعية للقصة والرواية .

يربط هذا النص المنشور في إحدى الموسوعات العربية تجربة القصة القصيرة بالرواية في العصر الحديث، على الرغم من التفاوت الكبير بينهما في البنية الفنية أو الحجم، أما القصة القصيرة بمفهومها الحديث فقد تأخرت بضع سنوات في نضجها الفني عن الرواية . فجذورها ترجع إلى الربع الأول من القرن العشرين، وكان من روادها محمود تيمور ويحيى حقي، ثم دخل عدد من الكتّاب عالم القصة القصيرة، وحظيت بجمهور لا يقل عن جمهور الرواية، كما ناقشت كثيراً من القضايا الاجتماعية والسياسية والفكرية، مستفيدة من قصرها وسرعة إيقاعها وعجلة الجمهور، فأضحت القصة أكثر جرأة وأشد تأثيراً في حياة الناس ومجتمعاتهم من الرواية ذات النفس الطويل الهادئ .

ولا يختلف التعريف في الثقافة الغربية كثيراً عن التعريف السابق، فهو مرتكن إلى الرواية ومعتمد عليها، لذلك جاء التعريف في ٌْفَُىكى ْمقمط ٍفىْْمح كما يلي: هي نوع إبداعي نثري أقصر من الرواية، ترتهن عادة إلى شخصيات ذات عدد محدود، وتركز على حالات معينة أكثر من تركيزها على الحبكة . ويلاحظ أن هذا التعريف قد استند إلى وضع خط أفقي مَىٌْملَ تحت كلمة أقصر التي تشكّل مفصلاً مهماً في التعريف، ويشابه هذا تعريف آخر ورد في الثقافة الغربية لهذا الفن هو حكاية نثرية تخييلية ليست ذات طول محدد، لكنه قصير جداً، لا تصلح للنشر في كتاب (مجلد) مستقل بذاته مثلما تكون الرواية، وهذا التعريف كسابقه يستند بصورة مفرطة إلى الفن الروائي بوصفه الركن الذي يسهم في تحديد ملامح وجه القصة القصيرة، لذلك تبدو فناً غير قائم بذاته، يرتهن إلى غيره، وله مقوماته غير المحددة .

تزامنت ولادة القصة القصيرة في بلدان الخليج العربي كما في غيرها من البلدان العربية مع خلط في مسألة التجنيس، فهي متصلة بالمقالة الصحفية اتصالاً مباشراً كما أشار هؤلاء، ومتصلة بالرواية كما تشير أغلب الدراسات التي تحاول أن تضيء تعريف القصة القصيرة، وهي متصلة أيضاً بالحكاية الشعبية وتحمل سمات كثيرة منها، وبما أن القصة القصيرة تقترب من شكلها من الحكاية الشعبية فإنها أصبحت حاملة لسمات التقليد الشفاهي، ما جعل الكتابة في هذا النوع تحمل بعض جذور ذلك التقليد، وإذا كان ذلك كذلك فإن المتلقي نفسه بقي في تلك الدائرة التي تنطلق من تلك الأعراف ولا يمكنها الاستعاضة عن ذلك الخطاب . من هنا يمكن طرح السؤال الذي ألمحنا إليه وهو: هل أدى ذلك الخلط في بدايات التجنيس للقصة القصيرة في ثقافتنا إلى ما نشهده في الفترة الحالية من تحول كتابي إلى كتابة في منطقتي العمى السابقتين؟ وهل يكون التحول إلى الشعر أو الرواية أو القصة القصيرة جداً محاولات للخروج من ذلك العمى؟ وهل استوعبت القصة القصيرة فترة نضجها ما أدى بها إلى الخروج من قوقعتها إلى أنماط أخرى؟

وتجدر الإشارة إلى أن نقاد ودارسي القصة القصيرة استوحوا أشكال القصة القصيرة بين لحظتي التشكّل والتلقي، وغيرها من الأشكال كالأقصوصة والمقالة القصصية والخواطر القصصية، ويرى أن بعض كتّاب مرحلة التحديث يعرفون مقومات القصة القصيرة كوحدة الحدث ووحدة الحافز وتماسك منطق الحبكة ومحدودية عدد الشخوص، لكنهم يلجأون إلى التجريب الكتابي، وفي المقابل ينفي آخرون اختلاط هذا الفن ويدافع عن صفاء عرقه .

بالنظر إلى البعدين السابقين في ما سبق سيمكننا أن نشير إلى أن ذلك كله قد أدى إلى بدء طور جديد في الكتابة، وهو طور انتهاك الحدود بين الفنون الأدبية، فكان هذا التجاوز أو التراجع بالتحول إلى وجوه ثلاثة:

- التحولات النصية وتتمثل في التكثيف المبالغ للغة القص الذي نشأ في القصة القصيرة أو الرواية، ومن ثم فقد أوشك أن يحوّل النص القصصي إلى نص شعري، ويمكن الاستشهاد هنا بتجارب عربية كثيرة لرجاء عالم، وخيري عبدالجواد، ويوسف المحيميد، وآخرين، وتتميز أعمال هؤلاء بتكثيف اللغة، فبدت أقرب إلى لغة الشعر إلى حد كبير، ولعل السبب في ذلك يعود إلى التشكيل الثقافي العربي الذي يميل إلى كونه شعرياً، فمعظم كتّاب الإبداع القصصي قادمون من حقل الشعر، والأسماء التي خاضت حقلي الشعر والنثر معاً كثيرة، وذلك يجعلنا نعود إلى ما ذكره أحد كتّاب القصة القصيرة حول كتابة القصة القصيرة: في الثمانينات الميلادية كنت مازلت مرتبطاً روحياً بالشعر، ولذلك جاءت كتابتي القصصية شبيهة بالشعر، مع مراعاة التفريق بين تقنين الشعر واستثماره في الكتابة .

- طرأ تحول طفيف آخر على القصة القصيرة انزاح بها إلى منطقة توشك أن تكون الأقرب إليها، وهي منطقة القصة القصيرة جداً، وقد منع الاستمرار في هذا النوع من الكتابة الساحة الثقافية نفسها .

- ومن جانب آخر، نلحظ أن التأثير التراثي للكتب الرئيسة في الثقافة مش ٌفكىََُف كان ولايزال كبيراً، إذ ارتكنت الرواية العربية على أربعة نصوص تراثية كلاسيكية: القرآن الكريم، وألف ليلة وليلة، والمقامات، ومعلقة امرئ القيس، امتد تأثير هذا الاستلهام إلى توظيف التراث، وسنلحظ أن أبرز الأعمال الروائية التي فازت بالبوكر العربية ارتهنت إليه .

* ورقة مقدمة إلى ملتقى الشارقة الثامن للسرد