منّي بونعامة

منذ رواية شاهندة للكاتب الروائي راشد النعيمي، والتي تعد أول رواية إماراتية، وما تلاها من أعمال سردية حافظت الرواية الإماراتية على نسق كتابي واحد أو متقارب على الأقل، من حيث البنية الروائية وتقنياتها وخطابها السردي، حيث ظلت تمتح من نفس المعين، وتعالج مواضيع وثيقة الصلة بالواقع الاجتماعي المحلي، ك: النوخذة، والغوص على اللؤلؤ، والعمالة الوافدة، والنفط، كما مَتَح بعض الكتّاب من التراث ووظف قصصه ومفرداته في الكتابة السردية بوصفه ملهماً للكتابة ويلامس شغاف الكثير من القراء، مما جعلها تحظى بمكانة سامقة في الوسط الثقافي الإماراتي رغم ما اكتنف مرحلة التأسيس تلك من صعوبات جمّة.

راكمت الرواية الإماراتية منذ ذلك الحين الكثير من الروايات المهمة وظهر جيل مفتون بطرق نفس المواضيع سار على منوال سابقه، وقد عرفت الرواية في الإمارات خلال السنوات الأخيرة منعرجاً مهماً ظهر على غراره العديد من الكتاب الجدد من جيل الشباب الذين عكفوا على كتابة أعمال سردية تعكس همومهم الإنسانية والاجتماعية ومشاغلهم الثقافية وانشغالاتهم الفكرية والأدبية، واتخذوا من السرد منبراً للتعبير عما يختلج في نفوسهم من آمال وطموحات. وتتسم أعمال هؤلاء بالانفتاح على عوالم إبداعية جديدة ومجالات كانت خلواً من الطَرْقِ والمعالجة، وهي لذلك تختلف، بالضرورة، عن أعمال الجيل الأول من الروائيين الإماراتيين، سواء تعلق الأمر بالموضوع المطروق أو التقنية السردية أو النَفَس الروائي، وتجد أعمال هؤلاء الكتاب الجدد مساحة واسعة للانتشار من خلال الصفحات الثقافية أو عبر قنوات التواصل الاجتماعي، كما تلقى رواجاً كبيراً لدى الكثير من القراء الذين تستهويهم فكرتها أو تعبّر عن قضاياهم ومشاكلهم وتلامس جانباً من تجاربهم الحياتية.

ومما لا شك فيه أن البيئة الثقافية الإماراتية الخصبة مهّدت وأسهمت في بزوغ هذه الأعمال الجديدة وانتشارها ورواجها على نطاق واسع بما تشهده من حراك وتطوّر ألقى بظلاله الكثيفة على كم المنتج الثقافي ونوعه ومضمونه كذلك. لذلك تعتبر هذه الأعمال في مجملها تفسيراً منطقياً وتطوراً طبيعياً للواقع الثقافي الإماراتي، وهي تنّم عن توجّه جديد في الكتابة يعبّر في الغالب الأعم عن ميول الكاتب وروافده الثقافية ومشاربه الفكرية التي نهل منها، ويتّسق ذلك ويتناسق، بل وينسجم مع المتغيّر الثقافي، ولا يعني هذا، بالضرورة، وجود قطيعة بين الأجيال الثقافية الإماراتية التي يحكم كلاً منها إطاره الثقافي والمعرفي الجامع مع مشروعية البحث عن التجديد والتجريب والانفتاح على عوالم كتابية لا تزال خلواً من التناول أو محفوفة بالمخاطر.

أصوات جديدة

يحمل أصحاب الأصوات الجديدة مشاريع سردية ورؤى تنسجم مع روح العصر، وتنفتح على عوالمه الخصبة وتنهل من الجديد والمفيد في العلوم والفنون، وقد بدأت هذه التجارب السردية تفرض نفسها على الواقع بحكم تزايد انتشارها، وهي تنّم عن حالة من التنوع والثراء في جو ثقافي يتسم بالانفتاح والتواصل مع كل التجارب القديمة والجديدة على حد سواء، وهو مؤشر قويّ على قوة الحراك الثقافي الإماراتي الذي أفرز هذه الموجة الإبداعية الجديدة.


من بين النماذج الجديدة التي تتصدّر قائمة الموجة الجديدة رواية «عشب وسقف وقمر» للكاتبة خولة السويدي، و«حب في الزحام» و«جرف هار» للكاتبة تهاني الهاشمي، وثنائية «اسبريسو، والبانسيون» لعبد الله النعيمي، و«فاطمة ألم وأمل» للكاتب والروائي سلطان حميد الجسمي، و«اليوم الأخير» للكاتب محمد الحمادي، و«مدائن اللهفة» للروائية نادية النجار، و«كونار» للروائية هند سيف البار، و«كوخ الشيطان» للكاتب محمد الحبسي، و«حفلة طلاق» للكاتب مانع المعيني، و«طرق أبواب حديدية» للكاتبة فاطمة العامري وغيرها.
وعلى الرغم من الاختلاف البيّن بين هؤلاء الكتّاب في مستوى الإحاطة بتقنيات الكتابة السردية والتمكّن من اللغة وقوة الحبكة السردية إلا أن أعمالهم، تنتظم، في مجملها، ضمن الموجة الجديدة من الكتاب الشباب الذين كسروا حاجز التقوقع والانطواء على الذات، وحاولوا التحليق في فضاءات سردية أكثر رحابةً واتساعاً، من خلال مناقشة مواضيع بعضها يعتبر من المحاذير الاجتماعية أو المسكوت عنه، وبعضها الآخر يجسّد تجلياً من تجليات الوعي الثقافي والاجتماعي لدى هذه الشريحة التي ولد أغلبها وتربى في كنف التحولات الكبرى التي عرفها مجتمع الإمارات، وما أحدثته من تغيّر جذري على مستوى الوعي الجمعي والفردي، كما أسهمت في بلورة وتعزيز دور الكتابة في البوح والتعبير عن ذات الكاتب ومكامن نفسه.
في رواية «عشب وسقف وقمر» تقدّم الروائية خولة السويدي «رتوش» من حياتها الخاصة ومقتطفات ومواقف منفصلة وفلاشات سريعة حول الذكريات مع الجدة والعلاقة مع البحر والمطر والطبيعة، مازجةً بين الواقع والخيال في نزوع واضح نحو التجديد، وطرق مواضيع مختلفة ومتنوعة يدخل بعضها في قائمة المحظورات الاجتماعية وبخاصة الحديث عن قصص الحب ومغامراته، بيد أن السويدي لم تستغرق كثيراً في الحديث عن هذا الموضوع ولم تتناوله إلا على استحياء. ويبدو أن هذا التوجه للحديث عن مثل هذا الموضوع الحساس يكاد يكون ظاهرة منتشرة في الأعمال السردية الشبابية، حيث نصادف في رواية «حب في الزحام» للكاتبة تهاني الهاشمي، من مستهل العنوان، وقبل الغوص في أعماق الرواية، تصريحاً واضحاً يكشف عن مكنون العمل السردي، حيث تقول:«في خضم أعباء الحياة وأشغالها، تولد نزاعاتنا النفسية والعاطفية والجسدية. قلة هم أولئك الذين يتعلمون تكنيك التجرد من تلك الأوجاع المضنية، والذهاب قدماً في طرقات الحياة المزهرة؛ تلك الدروب الثرية بكل التفاصيل التي تملأ أرواحنا وذكرياتنا بكل ما هو غني بأجمل وأعذب المشاعر واللحظات. على مفرق الطرق ولدت»حُب في الزحام» علها تكون مفتاحاً لمن يقرأها لدرب جديد أكثر إشراقاً. الحب، كلنا يسأل عن الحب، والكثير منا يعيش لأجله!»، وترمي الكاتبة من خلال هذا الطرح تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة المرتبطة بالحب، والتي يتغاضى معظم الناس عن الخوض فيها بوصفها من المسكوت عنه.

نقد الواقع

هذا الانشغال الوجداني والعاطفي بطرح وطرق المحظور قاد الكاتب عبدالله النعيمي إلى خوض هذه المجاهل وارتياد عوالمها الغريبة المريبة، من خلال روايتيه، «اسبريسو، والبانسيون»، وعلى الرغم من أن أحداث الروايتين لا ترتبطان بالسياق الاجتماعي الإماراتي، إلا أنهما تكشفان، أو هكذا أريد لهما، عن الخيط الرفيع في علاقة الرجل بالمرأة، وهذا ما يحيل إلى انشغال جديد مختلف جذرياً عن الانشغالات الأخرى، وهو ما يستشف من خلال التغريدة الأولى التي استهل بها النعيمي روايته الأولى «اسبريسو» حيث يقول:«الأنثى التي تفتح لك قلبها، تتوقع منك أمرين لا ثالث لهما، أن تستقر فيه برغبة وحب، أو أن تعيد إغلاق أبوابه بهدوء ولطف فلا تخذلها بأي تصرّف آخر!»، ثم تصديره لروايته الثانية (البانسيون) حيث يقول:«في الحياة دروس يجب أن تؤخذ وفق ترتيب معين، فدرس الصدق يجب أن يأتي قبل درس الحب، ودرس الحرية يجب أن يأتي بعد درس الاحترام»، هذا فضلاً عن إهداء صريح يكشف النقاب عن دلالة المعنى الحقيقي العميق الذي أراد النعيمي التعبير عنه، حيث يقول في الإهداء:«إلى كل امرأة عربية لم تفهم الرجل، وإلى كل رجل عربي لم يفهم المرأة». إن الأمر لا يرتبط بانتصار للمرأة على الرجل بقدر ما هو نزوع إلى الموازنة والتوفيق بين الطرفين بقدر ما يكفل لهما التقارب والتفاهم والتعايش.

ولئن توقفنا مع رواية اسبريسو التي تمثّل باكورة أعمال النعيمي فإننا نصادف عالماً جديداً مختلفاً عن عوالم أخرى اعتدنا على القراءة عنها في روايات إماراتية سابقة، وهنا مكمن الاختلاف الفعلي المتمثل في الفكرة والتقنية السردية التي اعتمدها الكاتب في روايته.

في البداية يعرّف النعيمي روايته «اسبريسو» بقوله: «هي أقصوصة تويترية بقلمي، عربية الهوى والهوية، لا ترتبط بمجتمع معين، ولدت في صورة تغريدات متسلسلة، وحظيت بتفاعل كبير من المتابعين، لتكبر مع الأيام وتصبح رواية».
من مدخل الرواية يفتح النعيمي نافذة جديدة للقارئ تطل به على عوالم فسيحة ملأى بالتشويق، ويرتحل عن البيئة المحلية ونطاقها الضيق، الذي كان موضوع جلّ الأعمال السردية منذ صدور أول رواية إماراتية «شاهندة» لراشد النعيمي إلى وقت قريب، ليحلق به في فضاءات أكثر رحابة واتساعاً، حيث تسرد الرواية قصة «وليد» الشاب المحافظ الذي تقوده قدماه في إجازته السنوية، إلى مقهى يتناول فيه قهوته الصباحية ويتصفح فيه الجرائد اليومية، وفي المقهى يتعرف إلى سوسن «النادلة»، وتبدأ أحداث الرواية في التسارع عندما تحاول سوسن التقرّب من «وليد»، ونقل علاقتها به إلى خارج المقهى، لكنه لم يتجاوب معها، رغم محاولاتها المتكررة، إلى أن تقرّر سوسن الزواج من أحد المترددين على المقهى يدعى «أحمد»، عندها يشعر وليد بالصدمة الصارخة وخيبة الأمل تجاه سوسن التي كان يعتقد أنها تميل إليه وكان يمانع في مجاراتها ومبادلتها نفس الشعور بحجة عدم تقبّل المجتمع للزواج بنادلة (عربية) في مقهى، فضلاً عن فارق العمر بينهما.
بعد مسار طويل مملوء بالأحداث التي تكشف عمق معاناة وليد من تعلقه بسوسن وشغفه بها، ونجح الكاتب في التركيز على الأحداث الجوهرية التي غيّرت مسار حياة وليد الذي كان يعاني قصة حب انتهت بزواج فاشل مع مريم، وسببت له صدمة كبيرة في حياته وأثّرت في مجرياتها، وحدّدت خياراته، وجعلته حريصاً على تحكيم العقل قبل القلب في حياته حيث يقول:«أكثر من عشر سنوات خلت، منذ أن تزوجت مريم وتركتني أسير طعنتها الموجعة، تلك الطعنة التي أفرغت من قلبي العاطفة وأحالتني جسداً يحركه عقل، وعقلاً يحمله جسد، لا مكان للمشاعر والأحاسيس فيه».

محاربة الصورة النمطية

في رواية «فاطمة ألم وأمل» يعمل الكاتب سلطان حميد الجسمي على نسف صورة نمطية علقت في أذهان الكثير من المجتمعات عن الفتاة المغربية، حيث يؤكد، من خلال بطلة الرواية، أن الفتاة المغربية «قوية وشجاعة، ولا تقبل بغير عادات الإسلام، ولا ترضى بأن يسيء أحد إلى شرفها وكرامتها، فقد ظلت بالرغم من قسوة الزمان والمكان، تبحث عن حرية الفتاة المسلمة وليس عن حرية الفتاة الغربية فواجب على المجتمعات جميعها احترامها وإعطاؤها حقها والدفاع عنها بجدية».

تدور أحداث الرواية حول تجربة فتاة مغربية تعيش حياة ألم ومعاناة شديدة بعد وفاة والدها، وترتبط بنادر وتسافر معه إلى فرنسا لتعيش معه هناك، ولكنها تتفاجأ به وقد تحول إلى وحش كاسر وذئب بشري لا يعرف الرحمة، وتتلقى منه صدمات كثيرة ومعاناة أكبر إلا أنها تظل محافظة على قيمها وأخلاقها وتحقق راحتها بعودتها إلى بلدها الأم المغرب الحضن الآمن الذي يعيد لها الفرح والأمل.
وتأخذ الرواية مسارات ومنعطفات مختلفة تضفي عليها طابعاً من البساطة والوضوح، ولا يجد القارئ كبير عناء في فهم ما تحيل إليها من معان، كما أن شخوصها وأبطالها هم بالجملة شخصيات عادية ومألوفة في واقع الحياة بعيدة عن الغرائبية، وتنتهي مآلات السرد عند عتبات الأمل الذي يبتسم للبطلة بعد عودتها إلى بلدها الأصلي بعد رحلة معاناة ملأى بالألم والقهر والحرمان.
إن التجارب الشبابية الجديدة تكشف بوضوح عن ميولات وانشغالات واهتمامات جديدة ومتجددة تضفي على إسهاماتهم طابعاً من التنوع والتميز، كلٌ بحسب جده واجتهاده وتمكنّه من أدواته الكتابية وملكاته الإبداعية، وهي محاولة لخوض غمار التجريب والتأكيد على نمط جديد في الكتابة السردية يتجاوز النمط التقليدي القديم، أو الصورة التي كانت سائدة خلال العقود الماضية، ويبقى الحكم على هذه المحاولة في الوقت الحاضر أمراً لا يخلو من المخاطرة، لأن ذلك يقتضي، موضوعياً، مرور وقت عليها حتى تستويّ على ساقيها، ولا يمكن الاعتماد في تقييمها على حجم المبيعات من عدمه لأنها عملية تخضع لحسابات خاصة لا تحتكم في الغالب إلى العنصر الإبداعي.