أطلق عليه الجمهور والنقاد على حد سواء شرير الشاشة الظريف، هو الفنان توفيق الدقن الذي لمع في أدوار الشر، والأدوار الكوميدية والجادة، على حد سواء، وكانت لديه قدرة فائقة على توظيف كل إمكاناته لخدمة الدور الذي يلعبه من خلال صوته، ملامح وجهه، نظرات عينيه، حركة جسمه أمام الكاميرا، إشاراته، كلها كانت تعكس ذوبانه في الدور ويصادف هذا الشهر ذكرى وفاته ال 22 .
هو صاحب أجمل الإفيهات في السينما المصرية، التي تعبر عن خفة الظل حتى في أدوار الشر ومنها: أحلى من الشرف مفيش، ألو يا أمم، يا آه يا آه، ألو يا همبكة، انتباه يا دانس، أستر ياللي بتستر . . صلاة النبي أحسن . . كله على ودنه، وغيرها من العلامات المسجلة التي يحفظها عشاق السينما في العالم العربي لذلك الشرير المتميز الذي عرف كيف يصل إلى قلوب الجماهير ويستحوذ على إعجابهم .
ولد توفيق أمين محمد الدقن، أو توفيق الدقن، في 3 مايو/أيار عام 1923 في قرية هورين بمركز بركة السبع بمحافظة المنوفية . نشأ في أسرة متدينة تتألف من خمس بنات وأربعة أولاد، وكان والده يحبه بشدة بسبب وفاة ابنه الأكبر الذي ولد في العام ،1920 ولم يستخرج له والده شهادة ميلاد، بل عاش بشهادة ميلاد شقيقه، والتحق بكتاب القرية لحفظ القرآن وأطلق عليه الشيخ العجوز بسبب ملامح وجهه الكبيرة والتي لم تكن تتناسب مع طفولته، وترك القرية إلى غير رجعة بعد أن عين والده في نيابة السويس . وظل يتنقل مع والده من بلد إلى آخر، إلى أن استقر في مدينة المنيا، حيث تلقى تعليمه الابتدائي، وحصل على الشهادة الابتدائية عام ،1932 ثم شهادة الكفاءة بعد 4 سنوات، واتجه خلال سنوات دراسته إلى الرياضة، وكان ماهراً في كرة القدم ما رشحه ليكون رئيساً لفريقه وهو في العاشرة من عمره، كما تفوق في الملاكمة وحصل على بطولة المدارس الثانوية للملاكمة .
كانت نشأة توفيق الدقن صعبة جداً، ولم يمر بفترتي طفولة وشباب طبيعيتين، إذ وجد نفسه أخاً لتسعة أفراد، وابنا لأب عاجز عن الإنفاق، فقرر أن يجمع بين الذهاب إلى المدرسة صباحا، والعمل بعد الظهر، وفي الإجازات الرسمية لكي يساعد والده في إعالة أشقائه، فعمل في صيدلية ومعمل للألبان، وقبل أن يحصل على الشهادة الثانوية مات والده، وترك له مسؤولية إعالة هذه الأسرة الضخمة، وعين كاتباً في نيابة المنيا خلفاً لوالده، الذي كان يحلم بأن يصبح ابنه وكيلاً للنيابة .
لم يكن في تصور توفيق الدقن أن يصبح فناناً، لكن عام 1946 أقامت جمعية الشبان المسلمين بالمنيا حفلها السنوي، الذي يشترك فيه جميع الرياضيين، وهواة الموسيقا والفنون، وكان من الطبيعي أن يشترك في العرض الرياضي الذي أقيم ظهراً، وكان أحد نجومه البارزين .
وفي المساء ذهب لزيارة أحد أصدقائه قبل موعد الحفل الساهر بساعات، ففوجئ عند دخوله بالمخرج صليب يونان، المسؤول عن العرض المسرحي، يعرض عليه تمثيل دور صغير في مسرحية حب الأبرياء بدلاً من زميل أصيب فجأة بالحمى، رفض في البداية، لكن أمام إصرار المخرج، وعلمه بأن دور البطولة هو للممثلة روحية خالد وافق، خصوصاً أنه وجد تشجيعاً منها، وافق وحفظ الدور في أقل من ثلاث ساعات، وانتزع إعجاب الجميع بفضل روعة أدائه، كما شجعه الجمهور أكثر لأنه كان يتمتع بسمعة جيدة كرئيس لفريق كرة القدم بنادي جمعية الشبان المسلمين، وفي نهاية العرض نصحته الفنانة روحية خالد بأن يلتحق بمعهد التمثيل بالقاهرة لأنه يملك موهبة يمكن أن تجعله من كبار النجوم .
لم يكذب توفيق الدقن خبرا، فقد سعى إلى الانتقال بعائلته إلى القاهرة، وتم ذلك بالفعل، وفي عام ،1949 قرأ إعلاناً في الصحف يطلب شباباً للالتحاق بمعهد الفنون المسرحية، فتقدم ضمن 6 آلاف طالب للاختبارات، وتم قبوله ضمن ستة عشر منهم لإجادتهم فن التمثيل .
وهكذا بدأ توفيق الدقن يخطو أولى خطواته في القاهرة بعد أن ترك العمل في نيابة المنيا، وأصبح خلال دراسته بمعهد الفنون المسرحية كثير التردد على دور السينما والمسارح، وتبلورت عنده هواية الفن، واشترك قبل تخرجه ببضعة أشهر في تمثيل فيلم ظهور الإسلام، وبعد تخرجه عام 1951 عمل في فرقة المسرح الحديث التي كونها الفنان زكي طليمات لخريجي المعهد، لكنه تركها بعد عامين بسبب عدم إسناد أدوار ذات قيمة إليه .
وفي منتصف عام 1952 اشترك مع عدد من زملائه هم: سعد أردش، عبدالمنعم مدبولي، عبدالحفيظ التطاوي وزكريا سليمان في تكوين فرقة أطلق عليها فرقة المسرح الحر، قدمت عدداً من المسرحيات الناجحة، ومثل فيها توفيق الدقن دور البطولة، وأصبح ممثلاً ذا ثقل ووزن في أنحاء العالم العربي، ولمع اسمه أكثر وأكثر عندما اختاره المخرج الإذاعي يوسف الحطاب لتقديم دور سلطان في مسلسل سمارة، الذي كان بداية انطلاقته الحقيقية في تجسيد أدوار الشر، ثم انضم بعد ذلك إلى فرقة إسماعيل ياسين المسرحية في الفترة من عام 1954 إلى ،1956 ثم تركها وانضم إلى فرقة المسرح القومي التي ظل يعمل فيها حتى أحيل إلى المعاش عام 1983 .
تزوج توفيق من السيدة نوال الرخاوي، والتي كانت ابنة عائلة معروفة، فذهب وطلب يدها من عائلتها، وكانت هي الزوجة الوحيدة في حياته والتي استمرت معه حتى وفاته، حيث أحبها حباً كبيراً .
ورغم أن معظم أدواره، وأبرزها، وأكثرها رسوخاً في أذهان الناس، من نوعية أدوار الشر، فإنه استطاع أن يلبسها ثوباً خاصاً جعل الناس تقبله فيها . . إذ جعل كل حواسه تعمل في اتجاه خدمة نوعية الأدوار التي يقدمها، وكان في حالة بحث دائم عن جملة أو إفيه أو إشارة تخدمه عندما يقف أمام الكاميرا، فأصبح صاحب أشهر إفيهات في تاريخ السينما المصرية في مساحة عريضة من الأداء المتنوع كانت له صولات وجولات، كان كحصان جامح لا أحد يستطيع أن يوقف اندفاعه .
كان أول شرير على الشاشة السينمائية يجعلك تضحك من القلب، وتغرق في الضحك من دون أن تجد مبرراً لهذه الضحكات، رغم أنه لم يكن ينوي عندما أصبح ممثلاً أن يحترف تقديم أدوار الشر، أو أن يصبح شرير الشاشة الظريف، كما كان يطلق عليه، وقد أتته أول فرصة سينمائية وهو طالب في معهد الفنون المسرحية عندما اختاره عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين لتقديم شخصية أحد المسلمين الذين استشهدوا في سبيل الإسلام، وذلك في فيلم ظهور الإسلام عام 1951 .
وكان المخرجان يوسف شاهين وتوفيق صالح هما اللذان حددا اتجاهه وطريقه، وحولاه إلى أدوار الشرير الذي يرتكب الجرائم ويثير الشغب ويقف ضد القانون، وزعيم العصابة الذي لا تفوته صغيرة أو كبيرة، مع كل من حوله، فقد أسند إليه المخرج توفيق صالح دور شرير في فيلم درب المهابيل عام ،1955 ثم اختاره يوسف شاهين في دور مماثل في فيلم صراع في المينا عام ،1956 أي أن توفيق صالح قدمه في هذه الأدوار صدفة فالتقط يوسف شاهين الخيط، وهكذا وضع الفيلمان توفيق الدقن في إطار أدوار الشر، فقرر اختيار أسلوب خاص لتقديمها، وكان يرى أن الشرير لا بد أن يكون جميلاً وأنيقاً وظريفاً حتى يتمكن من إقناع الآخرين بنواياه السيئة من دون أن يشعروا بذلك، فاستعاض بخفة الظل عن الجمال والأناقة .
والغريب أنه على الرغم من التنافس الشديد في أدوار الشر فإن صداقة حميمة ربطت بين توفيق الدقن ومحمود المليجي وفريد شوقي، واستيفان روستي، وظلت هذه الصداقة تربط بينهم حتى رحلوا جميعاً، لدرجة أنه أثناء تصوير فيلم المخادعون عام 1973 كان المشهد يتطلب أن يضرب الفنان حسن حامد زميله توفيق الدقن، لكن الدقن اعترض بشدة وقال في استنكار وبطريقة أدائه المعروفة للجميع: فريد شوقي يضربني مافيش مانع، محمود المليجي زي بعضه، رشدي أباظة لا بأس به، ياما ضربوني وخصوصاً رشدي أباظة أبو إيد تقيله . . لكن حسن حامد صعب قوي .
وعلى الرغم من أن توفيق الدقن ترك أكبر رصيد من الأعمال متمثلة في 400 فيلم و150 مسرحية و300 تمثيلية إذاعية وما يقرب من خمسين مسلسلاً تلفزيونياً، وكان آخر أفلامه لعدم كفاية الأدلة مع نجلاء فتحي عام ،1987 فإنه لم يكن نجما للشباك، ولم يقدم البطولة المطلقة على مدى 36 عاماً هي عمر مشواره الفني، كان كل ما يهمه أن يكون الدور جيداً، وأن يحافظ على الحب بين الأصدقاء، لدرجة أنه حزن كثيراً على صديقه محمود المليجي، وكان في حالة تعب شديد عندما عاد إلى البيت بعد أن مشى في جنازته عام ،1983 ولما رأته والدته على هذه الحال نصحته بأن يأخذ إجازة للراحة يقضيها في الإسكندرية، وبالفعل ذهب وأمضى فيها عشرة أيام، وعندما عاد إلى القاهرة بدأ يعاني من مرض السكر والفشل الكلوي، وعلى الرغم من ذلك إلا أنه كان يعمل ويرفض التوقف حتى للعلاج . وظل هكذا حتى أصابته غيبوبة، ونقل على أثرها إلى المستشفى، بقي فيها عشرة أيام، وبينما هو يرقد في المستشفى أوصى ابنه بأن يتم دفنه على الفور، ووضع زهرة حمراء على قبره، وأكد ضرورة أن يتوجه كل منهم إلى عمله بعد الانتهاء من مراسم الدفن، لأن الحياة لا تتوقف عند أي إنسان مهما كان قدره، وبعدها توفي في 26 نوفمبر/تشرين الثاني عام ،1988 بعد رحلة طويلة من الكفاح والفن، نال خلالها العديد من التكريمات، وربما أهمها وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1965 من الزعيم الراحل جمال عبدالناصر وشهادة الجدارة في عيد الفن عام 1978 من الرئيس السادات .
غير أن أهم جائزة نالها في حياته وبعد رحيله، هي حب الجمهور، فيكفي أنه بعد رحيله منذ ما يقرب 22 عاماً عانت السينما المصرية ولا تزال من عدم وجود البديل الذي يصل إلى ربع قامته ونصف عبقرية توفيق الدقن . . وبغيابه ترك فراغاً على الساحة الفنية لم يستطع أحد غيره أن يملأه حتى الآن لأنه لا يشبه أحداً ومنفرد في موهبته وأدائه الصادق .