القاهرة مدحت صفوت:

لا تكاد تُذكر النصوص الروائية التي تناولت مدينة الإسكندرية، أو جرت أحداثها فيها، إلا وتكون «رباعية الإسكندرية» للكاتب الإنجليزي لورانس داريل واحدة منها، أو أولها، نظراً لشهرتها الواسعة، وما لقيته من اهتمام عالمي منذ أن صدر الجزء الأول منها «جوستين» في عام 1957.

داريل، المولود في الهند 1912 والمتوفى 1990، الذي خلّف ما يقارب السبعين مؤلفاً في الرواية والقصة وأدب الرحلات، يُنظر إليه في الغرب بوافر من التوقير، ويمنح مكانة رفيعة، ويصنفه نقاد الأدب الغربيون بجوار جيمس جويس ومارسيل بروست بوصفهم ثلاثة آباء للتجديد الأدبي في القرن العشرين، كما يحظى مؤلف «الكتاب الأسود» بشهرة طاغية في العربية، وترجمت روايته الأشهر إلى لغتنا، ولدينا ترجمة غير مكتملة لسلمى الخضراء الجيوسي، وأخرى مكتملة لفخري لبيب.

تبدو علاقة داريل بالإسكندرية «مركبة» تمزج بين الحب والكراهية، وهي تشبه علاقته بإنجلترا، فهو إيرلندي مولود في الهند ويعمل بالسلك الدبلوماسي للمملكة البريطانية، وتنعكس انطباعاته ومشاعره تجاه المدينة على الرواية، بخاصة من خلال شخصية «دارلي» الذي يقع في غرام اليهودية «جوستين» والمتزوجة من المصري المسيحي «نسيم»، وقد تزوج داريل نفسه أربع مرات، كانت الثانية هي اليهودية «إيفا كوهين» التي ألهمته بشخصية «البطلة».

منذ الصفحات الأولى، تظهر الإسكندرية الحاضرة والحاضنة لأولئك الأغراب الوافدين إليها، والمشكّلة لتناقضاتهم: «أعود حلقةً بعد حلقة، من أول سلسلة الذكريات إلى آخرها، إلى المدينة التي استوطناها معاً لفترة قصيرة، المدينة التي عاملتنا كنبتها فرسّبت في نفوسنا تناقضات كانت في الواقع تناقضاتها هي، لا تناقضاتنا نحن كما اعتقدنا خطأ: «الإسكندرية الحبيبة».
تتشكل المدينة فضاءً من الثنائيات: الجمال والقبح، الرقي والانحدار، الغانية وصاحبة الفضيلة، «مدينة المستحيل من الحب والفحش» كما وصفها في الجزء الثاني من الرواية «بلتازار»، وهي عالم من النفوس الضائعة التي تسعى للعثور على طريقها وسط نشاز من اللغات والثقافات والرؤى، وهي تناقضات لازمت شخصية لورانس داريل في حياته، رصدها مارك ألين: «لورانس المتوحد الذي يحب أن يحيط به الناس، الزاهد الغارق في المتع، الكسول الذي لم يتوقف عن العمل، المجدد للفرح في اليأس، المسافر الذي يتمتع بالتأمل الهادئ، الأرستقراطي الذي يصاحب الصعاليك المتشردين بسهولة، الروائي الذي أصبح الشعر شغله الشاغل».
تتجلى التناقضات في الفارق بين حيوات الشخصيات المنغمسة في المتع والملذات، وعلى تخوم حياتها تظهر مجموعات الفقر والأحياء السكنية المتواضعة، التي تتجاور مع ظلال الفلل والفنادق الكبرى، بجانب أن المدينة مركز ذاكرة الشخوص وعاصمة ذكرياتهم، وموطن الخيال، ومرسى جيد لممارسة الحنين والنوستالجيا: «هناك في مكان ما خلف خط الأفق الخفاق الأرجواني الفاتح ترقد «إفريقيا»، ترقد «الإسكندرية» تمسك بقبضتها الرقيقة عواطف المرء خلال ذكريات أخذت تعود في بطء إلى عالم النسيان، ذكريات أصدقاء وأحداث مضت منذ زمن بعيد، إن البطء الوهمي للزمن يأخذ في الضغط عليها، في طمس معالمها».
تبدأ الرواية بوصول الكاتب الإنجليزي إلى الإسكندرية عام 1933 وتُختتم الأحداث في عام 1945 عقب الحرب العالمية الثانية، وتلتقي الشخوص في فندق «سيسيل»، وتنشأ علاقة غرامية بين «جوستين» المتزوجة و«دارلي» المرتبط أيضا بالراقصة اليونانية «ميليسا»، وتتطور الأحداث لتسافر جوستين وزوجها إلى فلسطين ويعمل «نسيم» على تهريب الأسلحة ل«الصهاينة» قبيل إعلان قيام دولة «إسرائيل»، وتتنقل أحداث الرواية في الإسكندرية ومناطقها: محطة مصر، شارع النبي دانيال، محرم بك، عمود السواري، الملاحات، الشاطبي، وكوم الدكة.. الخ.
الإسكندرية فعلياً في رواية داريل هي القوة الدافعة وراء الأحداث، لكن المدينة التي يحبها هي موطن الأرستقراطية بشخوصها الغربيين، وليس بأصحاب البلد، يحب الإسكندرية الكوزموبوليتانية، متعددة الأعراق والثقافات والجنسيات، الراقصة الحالمة المتنوعة، وبضيوفها الشُقر، ليطرد منها الفقراء والشحاذين: «الساعة السادسة، وقع أقدام أناس ترتدي الملابس البيضاء من ميدان المحطة، الحوانيت تمتلئ وتفرغ كالرئات في شارع الراهبات، أشعة شمس الأصيل المتطاولة تلون منحنيات الحديقة، والحمائم المبهورة، كحلقات من ورق مبعثر، تصعد إلى المنائر، لتنال آخر شعاعات الضوء المتلاشي على أجنحتها، رنين الفضة فوق موائد الصيارفة، والسور الحديدي خارج البنك مازال أسخن من أن يلمس، جلجلة العربات التي تجرها الخيل وهي تحمل الموظفين بطرابيشهم الحمراء التي تشبه أصص الزهور، إلى المقاهي المطلة على البحر».
لكنه يبكي على الصورة السابقة وتصبح المدينة «اليوم ملكاً للذباب والشحاذين، وهؤلاء يحظون بوجود يتوسط هذين الفريقين، خمسة أجناس، وخمس لغات، و«دستة» من المذاهب: خمسة أساطيل تدور بظلالها اللزجة عبر البحر خلف حاجز الميناء وإسكندرية المصريين، أصحابها الفعليين، تعني له: «شوارع تنطلق من أحواض السفن، مثقلة بمنازل عفنة نخرة، تتنفس في أفواه بعضها بعضاً، مقلوبة على ذاتها، شرفات تعج بالفئران، وعجائز النساء وقد امتلأ شعرهن بدم القراد، جدران تقشر طلاؤها تميل سكرى شرقاً وغرباً عن مركز ثقلها الحقيقي. شريط الذباب الأسود يلصق نفسه إلى شفاه وعيون الأطفال، مسابح رطبة من ذباب الصيف في كل مكان. ينهش ثقل أجسامها أوراق الذباب العتيقة المعلقة على المقاهي والأكشاك البنفسجية». كما تتصرف الشخوص من وراء أقنعة، وتتنكر لعدم إظهار حقائق نفوسهم، لكنهم أيضاً لا يعرفون أنفسهم ولا يدركون من هم؟ تقول جوستين: «انظر، خمس صور مختلفة لنفس الشيء، لو أنني مارست الكتابة لحاولت إظهار تأثير تعدد الأبعاد في الشخصية». ويقول دارلي عن ميليسا: «لقد عثرت عليها فوق سواحل الإسكندرية الموحشة، وقد غسلتها المياه كطائر أوشك أن يغرق، وقد تحطم فيها جانبها الجنسي»، بينما كان نسيم والمدينة «على طرفي النقيض، إلا أن رجال الأعمال الذين كانوا على صلة يومية به لثروته الضخمة، قد عمدوا إلى تخفيف كراهيتهم له بمعاملته في رفق يثير الضحك، تفضل كهذا الذي يتعطف به المرء على أبله».
تعرضت رباعية داريل لانتقادات غربية شتى، حيث اعتبرها بعض النقاد «طنطنة»، ومبالغة، واستعراض للثقافة والمعرفة، بجانب شيوع النوازع الميتافيزيقية، ونتفق مع هالة حليم في أن الرؤية الكوزموبوليتانية للمدينة الساحلية هي نتاج الخطاب الاستعماري، وفي أن داريل هو الكولونيالي بلا قناع، معظم شخصياته من الرجال مرتبطة بشكل ما بالإمبراطورية الإنجليزية، وعادة ما يغرمون بالمدينة، أو أنثى ترمز إلى المدينة، وفجأة تنقلب علاقتهم بها، حيث يشعرون بغدر المدينة/‏ الأنثى، وتتحول العلاقة إلى كراهية ويغادرون بلا رجعة، والشخصيات التي ترمز إلى المدينة «هجين» متعددة الأصول، كما حال نسيم وجوستين اللذين يهرّبان السلاح لعصابات «الصهيونية» الوليدة، وهنا يبدو داريل كما لو كان خائفاً من ضياع النفوذ الإمبريالي القديم، وهو كان يكتب في الخمسينات ليسقط أزمنة سابقة على زمن الرواية، كأنما يأمل في المشروع الاستيطاني الجديد كوريث للمشروع الأوروبي الإمبريالي.
ورغم ذلك، تبقى «رباعية الإسكندرية» وتناقضاتها وثيقة غربية لاستكشاف العالم العربي، وكيف نُظمت الحياة الاجتماعية والسياسية بطريقة متباينة عن البر الآخر، كما تعد علامة على تجاوز تقنيات السرد المألوفة وقت إنجاز العمل، لتتألف من تتابع اليوميات، الرسائل، الرواية ضمن الرواية، والاستفادة بالكتابات الفنية الأخرى والقصائد، وهي نموذج نقدي دال على مفهوم رواية وجهات النظر، حيث يقدم الجزء الأول «جوستي» رؤية للأحداث لتحاور الأجزاء الأخرى، وتقدم إعادة سرد لما حدث، وجهة نظر تنبثق منها ثلاث وجهات أخرى «بلتازار» و«ماونت أوليف» و«كليا»، وتقيم الأجزاء في ما بينها نوعاً من العلاقات يستجيب فيه نص إلى نص آخر، وطرف مشارك في الأحداث إلى غيره، ويتبادل المشاركون الأصوات.