قال تعالى: "ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون" (آل عمران: 143) . وقال سبحانه: "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتهم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين" (آل عمران: 144) وقال سبحانه وتعالى: "ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون، ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون" (آل عمران: 157-158)
السؤال: ما المعنى الذي حملته الفاء في قوله تعالى: "ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون" (آل عمران : 143)؟
الجواب: تجدر الإشارة إلى أن المخاطبين في الآية الكريمة هم المؤمنون الأحياء المنهزمون في غزوة أُحُد، والمعنى: أم حسبتم أيها المنهزمون أن تدخلوا الجنة كما دخلها الذين قُتلوا وبذلوا مُهَجهم لربهم عز وجل، وصبروا على ألم الجراح والضرب وثبتوا لعدوهم من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم؟ وهذا التبكيت والتوبيخ حمله قوله تعالى: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين" (آل عمران : 142)
ثم جاءت هذه الآية لِتُعَرِّضَ "بأن ما سبق من تمنيهم الموت لم يكن عن رسوخ ويقين، وتفضيل للشهادة ولقاء الله على الحياة، وإنما فيه شائبة من الغرور والزهو، وإرشاد توبيخي لهم ولأمثالهم أن يحاسبوا أنفسهم ويطالبوها بالكمال الّذي تأتي فيه الأعمال مصدقة لخواطر النفس وتمنياتها" .
هذا هو سياق الآية الكريمة، أما عن الجواب فقد ألمحت الفاء في قوله تعالى: "فقد رأيتموه" إلى معاني التوبيخ والتقريع والتبكيت، حيث كشفت المنهزمين من المؤمنين أمام أنفسهم، واستحضرت ما سجلته ألسنتهم من الأماني، ليَظهر التناقض الشديد بين أقوالهم وأفعالهم! فكم كانوا يتمنون لقاء العدو ليظهروا من الجَلَد والشجاعة ما يباهي به الله عباده، وها هم أولاء في يوم أحد يرون الموت الذي تمنوه فينكصون على أعقابهم، ويفرون تاركين وراءهم الرسول - صلى الله عليه وسلم!!
والفاء في قوله تعالى: "فقد رأيتموه" فاء الفصيحة، حيث أنبأت عن شرط المحذوف تقديره : "فإن كان تمنيكم لقاء عدوكم حقاً فقد رأيتموه فأين بلاء من يتمنى الموت؟" .
فأبرزت الفاء الفرق بين الدعوى والفعل . والله أعلم
بشرية رسول الله
السؤال: ما نوع القصر في قوله تعالى: "وما محمد إلا رسول"؟ (آل عمران 144)
الجواب: يحسن بنا قبل أن نجيب عن السؤال أن نبين الجو النفسي الذي نزلت فيه هذه الآية حيث جاءت في سياق الحديث عن غزوة أحد، وفيه تسلية للمسلمين ودعوة لهم إلى الثبات والتماسك وقد انتقل الحديث بعد ذلك إلى مخاطبة هذه الجماعة المسلمة في أمر يتصل بعقيدتها أعني أصل عقيدتها، وهو ما كان قد وقع منهم من ذهول واضطراب عندما أشيع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد قُتِلَ، وذلك حين خالف الرماة أمره - صلى الله عليه وسلم - وتركوا أماكنهم في الجبل، فانكشف ظهر المسلمين ودارت الدائرة عليهم، وأصيب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكُسِرَت رباعيته، وشُجَّ وجهه الشريف - صلى الله عليه وسلم - وسالت الدماء من جبينه، حينئذٍ نودي: إن محمدًا قد قُتِلَ فتفرق أكثر المسلمين، وقفلوا راجعين إلى المدينة يائسين مُحبطين بعد أن بلغ منهم هذا النداء مبلغه ( فهذه الحادثة التي أذهلتهم هذا الذهول يتخذها القرآن هنا مادة للتوجيه، ومناسبة لتقرير حقائق التصور الإسلامي ويجعلها محورا لإشارات موحية في حقيقة الموت وحقيقة الحياة . . . . إن محمداً ليس إلا رسولاً سبقته الرسل، ومات الرسل ومحمد سيموت كما مات الرسل قبله . . . إن محمداً رسول من عند الله جاء ليبلغ كلمة الله، والله باق لا يموت، وكلمته باقية لا تموت وما ينبغي أن يرتد المؤمنون على أعقابهم إذا النبي الذي جاء ليبلغهم هذه الكلمة مات أو قُتِلَ)
الآية هنا تقرر بشرية النبي - صلى الله عليه وسلم - التي لم ينكرها أصحابه يوماً، وقد جاء إثبات بشريته - صلى الله عليه وسلم - هنا في أسلوب عتاب حادٍّ استخدمت فيه جملة القصر "وما محمد إلا رسول" والصفة "قد خلت من قبله الرسل"، لتكون محط القصر، وذلك للتأكيد والتذكير بحقيقة بشريته - صلى الله عليه وسلم - التي تغافل عنها المخاطبون للحظات يوم انكشفت ظهورهم، ودارت عليهم الدائرة يوم أُحُد .
لحظات شدة والتباس
والقصر هنا من باب قصر الموصوف على الصفة، حيث قُصر - صلى الله عليه وسلم - على كونه رسولا موصوفا بانقراض الرسل قبله بالموت، بحيث لا يتعدى رسالته إلى الخلود .
وقد اختلف البلاغيون في نوع هذا القصر، فقيل: هو قصر قلب، لأنه جعل المخاطبين بسبب ما بدر منهم من النكوص عند إشاعة قتل الرسول - صلى الله عليه وسلم - كأنهم اعتقدوا أنه لا يجري عليه ما جرى على الرسل قبله - عليهم السلام - من الموت فأنكر الله عليهم ذلك، وبَيَّن أن حُكْم النبي - صلى الله عليه وسلم - حُكْمُ من سبق من الأنبياء في أنهم قد ماتوا، فَقُلِبَ اعتقادهم هذا بإثبات ضده .
وذهب السكاكي إلى أن القصر للإفراد، إخراجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل استعظامهم عدم بقائه - صلى الله عليه وسلم - منزلة استبعادهم إياه وإنكارهم له حتى كأنهم اعتقدوا فيه وصفين : الرسالة والبعد عن الهلاك، فقصر على الرسالة نفياً للبعد عن الهلاك .
وأميل إلى رأي السكاكي في كون القصر قصر إفراد، لأنه يبرز بجلاء الحالة النفسية التي كان عليها المسلمون عندما أشيع خبر قتل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان هذا القصر "تجسيداً للحظات من الشدة التبس فيها الأمر، واهتزت النفوس بكل ما فيها من يقين حتى ليكاد اليقين الراسخ ببشرية محمد - صلى الله عليه والسلام - ذلك اليقين الذي طالما ألح عليه القرآن، وألح عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - تطرح به هذه اللحظات البالغة في الحرج"، لذا كان من المناسب إيثار النفي والاستثناء طريقا للقصر، لأن فيه قدرا من الحدة والانفعال يناسبان سياق الآية بخلاف (إنما) التي تأتي غالباً في سياق ملاطفة ورفق . والله أعلم
السؤال: ما الغرض من الاستفهام في قوله تعالى: "أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم"؟ الجواب: الإنكار والتوبيخ، فالله تعالى أنكر على المسلمين ما حدث منهم، ثم وَبَّخَهُم عليه، لئلا يتكرر منهم ذلك مرة أخرى . والله أعلم
الفاء اللاذعة
السؤال: بم يوحي التعبير بالانقلاب في قوله: "انقلبتم على أعقابكم"؟
الجواب : في التعبير تصوير حي للارتداد، فهذه الحركة الحسية في الانقلاب تُجَسِّم معنى الارتداد عن هذه العقيدة كأنه منظر حي مُصَوَّر مُشاهَد، والمقصود أصلا ليس حركة الارتداد الحسية بالهزيمة في معركة أُحُد، ولكن حركة الارتداد النفسية التي صاحبتها حينما نودي : إن محمدا قد قُتل، فأحس بعض المسلمين أن لا جدوى إذن من قتال المشركين، وبموت محمد انتهى أمر هذا الدين، وانتهى أمر الجهاد للمشركين ! فهذه الحركة النفسية يحسمها التعبير هنا فيصورها حركة ارتداد على الأعقاب كارتدادهم في المعركة على الأعقاب . وعلى كلٍّ فقوله تعالى: "انقلبتم على أعقابكم" إما كناية عن صفة هي التردي والهلاك، وإما استعارة تمثيلية شبهت فيها حركة ارتدادهم النفسية يوم أُحُد بصورة من ارتد على ظهره على الأرض في سرعة مفرطة . والله أعلم
السؤال: ما دلالة الفاء في قوله تعالى: "أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم"؟
الجواب: الفاء للسببية، فقد أُنْكِرَ على بعض المسلمين أن يجعلوا موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبباً لانقلابهم . ولنتأمل هذه الفاء وشدة لذعها في زجر وتأنيب هؤلاء الذين أسرعوا بالانقلاب فور علمهم بإشاعة قتل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، حيث أظهرت الفاء التناقض الشديد بين أقوالهم وأفعالهم وقد تعاونت (إنْ) في قوله: (أفإن مات أو قتل) مع الفاء في إبراز معنى التوبيخ والاستنكار، حيث إنه ينعي على القوم سرعة ارتدادهم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمجرد السماع بخبر قتله من دون أن يتأكدوا من صحة الخبر . وأظن أننا لا نجد المذاق نفسه في اللوم والإنكار لو استبدلت ( إذا ) ب ( إن ) فقيل: "أفإذا مات أو قُتِلَ" . والله أعلم
الموت والقتل
السؤال: لم قيل: (أفإن مات أو قتل ) ولم يقل: "أفإن قُتل أو مات"؟
الجواب: "لأن الموت أكثر وقوعاً من القتل، ولأن الوصف الجامع بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين الرسل - عليهم السلام - هو الخُلُو بالموت دون القتل" . والله أعلم
السؤال : ما الغرض من تنكير ( شيء ) في قوله تعالى: "ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً"؟
الجواب: للعموم، فالمرتد عن دينه لن يضر ربه بشيء من الضرر قليلاً أو كثيراً، عظيماً أو حقيراً . والله أعلم .
السؤال: ما سر تقديم القتل على الموت في قوله تعالى: "ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة" (آل عمران: 157)
الجواب: قدم الأشرف والأعظم في تحصيل المغفرة والرحمة، فالقتل في سبيل الله أعظم ثواباً وأعلى درجة من الموت، والله أعلم .
السؤال: لِمَ قدم الموت وأخر القتل في قوله تعالى: "ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون" (آل عمران: 158) .
الجواب: لأن الموت أغلب من القتل، والله أعلم .
السؤال: ماذا أفاد تقديم الجار والمجرور على الفعل في قوله: "لإلى الله تحشرون"؟
الجواب: أفاد الحصر، أي قصر الحشر على الله تعالى قصراً حقيقياً تحقيقياً من باب قصر الصفة على الموصوف، والله أعلم .